ظل امراة – ابراهيم سليمان نادر

من منكم ،
يهتفُ بالسمكة ؟
( اتتِ الشبكة ، ميلي عنها ، تنجي منها )
يابشراً ، كلكمو شباك ….
ظل امراة
على الحائط ، في صدر صالة الجلوس ، لوحة مؤطرة لبيتهوفن وهو يتأبط آلته الحبيبة وقد اسبل جفنيه لفضاء لذيذ .
الصالة العابثة ، لاستاذ شرقي مغموس في سلة خرافية من الالحان .
هكذا يسميها هو .
حاجياته واثاثه مبعثرة دون ترتيب او تنظيم .
بعض الالات على الارض وفي الزوايا ، والبعض الاخر ممدد على الارائك .
كتب هنا ، ونوتات هناك ، على الرفوف والمنضدة .
فوضى وعبث في كل مكان ، عالم صاخب بالاشكال والالوان .
ترى كيف يعيش هذا الرجل حياته ، وكيف يستقبل تلاميذه واصحابه بين هذا الجنون واللامعقول الذي يتنفس فيه ؟.
صحيح انه درس الموسيقى في ايطاليا وعمل على مسارح المانيا
وهنكاريا ، لكنه عاد بعدها الى وطنه ينقل تجربته الفريدة مع الوتر الذي صهر عمره من اجله واستنزف منه دفق سبابه ، الا انه بقى كما هو عليه ، لم تتغير طباعه منذ ان قدم من الريف الى المدينة .
هو وحده بالذات يذكر جليا صباه وبدء عطاءه . كيف هوى ( الموال ) وهام ( بالناي ) وعشق ( الربابة ) .
احداث كثيرة مرت عليه ، قد يتذكر بعضا منها ، لكنه لم ينسى ابدا مديحا او عرسا او ختانا ، الا وكان له حضور فيه .
الكل يعرفه في قريته ويناديه ( خليل ابو عتابة ) ، رغم انه ظل اعزب ولم يتزوج سوى الته الحبيبة التي اهداها اليه استاذه الايطالي ( ماركو ) ، فقرر حينها ان تدفن معه قبل ان يوارى الثرى عليه .
تلاميذه يقصدونه من كل مكان وفي اية ساعة من النهار او الليل .
يجلسون حوله في صالته العابثة في خشوع وصمت واعجاب ، وهو يهيم بينهم مع تمايل القوس الرفيع الصابر طوع بنانه .
كل شيء فيه يروي قصة او حدثا تالم منه او هام به .
تتالق في احداقهم تساؤلات دون اجوبة لها ، فيهتفوا بداخلهم ( عجيب امر هذا الرجل ، حقا انه معجزة الزمان وداهية العصر في هذه الدنيا ) .
كان الرجل يجلس على كرسي دوار قرب البيانو الباهض الثمن ، ويطرب بنشوة مع تاوهات اللحن المنساب ، وهو يطلق باصرته عبر النافذة المطلة على المتنزه الاخضر الجميل ، ثم يتوقف قليلا ويحدث تلاميذه عن سر واصل حكاية هذه النعمة او ذاك اللحن الذي تميز به بيتهوفن او موزارت او باخ .
بصوت متدفق وحماسة بالغة كان يروي لهم تاريخ سيد درويش والشيخ زكريا احمد ، وعن عذابات شتراوس وجايكو فسكي وكورساكوف ، ثم يتحول فجاة الى القنابل الذرية وهورشيما والانترنيت العجيب و ( الاورج ) اللعين الذي قتل هذا التراث العظيم وقضى على اصالته واتلف جماليته .
في خلال حديثة المتدفق بالحماس ، تطل عليهم ( احلام ) باكواب او فناجين القهوة الفاخرة .
كانت ( احلام ) راعية الاستاذ وطاهيته وممرضته ، وكانت الانوثة الوحيدة داخل هذه الصومعة العجيبة ، فيها جمال وسحنة مغرية فارعة الطول ، ناعمة البياض ، تفهم طباع الاستاذ ورغباته .
ترتب له الكتب والمراجع والالات رغم الفوضى التي يعيشها وتذكره بمواعيد الدروس واللقاءات ، وتعطر قهوته بالهيل .
تهيء الافطار الذي يحبه وتخرج له كرسيه الهزاز في ساعة الاصيل الى الشرفة وتضع المنضدة ودورق الماء المثلج والتبغ الذي اعتماد عليه .
كانت ( احلام ) رائعة في كل شيء ، جلبها الاستاذ معه من الريف بسبب خلاف فيه بعض الغرابة ، فتمدنت وعرفت انها تعيش مع استاذ عظيم تحتفظ اسم كل من يسال عنه بالهاتف وتجيب على اسئلة المحبين بصوت ناعم مهذب .
عندما رات الاستاذ اول مرة بذقنه الوجودية ووجهه المتامل ، نفرت منه ، الا انها اثرت البقاء معه لضيق العيش ، ومع تطور الاحداث في المدينة ، اصبحت ( احلام ) اكثر تمدنا واجمل اناقة واسلوبا .
اخذت ترتدي الفساتين القصيرة والاحذية العالية وتترك شعرها من غير منديل تعصبه بها وحفظت اكثر من خمسين كلمة بالانكليزية ، وكان الاستاذ لايهمه سوى الاته وكتبه والفن الذي يتقنه ويعلمه لتلاميذه .
كانت ( احلام ) تتضايق من كثرة الزائرين ، ولما رات بينهم شبابا في العشرينيات ينظرون اليها بعين الحرمان ويودون ان يشربوا شيئا من يدها ، استراحت بلذة معاقرة غريزة الانثى ، فكانت تفرح كثيرا حينما يغازلها البعض في الخفاء ، او يمشي خلفها على الرصيف .
مرت الايام وهي سعيدة بلذة المغازلة ، وكانت ترضي بذلك انوثتها المتاججة .
كان الشباب يعتبرونها انثاهم الوحيدة ، وكانوا يلتهمون جسدها الغض بنظراتهم ويجردونه من الثياب بباصرتهم المتلهبة ، وافئدتهم العطشى ، من الراس الى القدمين .
ذات مساء جاء التلاميذ كعادتهم ، فلم تفتح لهم ( احلام ) الباب ، بل فتحته الاستاذ بنفسه وجلسوا معه يرتقبونها لتدخل عليهم بالقهوة الفاخرة ، لكنها لم تات ، ثم انصرفوا اخر الليل وهم يشعرون بالضيق والحسرة والجوع .
في اليوم التالي جاؤا كعادتهم فلم يروها ايضا .
مر اسبوع وهم يجيئون لرؤيتها فلا يجدونها ، ولم يجرؤ احد على سؤال الاستاذ عنها .
ذات يوم قدم لهم القهوة صبي لوّحت سحنته شمس الريف فعلموا منه انه المساعد الجديد للاستاذ وان ( احلام ) قد تزوجت .
مر اسبوعان ، ثم ثلاثة ولم يحضر احد من التلاميذ ويستمع لدروس الاستاذ ، وظل الاستاذ وحده يشرب القهوة بلا هيل ، ويتامل المتنزه الواسع الجميل ويروي لمساعده الجديد عن الام بيتهوفن وباخ وموزارت وتاريخ شتراوس وسيد درويش وكورساكوف وعن الانترنيت العجيب ولعنة الزمن ،
( الاورج ) اللعين الذي اتلف كل ما هو رائع وجميل في عالم الالحان ، والمساعد الريفي يبتسم له ببلاهة بائية ويطرد الذباب عن وجهه .





