شياطين- ابراهيم سليمان نادر

ركضتُ وراءكَ ،
مثل اندلاع المواجع ليلا .
نسيت صفاتي ، وجئتك
أعشو بدون صفات …
عتمة الليل ترهبني ، تخنقني ، الزرقة داكنة في السماء ، معلقة بملاين المسامير الضوئية ، وانا شاحب متعب ، اشبه قشرة برتقال دنت اليها اكف القطاف .
رغم اننا كنا مسلحين بأحدث البنادق ، الا ان الحيطة والمراوغة هما اساس نجاحنا في نيل مبتغانا . اخترنا الظلمة سترا لمأربنا .
كان الذي نقصده رجلا شديد البطش ، مرهوب الجانب ، لكننا قررنا المجازفة ولا مناص للتراجع .
احتضنتنا الكهوف ، وضمتنا المغارات بدلا من دفء بيوتنا وألفة عوائلنا التي افتقدناها . اكلنا الجيف ، شربنا مع الضفادع ، وتقطعت بنا الاسباب من شظف العيش والتيه في بلاء الايام .
كان الليل يرتعد لذكرنا ، وتنخلع الافئدة لوقع اقدامنا . امتهنا السطو والنهب وقطع الطرق على الامنين ، وكنا نشعر بعد كل عملية بلذة مسعورة لا مثيل لها .
كانت عملية خطرة انا راسها . الهدف حظائر اغنام ، احيطت بسياج عال اعلى من هاماتنا ولها بابان . الاول قبالة القرية والاخر يؤدي الى النهر . في الليالي التي مضت عرفنا عنها كل شيء ورأينا ان خير ما نفعله هو ان نتقي كلابها الشرسة ، ونكلف احدنا بمناوشة كلاب مزرعة اخرى ، فيخلو لنا المكان ، ونخرج بالغنم الى بطن الوادي .
بعد دقائق انتهى كل شيء . اخذنا نسوق القطيع وعصينا تعمل على ظهوره ونحن صامتون ، حتى فتر نباح الكلاب ، وعم الوادي الامان ، فتنفسنا الصعداء . كل شيء جرى سريعا دون ان ينتبه الينا احد .
بقيت اردد مع نفسي ( ما اسهل ان يلقي المرء حصاة في الماء ليشوه جمال البدر . كم انا تعس الان ، كأنني اشبه طفلا تعلم الرسم ، واول ما رسمه سفينة ، لكنها غرقت في بحر الورق ) .
درنا حول الغنم ، واخذنا نحثها على الاسراع ، فقد ساورنا شعور باننا قد وصلنا جرف النهر .
فجأة …….!!!
مرقت رصاصة في الجو ، حبسنا انفاسنا ، وصوبنا احداقنا نحو مصدر النار . خيل الينا في البداية انها رصاصة طائشة اطلقها احد الحراس من الذين يبيتون في المزارع ويطلقون النار على غير هدى ليرهبوا الوحوش واللصوص .
واصلنا سيرنا بالغنم ، لكن الرمي اشتد علينا ، فانبطحنا على وجوهنا وتركنا احدنا يسوق القطيع محاولين التملص من الفخ الذي وقعنا فيه . اشتد ازيز الرصاص من جهة الغرب . تلبسنا شعور انهم يقتفون اثرنا ، وكان لابد لنا من القتال .
هكذا هو نصر اللصوص ، هزيل شاحب ، يولد حلوا ويجهض ليصبح كالعلقم في الفم . قد ينجح مرة ، لكنه ميت مرات .
تذكرت حديث ابي قبيل موته بشهور . كان يقول لي :
( يابني كل الحروب ، لا نصر يقابلها قدر نصر الام وهي تحدق في الوليد الخارج توا ) .
زحفت مع اصحابي الى مشرف عال مثلما يزحف الفهد ، واخذنا نرد على نيرانهم باشد منها ، حتى انقلب الليل الى معركة ضارية .
فجاة ….!! رايتني اصرخ بهم :
-ردوا الغنم على اعقابها ، ولنتملص من الفخ ، هيا … هيا بسرعة لقد انكشفت خطتنا وباءت بالفشل .
ازداد ازيز الرصاص فوق رؤوسنا . نهضنا وجرينا بكل ما وسعنا . سمعت أنّة مفزعة وسقوط جسد على الارض ، فادركت ان احدا قد اصيب . اسرعت نحوه وحملته مع اصحابي قبل ان يفضحنا ضوء الفجر . انقطع الرمي وخيم السكون على المكان .
بلغنا بصاحبنا ضفة النهر وكان قد فارق الحياة . تمدد الجسد امامي باردا وسط الزورق ، واخذت المجاذيف تلطم سريعا صفحة الماء . كانت
احداقنا واجمة ، تتبادل النظرات بجزع وضياع .شيء ما في داخلي يحترق
( ما اعجب الحياة ، لقد انتهى احدنا مثل لمح البصر ، وما بكاه او تالم عليه
احد ) .
كانت دموعنا مثل ماء مسجون ، تترقب حريتها للانفلات من حزن آت .
تناوبنا التجذيف ، والرجل الذي كان يمازحنا بالامس ، يرقد امامنا وسط الزورق صامتا ، باردا لادفء فيه . اطبق فمه وهو في ربيع عمره . كان اكثرنا حماسا ، واشدنا بطشا .
انحنيت على جسده وقبلته ، ثم بكيت وانا لا ادري اني ابكي . كان الموت مهيبا في ذلك الوجه النضر ، اختفت الملامح فيه وتصلبت . برزت العينان في رعب وارتخى الفك الاسفل . لم اتمالك نفسي فاغمضت عينيه . وصلنا الضفة الاخرى وتوقف الزورق . حملنا الميت على اكتافنا وسرنا به نحو الشرق . كان الصمت يطالعنا من كل جانب ، فاخذنا نتبادل كلمات متقطعة حتى لاح شبح
مقابر .
تملكتني رهبة ، مزيج من الخوف والياس . تصبب العرق على وجهي ، واصبح كل شيء من حولي كريها ومزعجا . احسست بشعور من اشرف على الهاوية ، واني شبيه بهذا الميت في يوم ما . كنت اود لو القيناه في النهر وجعلناه طعمة للاسماك .
كان العاقول والصبار قد استفحل في المكان ، وكنا ندوسه باقدامنا
ولا نحس بوخز اشواكه من فرط الذهول ، ولو اعترضنا في تلك الساعة احد لمزقناه اربا اربا . لا ادري لماذا ؟ . هكذا كان يخيل اليّ في تلك الساعة العصيبة ، تذكرت شقاء حياتي ، وانتقام زوج امي مني بعد موت ابي حتى انزلاقي في الدرب الذي اودى بي الى عذاب الظلمة والضياع .
تخيلت فراشتي التي فرت مني وزغب خديها الذي يشبه بخارا يتطاير من ضوء مسلوق . كيف امسكت بها يوما بين سنابل القمح واطبقت بفمي على
شفتيها . وقتها لم تغمض عيناها ولم افتح انا عيني .
لما افقنا ضحكت وقالت لي :
– فلنجرب ثانية ، شفتاك كبيرة بعض الشيء .
كانت فراشتي حين تمشي تتألق البيادر ، وتنشر الايمان بخالقها ، كان كل من في البرية يردد من حولها ( سبحانك يارب ) .
لكني الان وحدي ، اغرق في الجب الدامس ولا احد يفكر بي . قد اكون ملاكا او شيطانا رجيما ، لكني في النهاية مجرم وقاطع طريق .
كم من محن والام مررت بها وانا اقاسي الجوع والحرمان بعد ان طردني من بيتي زوج امي . الان اذكر رنين صفعاته وتوسلات امي به ( الى اين يذهب هذا اليتيم ، اليس في قلبك رحمة ؟ ) .
عملت صغيرا في رعي المواشي ، وفلاحا في الحقول والبساتين . اشتغل يوما واطرد ايام ، حتى جرفني الجوع الى الهاوية لانحرف مع الذين لفظتهم الايام ولعنهم الزمن ، نتقاسم الجريمة معا وننام وعيوننا مفتوحة من القلق .
مات الحب فينا ، واستفحل الشر بنا ، فغدونا اشد ضراوة من وحوش
الغاب .
شعشع النور على الكون ، وتجلت لنا المقابر خلف سفوح التلال .
تسمرت اقدامنا وجفلنا في مكاننا حينما اكتشفت باصرتنا عشرة ذئاب رابضة عند المقابر ، ترمقنا باحداق جائعة ، اخذت تنحدر نحونا ببط ، لتقطع علينا الطريق ، كانما هي الاخرى تنصب لنا كمينا لتفتك بنا .
توزعت الذئاب من كل المنحنيات واخذت تقترب وكان شيئا ما يستدعها ، ربما رائحة الموت في الجسد المسجى على التراب ، او نحن الاربعة الواجمون . ازداد اقتراب الذئاب الينا ، ثم اخذت تتخذ اشكالا وهيئات غريبة ، انها
تتحول …… تتحول تدريجيا الى مخلوقات غريبة ……. احجامها تكبر … عيونها تتقلب … ووجوهها تحمر …. انوفها تنعقف … حلمات اذانها تطول وتكاد تصل الارض … انيابها تبرز خارج افواهها وكانها سيوف …. تشل باصرتنا .. لم تعد ذئابا …. تحولت الى شياطين …. شياطين وعفاريت
وجان … !!!!
صرخت بحدة :
– اهربوا ……..
وفي لمح البصر كنا نلوذ بالفرار ، وسيقاننا تسابق الريح الى ضفة النهر ، بينما كانت انياب الشياطين تعمل بضراوة في امتصاص دماء الجثمان الممدد ، وتذره اشلاء متناثرة على الارض ، ومن بعيد ثمة اسراب من النسور
والعقبان تنتظر دورها في الوليمة ، وحينما تكاثرت تحولت تحت انظار دهشتنا الى شهب ونيازك … كل نسر صار شهابا ، وكل عقاب نيزكا …. امتلئت السماء بالشهب والنيازك لتمتد بعد ذلك خيوط النار من السماء الى الارض ويتحول كل شيء من حولنا الى دائرة من لهب ، وشيئاً فشيئاً … يعمّ الرماد …





