معاً نقطفُ الغيم ✍️القاص ابراهيم سليمان نادر
معاً نقطفُ الغيم ….
أبعدُ من كل طُيور البيتِ
وما زال الزغبُ الناعمُ
تحت جناحيه , فاتسعتْ أقواسُ المرمرِ
واتسع الوقتُ
وكما لو ان شجيرة توتٍ هَطلَتْ ،
أسرابَ عصافير ……
يتوّثب نحوي لاهثاً ، فاغراً فاه حين تقترب إليه سبابتي ، ثم ينكمش منزوياً في ركنه كعادته ، مطبقاً جفنيه بحذر وخداع . يتمطى قليلا ويفرش جناحه ، ثم يرف عائداً الى نقطة البداية ، مختبئاً وراء الفكرة الصعبة وحنين الماضي .
ينحدر بصفير الفكين ولهاث الزغب الملون . ينفتح فجأة ثم يتكور على نفسه ليغفو قليلا غريق الراس ، فتتلاطم في داخله الاحلام والهواجس ، كأنما تصعد الى فم بلا شفتين . تلك هي أهواؤه التي يتقد فيها سعير الرغبة بالطعم الغريب الذي شده يوما اليه ، حينئذ يتراقص لسانه الارجواني في لهيب النشوة كعادته اول مرة .
لو فاجأت تأملاته ، لاستدار نحوي هائجاً من صبره ومقت انتظاره ، محدقاً في سبابتي من فوق الى تحت كمن يود ان يفعل شيئا ما .
يعزف لحنا خافتا أحيانا ، ثم يصمت متأنيا بعض الوقت .
بضع بوصات تمنعني عنه .
لكن التأمل يرجعني اليه عقدا متوهجا حي يرمقني بحدقتيه المتقدتين وانا اسد عليه بوابة الضوء واللون والاشكال .
ظل طويلا ينمو امامي ويكبر من وقت لاخر حتى اصبح طيرا يافعا تغار عليه العنادل الجميلات ، فاتحول انا معه الى غابة استوائية تهيج بالسيقان السقيلة والاطراف الناعمة ، يفوح منها اريج قفزاته ، وصفير أفكاره المجهولة .
ذلك هو بلبلي ، ( عنبر الموصلي ) هكذا أسميته انا .
حين أّصّفر له لحني الخاص به ( عنبر …….. يا عنبري ) يصغي اليّ هنيهة ، ثم يتوارى الى ركنه القصي عني ، ذلك الركن الذي يسميه هو في اعماقه
( عشاً ) او ( مأوى ) .
احيانا اتحسس في ريشه الرصاصي دفء تنفسه داخل صدره الغض مثل كائن يتبدد او يغرق ، تلوح منه استغاثة تشبه امواجا صائلة كرت قبل اعوام .
يموج لي احيانا ، مثل صوت اعزل حين تغازله المنية ، فأراها متقدة في بؤبؤ حدقتيه كل صباح . اعطش مشتاقا الى لقياه مرات ومرات ، واغرف له من حبي في كفين مرهفتين فلا يبالي بي .
ألوح له بإشارات يحجبها البعد عني واستقبله بحنين خاص اقسمنا عليه نحن الاثنان معا .
في اليوم الاول الذي عرفته فيه ، كان لا يوجد بيننا الا الصمت والسكون مجرد عواطف واحلام رحت انميها واعجنها اليه لكن ربيعه كان موقتا ، طقطق مثل اغصان يابسة ، احتضنتها ريح ونار فإنصهرت في عتمة الماضي ولهيب الحاضر.
حين يقابلني فجأة في منعطفات غير متوقعة ، ويحط على اغصان لم اكن أظن ان أمر أنا قبالتها في يوم ما ، كنت اراه امامي ينط من غصن الى غصن ، متوهج الاحداق ، يعزف لحنا خاصا به ، يقطعه حينا ويمده طويلا حينا آخر مثل كائن خرافي نحره الشوق واللهفة والحنين .
رغبت ان تنبع بيننا رغبة من تلقاء النفس ، لكنها اصطدمت بالحلم والريش والمنقار والثياب ، فغطست حواراتنا في صمت الاعتراف وذاب المجهول الخفي ليذهب كل منا الى سبيله .
فجأة نط ( عنبر ) امامي .
هنا وهناك ، لا اعرف من اين اطل نحوي ، ومن أي شعاع انحدر ؟
كل ما أتذكره انه كان شبيها بأثر ضال تاه في اسطورة اغريقية ، أو غرق في ايقونة عتيقة وغاص في قعر اليم المديد .
منقاره الداكن ، غادرته القرون منذ امد بعيد وعاد ليرتبط بي مدفوعا ببرية ساذجة وانعتاق بلا حدود .
جاءني ( عنبر ) يوما وحط متلعثما على سبابتي لينقر فتافيت التمر
( البصراوي ) ، فتألق بين اهتزازات ذيله الرصاصي ورقصات لسانه القرمزي ، ثم اطلق لي لحنه الرفيع المألوف ليثير شوقي اليه . لسع بطرف منقاره المدبب شحمة أذني ، فأحدث لي وجعا ، لكنه كان لذيذا ، كأنما يهمس لي :
( لا تخف …… لأجلك …….. لن ارحل …… )
قست مدى حاجته الى السماء والإنعتاق ، الى الرفيف بلا عوائق او أسلاك او اقفاص تحجبنا نحن الاثنين معا ، وكنت ادري ان تلك هي محض رغبته في التخلص والتحرر من القضبان ، لكن تراقص لسانه الارجواني ظل يلظم طويلا بفيض ، كمن يطلق صرخة استغاثة او نداء او اعتراف .
خرجنا معا ذات صباح قرب حافة دجلة ، الى ربيع اخاذ تتفتق فيه
الخضرة ، ويطفو على آفاقه نيسان مهول الروعة والابداع .
كان الزهر والقداح والخزامى والبيبون يستحمون على جنبيه فأقسمنا ان نظل هكذا طول العمر ، لكنه حط على كتفي متنحيا في أعشاش واغصان رتبتها رغباته وأظفاره هو .
مرّ وقت طويل علينا ، ناديته بعدها متوسلا ( عنبر …. يا عنبري …. ) .
تخيلته على سبابتي وانا امنحه قبلات خفية أستنجد فيها لا نظر اليه ، لكنه غطس في أعشاش خفية وتخفى عني مثل فقاعات صابونية تبددت مع اول جسة بنان ، لكنه نطق في ما يشبه التجلي :
( لا تتوهم بي . ……… مثل توهمي فيك ) .
رفت جفناه بوهج كشاف ، ثم رفّ بعدها بعيدا وحط بغنج على غصن زيتونة كبيرة ، عاد بعدها مثل بندول ساعة واستقر على سبابتي ، راقص الذيل ، مرتجف الجناحين وسار كل منا حسب هواه .
في الطريق ظل يلتقط من سبابتي فتافيت الرطب المحببة الى نفسه وهو في ذروة النشوة والتلذذ .
هذا كل ما يشدني اليه حين اناديه :
(عنبر …….. يا عنبري …… ) ……..
أراقصه كما يطيب لي واداعبه وقت ما يحلو لي . لم تجف مآقيه حتى هذه اللحظة التي انسل فيها بخطوات يضيئها العطش والرغبة ، لكنه يلج بين الاغصان وسعف النخيل .
أمسد له الطريق وحدي .
أمشي بلا صوت او ظل ، خشية ان يفلت مني .
أطل اليه من بعيد وأتخيل بطرب ولوعة ترصده لي ، مناديا إياه
( عنبر …….. يا عنبري …… )
يحط ثانية على سبابتي ،
راقص الذيل ، مرتجف الجناحين ، يعزف لحنه المألوف والمغمس باهتزازات لسانه الارجواني الرفيع ، كمن يبعث قبلات لا تجد امامها فماً على الاطلاق ……
إبراهيم سليمان نادر
الموصل / محافظة نينوى / جمهورية العراق
هاتف:- +9647503773000 / 9647701606057+
الأيميل:-alnadir505152@yahoo.com
• عضو الأتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق.
• عضو اتحاد الكُتّاب العرب .
. عضو إتحاد المصورين العرب ..
• عضو الجمعية العراقية للتصوير الفوتغرافي.
• عضو شرف دار ( ناجي نعمان) للثقافة / بيروت / لبنان/2012
• نال درع ( محافظ نينوى) للأبداع في القصة والرواية وفن الفوتوغراف لعام 2012.
• نشرت قصصه ومقالاته في أغلب الصحف العراقية والعربية وفازت قصته
(أصداء الوجه الآخر) بالجائزة الثالثة لأدب الحرب في مجلة حراس الوطن عام 1988.
• فاز بالمركز الثالث بمسابقة (نجلاء محمود محرم) الدورة السادسة / 2006 / القاهرة / جمهورية مصر العربية.
• فاز بالجائزة الثانية لمسابقة (أسرة أدباء المستقبل) عمان / الأردن / 2008
• نال ميدالية الأبداع بفوزه بالجائزة الثانية لمسابقة (صلاح هلال) للقصة القصيرة لعام (2010) القاهرة / جمهورية مصر العربية.
• فاز بجائزة الأبداع في مسابقة (ناجي نعمان) العالمية / بيروت / لبنان / 2012
• فاز بجائزة مركز (عماد قطري) للأبداع العربي الروائي / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2012
• فاز بالجائزة الأولى في مسابقة (ناجي الساعاتي) لأدب الرحلات / الدورة الرابعة / بغداد / 2013
. فاز بالجائزة الثانية في مسابقة ( الأبداع للقصة القصيرة ) 2020
. فاز بالمركز الأول لجائزة ( المجدل / سيف القدس )) للقصة القصيرة 2021
سفير الأدب العربي في العراق / 2020
صدرت له المؤلفات الآتية:
1. (في الغسق عادت عروس البحر) مجموعة مشتركة عن دار الشؤون الثقافية / بغداد / 1988.
2. (قصص تحت لهيب النار) الجزء العاشر / مجموعة مشتركة عن دار الشؤون الثقافية
العامة / بغداد 1990
3. (عيسى برواري الفنان والأنسان) عن دار الثقافة والنشر / بغداد / 1993.
4. (الكلب هذا الكائن العجيب) عن دار الثقافة للطباعة والنشر / الدوحة / قطر /1998 .
5. (قصص من نينوى) مجموعة قصص مشتركة / الجزء الأول / 1999 – الجزء الثاني / 2000 الجزء الثالث / 2001 ـ الجزء الرابع 2002 – الجزء الخامس 2003.
6. (أمير الطيور) عن دار الثقافة للطباعة والنشر / الدوحة / قطر / 2001.
7. (عودة الرجل السابع) مجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية العامة / / بغداد 2002
8. (الطحالب) مجموعة قصصية عن إتحاد الكتّاب العرب / دمشق / سورية / 2004.
9. (مرافئ ضالة) مجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية / / بغداد / 2005.
10. (مبلل بالحزن) مجموعة قصصية عن دار السوسن / دمشق / سورية / 2006 .
11. (بسمة لكل الفصول) مجموعة قصصية عن المديرية العامة لتربية نينوى /2010.
12. ( عطش الحمائم ) رواية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة / القاهرة / مصر 2013.
13 . (هذا اليّم من أنسجتي ) رواية عن دار كنوز / القاهرة / مصر /2015.
14. ( لتكن قامتك السماء ) رواية عن دار كنوز / القاهرة / مصر / 2015.
15. (سندريلا بلون الشقائق) رواية عن دار غيداء / عمان / الأردن / 2018.
16. (نصف نافذة تكفي ) مجموعة قصصية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
17. ( مسحوق الكلب ) مجموعة قصصية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
18. ( ثمة ناي يغني ) نصوص نثرية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
19. ( نهر الأباطرة ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
20. (هند إبنة المطر ) نصوص عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
21. ( أغلق نافذتي ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
22. ( أنفاس إنجي ) نصوص عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
23. ( إليكِ يرفُ نبضي ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
24 . ( ضباب أنثى ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016
25 . ( إطار لقلب في الظل ) مجموعة قصصية عن الدار للنشر / القاهرة / مصر / 2016
26 . ( فوق سحابة تمشي ) نصوص عن دارفضاءات / عمان / 2017
27 . ( لا أحد في الحي ) رواية عن دار فضاءات / عمان / 2017
28 . ( طليق أنا مثل وجه الحمام ) رواية عن دارفضاءات / عمان/2017
29 . ( عطش الحمائم ) رواية عن دار فضاءات/ عمان / 2020
30 . ( قفص أخضر ) مجموعة قصصية عن دار فضاءات / عمان / 2021
31 . ( الشهوان ) رواية عن دار الحكمة / القاهرة / 2021
32 . ( الشهوان ) بالأنكليزية عن دار الأتحاد العربي للترجمة والنشر
القاهرة / 2021
33 . ( أنثى من دخان ) رواية عن دار الحكمة / القاهرة / 2021
34 . (عطش الحمائم ) بالأنكليزية عن دار الأتحاد العربي للترجمة
والنشر / القاهرة / 2021
35 . ( أغصان متكسرة ) رواية عن دار الحكمة /مصر / 2021
36 . ( فانجي ) مجموعة قصصية عن دار الحكمة / مصر / 2021
37 . ( لا نوارس فوق دجلة ) مجموعة قصصية عن دار ماشكي
38 . ( لن تفر مني ) رواية عن دار المتن / بغداد / 2024
39. ( الشهوان ) رواية عن دار المتن / بغداد / 2024
40. ( الشهوان ) رواية بالفرنسية / باريس / 2024






