القصة القصيرة

الثــأر- ابراهيم سليمان نادر

                                                              

صورة فنية لشخصية مفكرة تحمل تعبيراً عميقاً، مع تسليط الضوء على ملامحه وضوء دافئ في الخلفية.

هو نفسه يجهل ما حل به . كل ما يذكره ان حربا شعواء شنت عليه من أفاعٍ مجهولة انسلت بخبث من جحورها في الزقاق الذي يقطن فيه ، لتفتك به وتشفي غليلها منه .

هاهو الان يصغي وجلا لفحيحها المتسرب اليه من ظلمة الجحور والشقوق التي تملأ خرابة ( الجامع المهدم ) .

عرق مالح ينز من مسامات جلده ، يشل يديه وقدميه . الارض من تحته تخلت عن صلابتها وأصبحت هشة كالعجين المختمر . السماء إنشطرت . طمست فيها النجوم وانهالت عليه النيازك والشهب والمذنبات . اصبح الكون دائرة من لهيب وجمر . في البداية أيقن في نفسه انه يوم الحساب ، وان البشر يساقون الى الجحيم .

اخذ يتلفت حواليه ويجاهد في الفرار قدر ما يستطيع ، لكن منبه الساعة
رن ، فاستيقظ مذعورا وهو يستغفر ويحوقل ، وراح يرتدي ملابسه على عجل .

خرج متلهفاً الى الشارع قبل ان تفوته الحافلة . كان عظيم الثقة بنفسه ، لكنه حين قرر العودة الى بيته العتيق ، انشطر الحائط امامه وكاد يدق عموده الفقري . لم يعر بالا الى نصيحة الدرويش الضرير ( سيد سعدون ) ، لكنه اخبره بأنه يملك قدما قوية تبطش بكل من يحاول الاقتراب اليه .

يشده الحنين والشوق الى البيت القديم في ( الشهوان ) والى حكايات جدته
( حسينة بنت مولود افندي سعدي ) .

تتجلى امامه الان تباعا بطولات ( حسين النمنم وحديدان وفريش الاكرع وزمزم القبوغ والمجنون عزيز ماكر وابو قمرين والدامية اللعينة ) .

مكث طويلا في جمع شتات طفولته الغائبة بين افواه الجائعين في حلقات الذكر والدراويش الذين يقضمون ( الزجاج ) ويلتهمون ( الدبابيس وامواس الحلاقة ) .

كثيرا ما يحن الى بيتهم وزقاقه الرطب واصحاب طفولته القدامى .

حين يعتصر الليل آخر غيماته ، يجثو خلف نافذتهم التراثية ، ويهيم بخرافات جدته وحكاية الطفل الاسطوري الذي خطفه غول الشط واصبح ابنه المدلل حتى غدا ماردا ترتعد منه فرائص اللصوص والاعداء .

قليلا ما كان يغفو في حجرها ويفز من احلامه الداكنة التي تداهمه غفلة وتقض عليه مضجعه مسببة له ارقا ورعبا ، الا انه الان يستلذ بسردها في مخيلته ويسخر منها في نفسه .

حين يطل من الجرف على الشط المديد الحافات ، تنتظم انفاسه ، وتهدأ اعصابه ويدب النشاط في انامله الكسلى . تعزف سبابته والوسطى لحنا على حافة النافذة ، وتكون مع الابهام ظلالا لديك او ارنب او ثعلب .

يتدفق الدم دافئا في كفه التي تبحث جاهدة عمن يشاركه اللعب . يبقى الزقاق في عينيه اجوف خاليا من الاهل والاصحاب . بعضهم توفي والاخرون ابتلعتهم حارات خارج المدينة .

قبيل موته ، قرر ان يحرق مذكراته وكتاباته ويرمها في لجة الشط الذي احبه . ذاك الشط الذي هجر مغامراته ونهش من جسده عشقه المجنون وارث
آبائه .

مواسم عديدة هطلت عليه وهي تلحس بعضها . حقائب رحلت ، وخيول صاهلة جمحت من نشوتها . قطط ماءت في فراغات هلامية . كلاب نابحة بلا عظام تسكت رمقها . في اليوم التالي ، داهمته حشود من الفئران والجردان ، راحت تشمشم لاهثة لاقتفاء اثره .

هاهو الرعب يرش سحنته مرة اخرى . ماذا حل بدنياه ؟   ما بال مدينته فارغة من الناس ؟ . ماذا جرى كي تلاحقه هذه المخلوقات الغريبة ؟

يقينا ان الحدث عجيب وغريب ، وان الموضوع هو ثأر … ثأر قديم لا يفض الا بالدم . ثأر طفولي نبع في زقاقه الضيق مع هذه الكائنات التي طالما امسك بها وبتر أذنابها وآذانها ، بل وملص رقابها كلما ناولته امه مصيدة البيت وابتسامة التشفي تتلألأ بعينيها ، حينئذ كان ينط فرحا وينادي على ابن عمه
( ثامر ) كي يذهبا الى خرابة ( الجامع المهدم ) حيث تجري هناك طقوس الاعدام . عرس طفولي مهيب لا تنقصه سوى الطبول والابواق والرايات والزغاريد .

في اليوم الثالث لاحقته اسراب من الجراد والدبابير . طاردته جرادة كبيرة داكنة الصفرة ذات عينين جاحظتين وساقين معقوفتين ، حطت على رأسه ، ثم انحدرت وقرصته من شحمه اذنه وخرمشت بأشواك ساقيها رقبته النحيلة . توسل بها ان تدعه لحاله وتخلي سبيله ، لكنها صرخت به غاضبة .

– ايها الخبيث ، هل نسيت عندما تجز رقابنا الضعيفة بانشوطة تصنعها من خيط رفيع تسرقه من ( صندلية ) جدتك الطيبة .

هتاف ابن عمك ما زال يرن في اذني وانتما تقهقهان بين اكوام الرؤوس المبتورة . اللعنة عليكما ايها الخبيثان ، لقد دنت ساعة القصاص والويل لكما .

تنهد مسرورا كبير الدبابير واخذ يلوح بشوكته السوداء يمنة ويسرة ثم قال بغضب دفين :

– حقا انك بائس وغبي . كنت لا تظن اننا سنلتقي مرة اخرى ونقتص منك ومن افعالك الشنيعة التي فعلتها بنا .

كنت تدور على اكوام الزبالة مع ابن عمك وتملئان بنا القناني الفارغة ، ثم تصبان علينا ( الكاز ) النفط ليبدأ الحريق وانتما تنطان فرحا مثل المجانين .

هكذا كان لهوكم ، البعض يرقص والاخر يشوي .

التفت كبير الدبابير الى ملك الجراد وقال :

– ما رايك يا صاحبي . لقد تعذبنا دون ذنب اقترفناه ، فالحكم حكمك وانا معك على العهد .

هز ملك الجراد راسه وهو يترنح في مشيته المفلطحة وقال :

– نحن الاثنان فقدنا كثير من اولادنا واهلنا واحبائنا . وأمواتنا الان بلا قبور والاخرون مشردون بلا طعام ولابد من الثأر . اجل الثأر الثأر يا معشر الجراد والدبابير ، آن لكم ان تنتقموا ، هيا . الى الثأر

فر الجميع وتركوه وحده يواجه حراجة الفخ الذي وقع فيه .

طنين وازيز احاطا به من كل حدب وصوب . لسعات وقرصات تنهال بلا هوادة على قفاه ووجهه وكفيه واذنيه ورقبته . لم تبق فسحة في راسه الا ونالتها قرصة او لسعة .

بقى وحده يقاوم بعناد وثبات ، يصد قدر ما يستطيع من هجمات ، متوعدا بالثأر والانتقام ، صابا لعناته وحقده على الحشرات جميعا ، النافعة منها
والضارة .

فجأة … !!!!

خيم على المكان هدوء مريب . اختفى الازيز والطنين . صمت غريب أثار فيه الشك والظنون .

اين ولي هذا الحشد الكثيف ؟ ، شيء عجيب ومثير ان يختفي هذا اللغز المحير ويتلاشى فجأة من فضاء الخرابة بمثل هذه السرعة المهولة .

في اليوم الاخير ، كانت الخرابة صماء لا حس فيها . سكون وصمت عميقين ، يثيران فيه الارتياب والخوف من المجهول .

فتش بحذر كل الشقوق والثقوب والجحور ، عله يعثر عن بقايا تلك الاسراب التي عبثت به واشبعته قرصا ولسعا حتى غدا رأسه كطبل الاعراس الكبير .

جاءه ابن عمه وراح الاثنان يفتشان الخرابة مرة اخرى ويتاكدان خلوها من الغزاة .

لم تمض دقائق حتى امتلا الفضاء بالازيز والطنين والمواء والفحيح
والنباح . أسراب هائلة من الجراد والدبابير انهالت عليهما في هجوم صاعق ، تساندها الاف الفئران والافاعي والجرذان والقطط والكلاب السائبة . عصافير وحمامات وزرازير وفختيات وعنادل وقمريات وغرانيق ولقالق وقبرات ودراج أتت من كل حدب وصوب . هجمت كلها دفعه واحدة وراحت تقتص منهما مذكرة اياهما بجرم الماضي وعبث الطفولة .

دام القتال ساعات ، وهما يصدان الهجمات تلو الهجمات . استخدما كل ما يقدران عليه من اعواد وعصي واحجار وخرق بالية .

تشكلت الهجمات على هيئة غيمة سوداء كبيرة . صار كل شيء اسود . ضاقت أنفاسه وفتح عينيه ليفز من غفوة قصيرة ، وقرب رأسه . كان ابنه الصغير يبتسم وهو يحاول فصل راس جرادة عن جسمها ، وبلا وعي صرخ بابنه :

– كلا توقف !!

ولما لم يتوقف الصغير ، صرخ به صرخة عظيمة جعلت الطفل يفلت الجرادة لتطير عبر النافذة وعلى وجهها ابتسامة خفية لم يفهمها سواه …..

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الشهوان : من احياء الموصل القديمة يطل على الضفة اليمنى لنهر دجلة .

الجامع المهدم : خرابة كان الاطفال يتصورون ان الجان يقطنها .

صندلية : دولاب خشبي موصلي تراثي للملابس والحاجيات الاخرى .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading