ملامح يابسة – ابراهيم سليمان نادر
قلبي
مملكة للذنب .
حلق فيها ،
سمار الليل ،
قلبي مملكة ،
جمحت فيها الخيل …
يتعالى صفير القطار حادا ، منذرا بانطلاقه نحو الجنوب . يلج العربة فجأة رجل وأمراة وهما يلهثان .
يطلب الرجل من المراة الجلوس باقرب مقعد :
– اجلسي هنا بجانب السيدة ، واتصلي بي ، سابقى في البيت حتى المساء .
– سأفعل …. سأفعل .
حبست المراة انفاسها ، لكنها حمدت الله ان ضوء العربة كان خافتا ، فاخفى قلقها .
تحرك القطار بطيئا ، ثم ازدادت سرعته وابتعد عن رصيف المحطة .
كانت المراة تسافر وحدها اول مرة منذ ان تزوجت .
التفتت وتبينت وجه جارتها . كانت عجوزا تقارب الستين ، لفت قدها الممتليء بمعطف بني ، واحاطت رأسها بشال من الصوف تحسبا لصقيع الليل .
بينما جلس قبالتها رجل طويل الوجه ، ذو شارب قصير وعينين سوداوين ، يضع بطانية على رجليه ، طواها عند الصدر .
كانت عيناه تلوبان في كل اتجاه ، ثم تستقران عليهما والسيجارة لا تفارق فمه .
في البداية خيل اليها انهما تنفذان من خلال ثوبها ، فضمت سترتها وغطت القلادة التي على صدرها ، وجلست منكمشة .
انظفأت المصابيح التي كانت مضاءة في سقف العربة فتسلل الظلام وغطت العتمة ملامح المكان .
تبادلت المراة والعجوز ابتسامتين ، والرجل قبالتهما صامت لا يحول باصرته عنهما
كان الحديث بين السيدتين مقتضبا ومقيدا بسبب الظلمة والرجل .
خرق العتمة نور ومصباح يدوي كان بيد قاطع التذاكر الذي دخل العربة فجاة يتبعه شرطيان حتى بلغا اخرها ، ثم ولج عربة اخرى .
اطبقت العجوز جفنيها ، لكن المراة بقيت قلقة تعصف في مخيلتها خواطر سود .
اخذت تلوم نفسها بارتدائها قلادة لا موجب لها .
بقي الرجل قبالتها ساكنا دون حراك ، وهو لا يحول حدقتيه عنها الا قليلا .
كانت حركة القطار الرتيبة وارتطام المعادن ودوي العجلات والعتمة تحيلها الى الاسترخاء والنوم ، الا انها تشد هذه الخواطر الى بؤرة شعورها ، فظلت يقظة تدور بمقلتيها كالنحلة .
افاقت العجوز من غفوتها حين ابطأ القطار في سيره ، ثم خمدت حركته ،
وتوقف عند رصيف محطة بلا عنوان
– اين وصلنا ؟ .
– لا ادري ، ربما محطة ( السماوة ) .
– الظلام يمنعنا من الرؤية .
– لماذا يتركون العربات هكذا في مثل هذه الكابة ؟ .
– نحن في حرب ، والنور ممنوع .
– نعم صحيح ، لقد فاتني هذا .
– لا احب السفر في الليل .
– وانا مثلك يا سيدي .
نظرت المرأة الى الرجل . كان صامتا ، لا يحب ان يخوض معها في الحديث ، فزادها هذا توجسا منه ، انطلق بعدها القطار وزاد من سرعته يشق قلب الليل بينما عاد الصمت والظلام يخيمان على المكان مرة اخرى .
اخذت العجوز تلملم حاجياتها وتتهيأ للنزول . سألتها المراة ببعض الخوف :
– حضرتك نازلة ؟ .
– اجل ، فبعد دقائق اصل مدينتنا .
– رافقتك السلامة ايتها السيدة .
– الله يسلمك ، وانت الى اين ؟ .
– ( البصرة ) .
انفرج ثغر المراة عن ابتسامة شاحبة ، اخفقت بها قلقها بعد ان نزلت العجوز وغادر القطار الرصيف .
كانت تود لو عثرت عن مقعد اخر تنتقل اليه ، لكنها اثرت البقاء في
مكانها ، والرجل ينظر اليها كعادته بصمت ملغم بالمفاجآت .
في النهاية رأت ان لا تبدو امامه ضعيفة او خائفة . اخذت تراقبه وتتحسب لكل حركة تبدر منه .
ظهر قروي في نهاية العربة ، يتأبط صرة كبيرة ويمشي متوافقا مع ارتجاجات القطار الجانبية .
اطمأنت المراة بعض الشيء وشعرت بالامان ، لكنه ازعجها حين جلس بجانبها . كانت سحنته تطفح بالجفاء ، تعج من ثيابه العطنة روائح كريهة يختلط فيها روث البهائم ودخان حطب الريف .
للمرة العشرين تفحصت المراة الرجل الجالس قبالتها .
لم يغمض له جفن ولم تنطفئ سيجارته منذ ان شرع القطار بحركته
الثعبانية .
عيناه متقدتان تكادان تنفذان اليها لتجردها من كل شيء ترتديه .
ترى بماذا يفكر هذا الرجل ؟ .
انه يغيظها بهدوئه وصمته ويثير فيها الريبة والشك ويجعلها تتوجس منه وتتحرس .
فجاة !
دفع الرجل بطانيته عن صدره ، فتصورت انه سينقض عليها ويطوقها بذراعيه ، ربما يمزق ملابسها ويسرق قلادتها ثم يفر من القطار وبخاصة ان القروي قد نزل قبل محطتين وبقت معه وحيدة .
تمنت وقتها ان تصرخ وتستغيث ، لكنها وجدت ان صوتها لا يطاوعها ، فأطبقت جفنيها وراحت تترقب الحدث المقدر عليها ، ولما فتحتهما وجدته ما يزال قابعا في مكانه يدخن سيجارته كالمعتاد ولا يحرك ساكنا . نظرت اليه سادرة وفمها مفتوح .
أغلقت عينيها وكانت تود ان تبكي .
راحت تسترجع في ذاكرتها حوادث القطارات وافلام الرعب وروايات
( اجاثا كريستي ) ، فلم تجد من بينها حادثة اغتصاب واحدة ، لكنها تذكرت حوادث قراتها في الصحف والمجلات عن اناس يمزقون بالسكاكين ، ثم يلقون تحت العجلات خلسة لتختفي معالم الحادثة ويتيه اللغز على القضاء ، وحادثة اخرى لرجل بتر اصبع سيدة وسرق خاتمها النفيس ، ثم نط كارنب من نافذة القطار وابتلعه الليل .
هل تسمح له ان يعانقها ويقبلها ، ثم تخنقه وتجهض انفاسه ؟
كم هي ساذجة وغبية ، الاجدر بها ان تسمح له بتقبيلها وتعريتها وفي لحظة انشغاله تنقض عليه وتمزق جسده باسنانها واظفارها ، لكن هذا لا يمكن تحقيقه ، فهو اقوى منها وسيتفوق عليها حتما وتكون له الغلبة في النهاية .
جف ريقها واحست بظمأ زاد من جذوة الخواطر التي تصطلي في داخلها ، وتهد بدنها الغض .
ظل الرجل متدثرا ببطانيته في مقعده ولم يغيره ، وكان يدخن كعادته .
يقينا انه الان يعد نفسه لوثبة خاطفة ، لكنها ستقاومه حتى اخر نفس فيها ، وليكن ما يكون .
تنفس الصبح ، فلاحت هامات نخل ( البصرة ) وهي تسد مساحات الافق الرحب ، حينئذ تنهدت المراة وراحت تتفحص معالم الطريق وقد بانت على عينيها هالات السهر والتعب .
بدأ القطار يخفف سيره حتى ماتت حركته في محطته الاخيرة .
دخل العربة شابان يافعان ، فاسقط الرجل بطانيته وتهيأ للنزول ، وكان يبتسم لاول مرة .
كانت ساقاه متدليتين بلا حراك مثل شيء ميت . توردت وجنتا المراة ، وحولت باصرتها الى النافذة حين رفع الشابان الرجل المشلول وخرجا به من العربة .
ظلت المراة في مقعدها تصارع احباطها المفاجيء ، بينما أخفت دهشتها بدمعتين انفلتتا رغما عنها .




