أعشاش – ابراهيم سليمان نادر
أنكري ،
ألبسني حزن العصافير ،
وقال :
لست انت ! ….
ستة أعشاش للعصفورة
1.عش أول
في حضن العش الانيق بركن مسجد قديم ، مطت العصفورة الجميلة جناحيها ونفشت ريشها البني مستقبلة اشعة الشمس ، ثم رفت قليلا كمن يمارس رياضة اليوم وقالت لفرخها العابث :
– آن الاوان يا عزيزي كي تتعلم الطيران .
– ولكني خائف يا أمي .
– لا باس عليك يا بني ، فانا معك حيثما تحط ، ولكن تذكر على الدوام امرين مهمين في حياتنا نحن معشر العصافير .
اولهما : ان لا تحلق في الارتفاع الذي يتمكن فيه الباشق اللعين النيل
منك .
وثانيها : تعلم جيدا ان الانسان الذي ينظر الى الارض حين يراك ، انما يفتش عن حصاة لقتلك بنفاقته .
تأمل الزغلول الصغير وصية امه وقال لنفسه :
( حقا ان امي مخطئة ، لقد فاتها ان التحليق على ارتفاع منخفض يعرضني للصيد بسهولة ) .
نظر العصفور الصغير الى امه بشيء من السخرية ثم نط بحماس الى الفضاء وحلق دون ان يكمل الدرس الاخير ، بينما راحت الام تتابعه بسقسقات فيها شيء من الغضب والاستياء .
2.عش ثان
على حافة النافذة الجنوبية لحجرة نوم في الطابق العلوي ، اكملت العصفورة الجميلة عشا انيقا لتتزوج فيه .
كانت حجرة العروسين فاخرة الاثاث ، رائعة التنسيق والترتيب تزينها تحف نادرة وسجادة باهضة الثمن غطت كل مساحة الحجرة الزاهية .
كانت العصفورة تستيقظ كل صباح على صوت ( فيروز ) والزوجان الحبيبان يغمران بعضهما بقبلات متتالية ، وانقضى شهر العسل .
ذات صباح استيقظت العصفورة على شجار وصراخ بين الزوجين العاشقين ولم تسمع صوت ( فيروز ) .
عمت الكابة والحزن معالم العش الجميل .
دندنت العصفورة اسبوعا كاملا لتعوض صوت ( فيروز ) ، بيد ان الحبيبين ظلا متخاصمين ..
في الاسبوع الثاني : افترق الزوجان وغطست الحجرة الحالمة في لجة الصمت والفراغ ، ثم غابت في افق التلاشي .
في الاسبوع الثالث : هدمت العصفورة الجميلة عشها المنسق بعد ان ذبلت الاناقة فيه ورفت بعيدا الى بيت اخر يصدح فيه صوت ( فيروز ) .
3.عش ثالث
اطلت العصفورة الجميلة من عشها الانيق الذي اعتنت ببنائه في سقف مخزن متروك ، فرأت سيفا قد علاه الصدأ والتراب . كان السيف بين كومة من الحديد المهمل .
قالت العصفورة للسيف :
– ايها المهند العريق ، ألا تخجل من موقعك هذا ، والناس يتغنون بامجادك وماثرك ويشيدون بافعالك العظيمة . اجاب السيف بكبرياء الفرسان :
– لقد كنت المع كالبرق ، واقصف كالرعد ، فترتجف لي افئدة الرجال ، غير اني صرت اليوم اقوم باعمال وضيعة في هذا المخزن لا تتفق ومقامي الرفيع .
دخل المخزن فجأة ، فلاح منتفخ الصدر ، شامخ الهامة ، اجال ببصره في كومة الخردة واخذ يعبث فيها كمن يبحث عن شيء ما .
ركل الفلاح السيف بقدمه جانبا وخرج من الخزن وهو يتأفف .
قالت العصفورة :
– هل رأيت ايها السيف الصدى كيف اقتحم علينا الفلاح المكان كالمارد الجبار ، فارتعدت له اوصال المخزن وكانه قوس النصر .
صمت السيف الممدد ثم تنهد وقال :
– يا عصفورتي الجميلة ، لا تتوهمي به ، انه الهزيمة بعينها .
4.عش رابع
من العش المنسق الجميل بين اغصان شجرة الجوز الكبيرة ، شاهدت العصفورة الرقيقة ثعلبا يلهث من الجري .
قالت العصفورة :
– ما بك ايها الثعلب ؟ .
– ايتها العصفورة الحلوة الطيبة . ان كل من في الغابة يرميني بتهم باطلة ، ويلفق بن تهما سيئة .
– وماذا يقولون ؟ .
– يقولون بانني جبان وماكر ولص ومحتال ، هذه امور مشينة لا ارضاها لنفسي.
اناشدك ايتها العصفورة المهذبة ان تشهدي على براءتي ، وتبرئي
ساحتي .
بدأ الثعلب يبكي بمرارة واسى والعصفورة ترقب باهتمام تصرفاته العجيبة ، ثم قالت له ساخرة :
– انت في وهم ايها الثعلب ، لقد رايتك بعيني مرارا واثار ضحاياك قد التصقت على انفك المدبب .
5.عش خامس
انتهت العصفورة الجميلة بعد عناء من تنسيق عشها الانيق الذي أصبح محط اعجاب معشر العصافير ورأت أن ما ينقصه هو ساعة توقيت يعمل منبهها بكفاءة ودقة .
بدأت العصفورة الانيقة تسأل وتتحرى مع عصفورها الذي هده البحث عن تحقيق رغبة حبيبته العجيبة .
مرت أيام وأسابيع ولم تحصل العصفورة على حاجتها ، لكن فنجسا صغيرا أخبرها بأن نوعا من الساعات الالكترونية قد ظهر في غابة الجبل الاخضر .
مل العصفور من أمنية عصفورته ، فغادر العش وحلق الى عمق المدينة الصاخبة .
عادت العصفورة الى عشها الحالم دون أن تجد ساعتها المنشودة ولا عصفورها الحبيب ، وراحت تفتش عنه في الفضاءات القريبة والبعيدة .
بعد الرحلة المتعبة ، عادت العصفورة خائبة الى عشها الانيق ، لكنها فوجئت بعصفورة فاتنة فيه والى جنبها عصفورها القديم .
ظلت العصفورة هنيهة عند بوابة العش ، ثم حلقت باكية الى عالم بلا عصافير .
6.عش سادس
بين تشابك جريد النخل وسعفه على كوخ ريفي يطل على جرف نهر ، بنى عصفوران عشهما الانيق .
كانت هناك أشرعة ملونة وصيادون ومواويل حزينة وبضع صبايا
حالمات ، يتهامسن بشوق وحياء . ملأن جرارهن ، ثم مضين بدلال الى خضرة الربيع .
كان النهار رائعا ، وكانت هناك بيارات ومساحات ضياء وابتهالات
رجاء ، وقناديل تتدلى .
فجأة …. !!
هبت ريح فانحنى صياد وطوى الشراع . سخرت العصفورة الانيقة
وقالت :
– لقد خاف الصياد من هبوب الريح .
رد العصفور الجميل بشيء من الحكمة والكبرياء :
– كلا يا حبيبتي ، لقد أخذ حاجته من الهواء فقط ، وأكتفى بها ، ولا شيء غير ذلك .
عصفت الريح واشتد صفيرها ، فتطاير سقف الكوخ وتناثر منه العش
الانيق ، وفرّ العصفوران الى الفلاة …





