مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

طليقٌ أنا مثلُ وجه الحمام – إبراهيم سليمان نادر

رأيت فيما يرى النائم….

أن (ساندي) مدت يدها اليّ لتساعدني متوهمة نبض وجودي, ذلك الوجود الخافق. الذي يبعث على تخيل جريان الدم النقي في الشرايين, دم يسحبه الشهيق الى اطراف الجسد كلها فترتوي, بتلك الطريقة توهمت انه قريب فمددت يدي الى فراغ بحجم جسدي المتبدد, فراغ ما يزال محتفظاً بصدى وجودي, هكذا ايضا ادركت انه لم يعد هناك انا الذي كنت هناك تماما سعيا للامساك بي كان قد خرج الى مكان اخر قبل بلوغي اياه فذاب مني, بحر الاماكن هو الذي ابتلعته، ذلك البحر الذي يموج ويهدر اخذ كل موجود الى الضفة التي لا يريد. عرفت امري وتعلقت بهياجه وراءه, متعلما من كل نأمة ناموساً يبدده مروري المستمر اليه, الى اثر يمحي بلا اثر, لكنني اتنفس مروره في خلاياي.

لقد كان هناك اينما اوصلتني فراستي, واينما علمتني خطواته ان اخطو بدوري دون التفات الى الوراء, فورائي نهار دامس, سرت عبره متزوداً بخبرة اعمى يجوس في محيطه اعمى لم يكن قد رأى مساره, لكنه يعرفه تماما بالحواس والعادة والتخيل.

رأيت فيما يرى النائم…. كما لو ان دوامة جرحتني, وضمتني الى قلبها الحلزوني المدوم, انخرمت اعماقي بفتحة نافذة بحجم رصاصة موجهة, فسطع ضوء باهر عبرها, ضوء معكوس الاتجاه, فرأيت فيما يرى النائم كل شيء, ولكن على مدى ثانية واحدة كانت كافية لأن ادرك اي خلاص سعى اليه الضوء, الضوء الذي يشع من هنا, من داخلي فقط, فيسري مثل نور الشمس على توابعها.

وجدت نفسي انني استطيع الابصار, صحيح انني لم اره لكننني لمحت مسراه ومسعاه الى حيث يغيب ويختفي دائماً, مثل من يعبر من زمن الى اخر, إما ان يوجد او يكف عن الوجود.

تعلقت بجرح الضوء الذي نبع من اعماقي وسرت فيه مخترما ثقب رصاصته المنيرة. مشيت عكس اي اتجاه لأجد نفسي فجأة في كل الامكنة, ولكن أيا منها لم يكن مكانا. اسميتها امكنة اخرى, وتلمست دربي عبرها, متسمعا الى دبيب آت من امام, حيث يصبح النور باهراً, فادركت انني هناك فقط عند ذلك الجوهر النائي (سندريلا).

اغلق باب الرجوع لأتحول نهائيا الى منعطف في اللب وماحيا اثار خطاي, فالطرق التي تقود في النور الباهر ليست لها اقدام.

هكذا تعطلت شفتاي, وتجمد لساني.

هكذا انبعثت لي حواس فصرت اصرخ, لا طلبا للنجدة, ولكن لأمرن لساني على اسماء مرئيات لم اكن قد عثرت بها او عليها.

تلعثمت بالموجودات والمحيط, وتعثرت بفراغ صاف بلا الوان. جلست لأستذكر, ولأول مرة, اثاري وخطاي من تلقاء نفسي, كنت انحدر او اتسلق كما لو كنت قاصدا مكاني بلهفة رجل يجنح الى دفء مفقود, مرفوع الهامة, ومن حوله توشوش حياة جانبية, كهلة يشخب قلبها فرط اعياء.

كنت اريد شيئا آخر, مثلما اريد شيئا لا تصنعه العلاقة, بل يلقي بها دون ان يقصد او يهدف, ليس له شكل, وليس له اسم.

لقد فعلت كل شيء لأتجنب (سندريلا), لكنني لم اصل إلا اليها.

وجدهتا على حين غرة في ملامح انثى عابرة, كأن رجلا ما قد ضاجعها قبلي. هو الان يواجهني بظهره, وهي بجمال وجهها النادر, هو يتحدث محموما, فيرتج جسده, وهي تقتتل لتفهم…. اعتراف واصغاء واحد, في المدى الاقصى لحرارة التعارف يلملمان السنوات عبثا سنوات كل منهما منفصلة ثم مجموعة مع بعضها.

كان الهواء بينهما يسخن تدريجيا, حتى لمحتني فبرطمت لي, وخطت نحوي مستنجدة بيأس مرير…

قالت لي (بأية لغة يتحدث هذا المخبول.).

اشارت اليه, فالتفتنا معا لنجد انه كان قد غادر المكان في وقت انشغالنا الوجيز.

اعدت عليها كلامه بلغتها, فشهقت مترددة:

(انا اتقدم, ام اتخبط رجوعاً؟.)…..

كان السؤال نوعاً من اضافة الوقت في غمرة المطاردة, هكذا تركت الكائنات تشمشم الاثر على هواها ماشيا على هواي لأجد انه دليلي الوحيد اليه, رأيته واقفا امام باب احد الدور العتيقة, اشعث مغبراً ووسخاً من اسفله الى اعلاه.

طرق الباب, فاطل وجه عجوز ما ان رأته حتى شهقت ووقعت مغشيا عليها.

لم يكن عابر سبيل, ففي هيأته ذكريات غائبين انما السبب هو الطرق, تلك التي لا نهاية لها, تبدأ ثم تتشعب, من مكان الى مكان, مثلما حدث معي عندما كنت ذاهبا الى مكان معين عبر الدروب القديمة للمدينة, حيث تلتوي الازقة الى جميع الجهات, زقاقاً اثر زقاق, وفرعاً طالعاً من فرع, خلال فراغات بحجم مروري او اكثر بقليل, وتحت شناشيل تتقوس حتى توشك ان تلامسني, كأنها رؤوس حانية تنتظر احداً ان تكلمه.

فجأة واجهني الجدار ذاته, العالي والمتراص والمستقيم, كانه الحد الوحيد بين الدنيا واللادنيا.

في تلك الساعة من الزمن المائع, ايقنت ان رحيلي محض رجاء, لا رجاء فيه, وان (سندريلا) لم تترك في يدي من ورق رابح سوى الرجوع اليها والاختفاء بين ضلوعها وزواياها.

لم اعد اعرف الفرق بين الضلال وبين الظلال, محض اطلال في الروح لا يسعفني شكلها ولم أعد افهم نفسي وانا بين يديها…

(انا, يا حبيبي من أصل…. عربي).

ريشة تحت المطر, بل محض فريسة في جب الصياد, أتأهب للاعتذار منها والخشوع بين احضانها والكف عن اخبارها بما نويت….

ها هو التين الشوكي ينبت بين لحمي, يطول كما تطول قامتي, ذلك هو القضاء الصارم والعقاب الازلي على حنيني وصواب عشقي للبلاد التي احب.

اعشاب وبخور وزيت غار ومسافر ترك المحطات كلها خلف ارتباكه وظنونه.

لم يتمكن ابدا من الهروب والتخلص من شرنقة الغواية البريئة ومن الحاح الانوثة الذي صار وشما كبيرا بين الضلوع.

قال (مارس): (هل يمكنك الليلة كما قررت ان تتخلص حقا من حبال سندريلا, وهي كما تدري اجمل ما في الارض من اغلال وقيود؟, هل تتمكن ايها المغامر القوي العنيد من التخلص لحظة من اشواكها المحشوة باللباقة واللبلاب والترف المغمس بالشهوات؟.).

(يا لهذا البلاط المزروع بالنعناع والفستق والانوثة كيف اذا صار خصمك ليس سوى امرأة من بلور ولهاث وحب خدوم؟.).

(سأحكي لك عن عرائس البحر, ولا بحر هناك, كروم وعقيق وصلاة حتى الفجر, صلاة حتى الثمالة, أليف شكل الناس هناك, ناسك وقديس وصعلوك في وقت واحد, قدور وجفان مليئة بالنبيذ والحكمة الوحيدة عند القبيلة والاهل.).

(سبحانك ايها الحب, وانت على صهوة العشق اراك صريع الذئاب, تحمي الارانب من غدرها, وعنقود قلبك لا يحتمي بالضباب.).

كان مرور (ساندي) بجواري يهز الارض, ويحطم العادات البالية ويكسر انتظام التعود البليد, وكان اقترابها مني يرتقي بي الى لخطة محيرة لا اسم لها, اعلقها وتعلقني بين ذروة الصحو, وذروة النشوة والكلام اصغر من اناملنا, واصغر من ان اعلقه على هذا الجبل العالي… جبل جسدها, حيث ازيح الحجارة من الطريق الى الكهف لأكمل دورة المغامرة في هذا المخاض العجيب.

اريد ان أمسك بها لأتخلص من هذا الطنين الذي اسميه (العالم).

احطت نفسي بوجوه عابرة, ومحض هراءات تنخطف برائحة تتأخر وتسترخي, ثم تموع, رحت اغرسهم في جسدي وانميهم, احلاما وخصالا, عابرين نعم, ولكن بهيئات عض عليها الجمال.

ربيعات موقتة تطقطق مثل اغصان يابسة بين الريح والسنة اللهب.

امعنت في تفاديهم على امتداد مسالكي, اولئك المبتدئين, الخالين من التجارب, والمليئين بالآمال الذين ينتظرونني على ارصفة غير مناسبة, وامام واجهات لا تستحق ان يقف المرء قربها, بقلوب زائغة وبوجل, وقفوا وزرعوا اجسادهم هناك. عشاق من….. اولئك الذين نحرتهم الامنيات ومحاهم اليأس.

من اسئلتهم قست مدى حاجتهم الى الهواء, ورغبتهم في ان يتحدثوا بلا عوائق او شوائب, لمحت تلك الرغبة في تشتت دمائهم, وفي اسنانهم التي تكظم الاستغاثة او الاعتراف, خرجوا الى جو راكد فيه كسل طبيعة تحت الصيف. بتلك الطريقة بدا لي ان بوسعي ان نظل معا.

رأيت في منامي ما يراه النائم….

ان (ساندي) بدأت تخلع معطفها, وتنزع حذائها ترميه على بعد متر واحد مني.

مدت يدها تريد خلع قميصها الارجواني وبنطالها الجينز, اذا بي دون وعي مني, اصفعها بقوة, وافرض عليها ارتداء معطفها وحذائها.

امسكتها بيد من حديد, ودفعت حسابنا بيد رخوة وتائهة, توغلت في جسدي قوى الجحيم, وهيمنت على عقلي فؤوس وابراج عالية تنزل نحو اشلائي وتسخر مني.

رفعت (ساندي) عن أرض المقهى, ومشيت بها خمسة امتار, بعيداً عن ذلك العزف الهستيري الذي اباح لها البذاءة والتمرد المجنون.

اسمع صوتا ينادي بلهجة عفنة وجرس قبيح:

(دعنا نرى ما خلق الله من جمال, لماذا تمنعنا ايها الوغد من روية كنوز الجنة).

كان الرجل التافه مخمورا, وكانت يدي تمضي وحدها الى رأسه, لكنني تركته ولسانه على رف من القرف الذي لم احس به طول حياتي إلا مرة واحدة, مرة ليس من السهل نسيانها مهما طال الزمن, او امتد بي العمر.

حملت (سندريلا) بيد ترفس زينتها وماكياجها الملطخ بالبكاء, ويد اخرى رخوة تدفع الحساب الى النادل المرصع بالإزرار الارجوانية, المرصع بالظرف الذي يشبه ظرف التماسيح, ودموعها المهذبة البلهاء.

رميت (ساندي) على فراشنا الرطب آخر الليل, اتحسس دموعها ونهديها.

نظرت الى صفوف الخشب اللامعة, والى رغوة القمح المنسوجة من الصاج الذهبي, أنظر الى صياد بفريسة نائمة سكرانة تبتسم على حلم تائه, وعاشق تائه مثلي….

هو الجرح يا سيدي,

وانا العابر المستحيل….

اشم رائحة الزنبق البري تملأ المكان كله, تسربت الى ثياب (سندريلا) وفخذيها, وتجاويفها اللزجة المعتمة وعنقها الشهي الساحر.

رائحة الزنبق, تسللت بهدوء الهي, تحرق العفونة التي ارادوها بيننا لهذا النبض السماوي الطافر بالإثارة والجنون.

حشرة تزحف تحت غطائي, ربما اصابع (ساندي) هي التي انتهكت ملكوت النوم.

اندس بيني وبينها شيء دافئ, اغواني بصحو يشبه رجفة برد, لكن نقمة البارحة ومحارقها ودنسها اللذيذ البريء ارغموني على البقاء في ذلك الفراش الدافيء وانا اتحسس في الصباح من زبرجرد لحم (سندريلا) وهي تغط في نوم ممتع كاد يضرم نيران الجسد في انيابي. هل كانت (ساندي) تبتسم؟…..

رأيتها تبتسم فعلا, وهي تسبح بين شلالات النوم وخلف زعفران النهار الاستنابولي النفيس. مددت يدي اتلمس املاكها, نزعت عنها الثياب كلها,

اضحك مع نفسي كالمجانين, (ساندي) تستجيب لما تفعله اصابعي, وهي تغرق في حلم عميق لا شك انه مزحوم بالفحشاء.

خلعت ثيابي وهواجسي وخذلاني, ونزلت الى شجرة الثلج الغامضة دون سراج يضيء هيكل اسرارها الغنية. لم يكن من نور في الحجرة غير ضوء غرائزي, وكانت كلها تدخل في هيكل طازج ومحراب مهيب.

اسناني تصطك عن هيجان غبي, مع ان (سندريلا) معي كل يوم, هي جاريتي وانا الخليفة الاول على غرائزها الغجرية التي لا تشبع.

اخذتني عدوى الغجر الى ثنايا جذعها الغض, لا حرمة لهذا الطوفان المجنون, ولا من احد يسأل عن مفتاح الماضي.

لا بد من مأوى لهذا الجسد الشغوف قبل ان يسقط عقم الشيخوخة, وتنتهي نبال الصياد, قبل ان تنتهي صلاة العشاء.

طازج فعلا, هذا الهيكل البشري, من جلال قشرته الى ابهى السيول وهي تلامس اجمل خسة في النفس, بل وتغطي الرأس وتعوم معه في اعظم زلة عرفها الانسان من اول عتبة في الصخور حتى اخر حفنة من الشكوك.

يا لهذا الفزع الطروب… تصرخ بي وتأخذ مكاني, تبتسم بشراسة ووحشية ألذ من نعومة الموز:

  • (هكذا عليك ان تفعل).

نظرت اليها بأعجاب صبياني: (ما تفعلينه الان, اجمل من قصائد الكون, النساء هن افضل من يكتب الشعر). في لحظة بارقة من زمني وغباواتي قلت لها:

  • ابعد ايام سوف….
  • سوف ماذا يا…؟.

ممثلة ماهرة كانت (سندريلا), وهي تهمس:

  • قل وتكلم, هل تريد الفرار مني؟..

هدأت, واختل توازنها, انها تفهم اسراري, يمكنها تفسير ما يدور تحت جفوني, انها تحس بالكوارث قبل وقوعها.

متاهة ما انا فيه, ام انسحاب منظم, ام تراها خطيئة تضاف الى انقاض الروح, ام هي حالة من حالات البطولة والاختراق.

لا مفر من ذلك الألم الذي سيأتي, ولن تنفع معه نمنمات الشعوذة, ولا الكلام المرهف, ولا نقنقة اللسان او خداع الحروف البراقة.

  • لماذا تصمت؟, اخبرني بما تريد.

قالت بهدوء اخافني:

  • اطمئن, أنا اقوى مما تظن..

هنا جمعت اهرامات احزاني في جملة واحدة, وانا انظر الى فراغ بعيد عن عينيها:

  • سأعود الى وطني يا ساندي..


المشهد الثامن

وبقيتُ مثلما أنا بنصف جناح

مرة اخرى, ارى ما لا يراه النائم مثلي انا….. لقد اصبح الليل نهاراً, والارض تدور بعكس اتجاهاتها والجزيئات قد انحرفت عن مساراتها, اصبحت الطيور تفترس الاسود والدببة والافيال والقردة.

لقد عاد الكون الى الصفر, وعدت انا الى مقهى (فيروز اغا) في (جيهان كير), ارشف قهوتي و(مارس) قبالتي كالعادة.

  • هل اقلعت عن التدخين؟..
  • منذ اليوم الذي التقينا فيه هنا..
  • (عظيم, انت مارد, صلب العود وقوي الارادة, اهنئك, لقد نجحت, هيا لتبدأ الصفحة الثانية من الهجوم, الفوز حليفك. اني ارى اكاليل الغار تضيء هامتك, هيا, لا تتردد, انا واثق من فحولتك).

رحت ابحث عن ذاتي, عن سعادة النهار في خرائط المدن, ابحث عن الامكنة التي تثير كل ما هو شهواني في تجربة الغموض, ابحث عن القلق والانفصال الذي يذهب ويعود والارض الباردة التي تتحول الى شعر غنائي للتجسد, والمدن التي تختزل في تعاقب وتركيز وكثافة وتتفجر صوراً ومشاهد.

الرحلة تجدد المدن بالنظرة والروح.

من ساحل البسفور كنت أنظر الى الاسوار والقلاع والحصون والى صفوف الازهار الشفافة, الى التلال العالية العصية على التسلق.

من ساحل البسفور, كنت أنظر الى الكوى التي تغور في النهار الساطع, الى البيارق القرمزية التي ترفرف فوق الابراج الحجرية, الى الازهار التي تتسلق جدران القصور البعيدة, او تحتضن البيوتات الحجرية المطلة, الى الاشجار التي تحيط بكنائس (استانبول) القديمة, الى نافورات المساجد وقبابها المذهبة ومناراتها المتسامقة, الى الفسيفساء والاعمدة الرخامية, وزجاج النوافذ الملون, الذي يلمع في الضياء حين يتخلل الظلال.

هذا المشهد البسيط والمحايد يلح على ذاكرتي كلما سمعت هذه الكلمة السحر التي تنتمي الى عالم الخيال, اكثر مما تنتمي الى عالم الواقع…. (استانبول).

هنا يلتقي الغرب والشرق بأعمدتها التسعين وجوانبها الاربع.

الاسماك العظيمة ببريقها الذي يتلألأ, جذبت اعظم الصيادين, وازهارها التي تتراقص في المياه جذبت الالهة البيزنطينين.

الاشجار التي حفت بها من كل مكان, جذبت الملائكة والشياطين.

(استانبول)…. هي بيزنطة القديمة, شبه جزيرة (بنو عثمان), أتملى بجمالها, كما أتملى بوجه (سندريلا) الأنثى السحرية الابدية.

ستعودين يوماً من (فينكس) ايتها الفراشة الجميلة مع الجيش القادم من (اسبارطة) وتنثرين الوانك البهية على هامات الجند وبريق السيوف واسنة الرماح ودواوين الشعر واناشيد النصر مثل صبية عارية وسط رياحين وزهور ومساقط مياه. هذه نهاية مراسيم الماء، اصوات تتثاقل بهدوء, عنقود هزيل ينفرط حبة بعد اخرى, وانا المس بيدي هذه الاحجار الثقيلة.

تائه انا في منفاي, ومنهمك في ألياذتي الذهبية التي لا تنتهي (سندريلا).

(استانبول)...

لا تعرف في الشعر المبالغات, هي التي كانت نائمة مستلقية على البحر, كما اراها (سفيسيوس) مرة فهتف بها مجنونا:

(أنا أعبد الشاعر الذي صنعك هكذا وانت مستلقية على البحر.).

مبحوحا كان صوتي, وعيناي دامعتين.

لم اكن على حق يوم اخبرتها بانني لن اتركها ابدا, ظافر جسدي يوم استراح على عصير الليمون, ها هو يلسعني مثل شوكة عقرب تفرز السموم والخراب على طول قامتي.

لم تفعل (ساندي) اي شيء.

جزع أحس به يطوف بيننا, ويدور بين مساماتنا. راحت تلبس ثيابها قطعة بعد قطعة, بهدوء, اعني بهدوء مخلوط بالخيبة والمرارة.

اي صراع تعيش (ساندي), واي وحش أتحسسه بين الضلوع.

وميض خاطف, جاء من خلف نافذة الحجرة, هكذا على حين غفلة, اذا بها تبتسم, ولا ادري ان كانت (سندريلا) تهزأ مني, ام ان لوثة خطفت بيننا كما الوميض؟.

(ستأتي معي, لن أحزن اكثر مما يجب, تعلمت ان اقرا في الانجيل المقدس, ان النقائض جميعها, في الحزن كما في السعادة, جذوة لا تهدأ.).

انقلب العرش وتغيرت اختام الكلمات, خرجت (ساندي) من نبات التسامح وراحت تشعل فتيل الغضب, كأنها تلج في كهف دامس ومنه الى مغارة مليئة بالجماجم, لم تعد الانثى المطيعة الهادئة, ذات الشعر الاشقر المذهب, اوشك جلدي ان يتشقق, هذه الانثى لا اعرفها ابدا, لا خبرة لي مع هذا النوع من النساء.

ادركت في (استانبول) او (اسلامبول) كما يسمونها الاتراك القدامى, جوهر الشعر وهو يقترب من السفر والرحلة والاقلاع والطيران والمنفى والتغيير والتجدد….. ادركت جوهر الشعر وهو يقترب من اكتشاف المدن الغربية والاناث المجهولة والتي نطأها اول مرة قبل السفر والرحيل….. وادركت جوهر الشعر وهو يقترب من المرأة ايضا….. المرأة الرحيل….. والمرأة المدينة…. والانثى المجهولة التي نرحل إليها بالحب والشعر والسفر والقبلات.

كنا هناك عند البحر, نتسلى على الشطان المغسولة والمقفرة, في الخلوات التي تمتص الضجيج, قرب الاعشاب الهزيلة التي تحاذي البحر, وقد حوطتنا اسراب النوارس والقطاريس والحمائم المتموجة التي تحط على الرمال المخدرة. لقد شهدنا انا و(سندريلا) في الليل مجد تتويج اجسادنا في جزر (الاميرات), مجد المتع الاثينية في الشوارع القديمة, واختلسنا النظرات لبعضنا حتى بزغت الشمس ونشرت شعاعها الذهبي, وفي الصباح وقفنا معاً, … هناك على الصخرة الكبيرة لنختلس النظر الى المشهد العظيم من اعلى القلعة القديمة التي تسيطر على مهابة المضيق ومشهده البانورامي الموحد لعاشقين منفيين في شعاب الجزر.

في هذا الزمن, تطلى الثمار بالذهب, تتلون وقلوبنا لا تزال فتية غضة.

في هذا المشهد المقدس تركتني (سندريلا), ذاك الغزال العسلي الانيق المدجج بالأنوثة العجيبة.

تركتني وحدي, اجمع واطرح ما جرى في حياتي ويجري, ذكاء وبلاهة, اقسمه بين خير وشر, وقبل ذلك كله الى قسمين متنازعين على امتداد الحياة: (ان اكون كما اريد وكما يريدوني سواي).

تركت ذاكرتي على ضفة من حاضري, اسرعت في خطاي نحو (ساندي), اعرف انها ستذهب الى (فينكس), حيث تعيش امها.

في تلك الساعة تذكرت جميع محاسنها, منذ اول يوم الى آخر دمعة.

احزنني ما فعلته بها, بواحدة مثل (سندريلا) ليس من السهل ان تتكرر.

ماذا كنت اريد اكثر من امرأة جميلة عاشقة واصابع تعمل من اجل رضاي, وملامح من عنبر وتفاح وفراولة؟. موجة شاردة في بحر شاسع لا نهاية له, هكذا رأيت قلبي يتخبط في بركة من هذياني, من هذا الدهليز الذي صنعته بنفسي وتاهت خطواتي في قنواته وشعابه المظلمة.

اين اختفت هذه الجنية الرطبة اللعوب, هل اخذتها الحمائم الى(فينكس), ام سرقها الغجر بأجرة مركب صغير تعبر به على كبريائي وصبري دون دفة وبلا قبطان ولا اشرعة؟.

لا افهم سر هذا الندم الفاجع, الذي تسلل كما السكاكين الى لحمي؟.

انا الذي كنت اريد ان افارقها, فماذا دهاني وقد فارقتني (ساندي) بمحض ارادتها. اشعر بالصداع والغثيان ولا عقاقير معي سوى الامنيات.

(اذا كنت تحبني فعلا, سأعرف ذلك قبل ان تكتشفه انت.).

اي نعيم كنت فيه, وأي كارثة رميت جلدي المسلول عليها؟.

متى اكبر على افتراضاتي واوهامي؟.

تباً لي……

المشهد التاسع

لا عشق بعد عشق مدينتي

أفيق من غفوتي,

واتحرر من شباك هذا السبات الثقيل الذي كاد يخنقني, لقد شفي جناحي, والتئمت جراحي, اصبحت الاشكال والمرئيات من حولي ذات جمال ورونق, اصبحت الرؤية حقيقية, والفضاءات نقية صافية يغسلها ضوء مدينتي الساطع فتلألأ ببهاء وانا قبالة (باش طابيا وقره سراي)(*) ومن ورائي (دجلة الخير) نبع الصفاء والنور, عبث طفولتي, ووجع الذكريات الجميلة؟

هذا الشط المسافر, اسطورة الشعر, وتراتيل العشق, من أمواهه العذبة تأتي اغنيات ومواويل العشاق, طقوس تفوق قداسات الالهة التي قابلتها في حلي وترحالي.

اصبحت احلق وقتما اشاء, وحيداً, ام مع اسراب (الصابوني والودعي والزاجل وحتى القلاشات والقلاب)(*)حلاوة طفولتي, ذلك الوجيب الساخن بين تشعب الاشياء في ذهني وانا احصي واحاول ان احفظ كل ما اراه واسمعه اجد نفسي في اي مكان على طول الضفة اليمنى من دجلة غاطسا حتى منتصفي في المياه, مصدوعاً بصراخ الفتيان العراة الذين تتحرك ايديهم على سطح المياه, فتصفعها وترشني بها, وقد اسودت بشرتي من البقاء الطويل تحت شمس الصيف, فأصبحت تلمع كالخشب المدهون.

احتك بالرمل الهش اليابس, ابلله بجسدي والهو به, أختنق تحت سطح دجلة, وانجو بحياتي نحو الضفة, اتعلق بزورق ماء لا يلبث صاحبه ان يدفعني بالمجذاف, استلقي على اطار سيارة منفوخ, واعوم به نحو الضفة الاخرى, حيث لا صوت ولا صخور, انام على الحصى الناعم المغطى بغلاف من طين لزج, ادحرج الاطار امامي على الحصى بعكس اتجاه النهر بحثا عن مكان بعيد أبدا منه سباحة العودة, وادوس على تراب وثير لمنطقة تملؤها الاعشاب الرخوة، وأنيم الاطار على سطح المياه, ثم اقفز عليه واجذف. يتدفق النهر على مدينة العشق, فتفيض الحياة على الضفتين, وثمة اطفال مثلي يمارسون العوم بحيوية وجذل, وانا اسأل نفسي: (كم من حياة ولدت وانتهت واجيال ارتوت من عطائه الفياض, وانبثقت من دفقه العتيد, هل شاخ نهر مدينتي ودب فيه الهرم؟), لكننني اعود واهتف: (تبا لي, بما افكر الان, هل يليق بي التساؤل, وانا اسرد طفولتي على ضفافه الحبيبة؟).

كانت الشمس تميل الى الغروب قليلاً, وثمة شلال من شعاع برتقالي ينحدر عبر قبة (يحيى ابو قاسم)(*) فيصبغ الافق وبعضا من صفحة النهر, ومن بعيد اسراب من نوارس قطنية تغدو وتروح لاثمة وجنة الشط اللامعة, ثم تحلق مبتعدة الى الضفة البعدية, حيث البساتين واشجار الكالبتوس والصفصاف والسرو والعليق وظلالها الداكنة على صفحته الصقيلة.

مع تدفق الامواج التي تصنعها القوارب السريعة والمارقة امامي, ينساب الامل في جوارحي وتدب الحياة من جديد, فأشعر ان مياه النهر قد غسلت كل شوائب الخريف في نفسي, وازالت الرماد الذي كان يحجب عني جذوة الامل, فطفقت اشارك الطيور والصيادين مهرجانهم البهيج.

انتابتني حالة من الخمول وبدا لي ما اراه باطلا ومحض سراب, فقد انكشفت وللوهلة الاولى طلائع الخريف وقد اختطت لها مواقع متقدمة على الفودين, مع التواءات الزمن فوق جبهتي, فأنتهى بي المطاف الى حالة من الاستسلام لذلك الاحساس, وبدا لي كأنني اعيش على هامش الحياة.

تخيلت وقتها امي الطيبة وبكيت, بكيت كثيراً, وتذكرت حينها عندما رفضت مجيئي معها الى النهر, وفرحت حين وافقت واقسمت ان تعلمني السباحة, وان لا افعل ما يغضبها.

في حينها قطعت امي دابر الخوف في نفسي وقادتني الى حافة الجرف بعد ان انتهت من غسيل ملابسنا.

كنت وقتها ارتعش من المجهول, ازداد خوفي حين لسعتني برودة الماء, لكن جذوتها توهجت في لحظة جمال او موقف ما حين قفزت مرة واحدة ورحت اخفق بذراعيّ مثل فرخ اوزة في مويجات النهر الباردة والاطفال الذين يتقنون فن الغوص يغصون في ضحك طويل. كان ذلك اول يوم لي التقي فيه مع دجلة واعوم على ضفافه الشجية, والتلذذ بمائه الصافي, هكذا كانت بداية صداقتي معه, بل اول فتيل لعشقه الابدي, تعرفت حينها على اصحاب جدد, البعض منهم كان اكبر مني. كان العفاريت يلقون بأجسامهم في عرض النهر مثل السناجب ويعومون حولي, وانا متشبث بأمي خشية الافلات, ويتمتعون بمائه العذب وقد أنستهم متعة اللعب والسباحة اسمي, حتى ان احدهم بح صوته وهو ينادي دون ان اعير له اي انتباه, ولكن بعد برهة ناداني باسمي الحقيقي فأجبته (نعم) ملتفتا اليه, وبقي الجميع في دهشة من امره بعد ان انكشفت خديعتهم في الضحك عليه بأسم اخر كانوا قد اطلقوه عليّ.

توالت صداقتي مع نهر مدينتي واينعت, كنت ازوره مرتين, في الصباح وبعد العصر, متلافيا ضربة الشمس حسب توصيات امي, فكان يبدو لي صغيرا, كأنه طفل مثلي يبحث عمن يلعب معه, واحيانا يبدو امامي بحرا عريضا, حتى يكاد يدفع الضفتين عن بعضهما, لكنه أبدا يولد من نبع في الشمال ويشب يافعا عند مدينتي حتى يبتلعه فم الخليج في جنوب البلاد. هكذا كان ابي يقص علينا حكايته التي احبها ولا أمل منها.

قرب بوابة (حمام القلعة)(*) تقترب نحوي اسراب البط والخضيري والاوز والنوارس وتقضي بعضا من اوقاتها عند جرف النهر بين نفايات (النجارين) و فتافيت الخبز التي ارميها اليها.

البعض منها يطير فزعا عندما يقترب اليه بعض الصبية المشاكسين, ومع ذلك يبقى النهر فقط هو الذي ياخذ بلبي لامعا تحت ضوء الشمس, ويدفعني الى التحديق فيه حتى اهمس لنفسي وكأن الاحلام تسرقني منه مرة اخرى.

(هل تحبه؟), هكذا قال صاحبي وهو يغرف بكفيه اول حفنة ماء من مياه دجلة ونحن نمخر معا في زورق بخاري.

شيء ما يلتهب شوقاً في صدري:

(ليت سندريلا قبالتي الان)…..

كنت اميل مع ذاكرتي الى عشرات اليبوت المتآكلة التي تتهدل على مجرى النهر, والى بيتنا العتيق وبيت خالي وجدي وبقية اهلي واصحابي وعشيرتي.

اناس كثيرون كانوا يلوحون لنا من اسطح منازلهم, ويغنون لنا بأعلى اصواتهم شتى الاغنيات, ومن بعيد المح قطيعا من الجواميس باركا في مياه ضحلة وهو يجتر بنشوة وبطء, فتخيلت نفسي اتعلم السباحة في السماء وبين نتف الغيم المنساب طيعا مع الرياح الهابة من الغرب.

بين جرف (الشهوان) و(عين كبريت(*)) نسوة يغسلن الثياب وصبية يقفزون مثل النسانيس وثمة رجال يستلقون على الرمل الساخن وقد لطخوا ابدانهم بوحل الكبريت الاسود العطن.

كانت الاسماك تطل علينا برؤوسها وتلعب في منتصف النهر بعيداً عن سنارات الصيادين الذين لفو رؤوسهم بمناشف بعد ان بللوها بماء النهر. كان الوقت يمضي مثلما تحث السيجارة جمرتها في فم صاحب الزورق.

نسمة طرية لامست وجهي وانا مشدود الى صفاء النهر.

هتفت بعفوية: (يا لهذه الروعة).

خمسون عاما والرغبة تتأجج في جمجمتي , لا استطيع البوح بها ومنعها عن الرحيل.

ها هي طفولتي تهب معي ثانية, ولكن دون (سندريلا) معي, لا قلاع (بنو عثمان) ولا مضيق.

اتخيل ابي امامي رافعا ذراعيه عالياً في منتصف دجلة وهو يعوم ضد التيار مثل حوت مارد, فأهتف في داخلي: (كم احبك يا ابي, واحب فيك دجلة الخير).

قالت لي امي يوماً: (الانهار يا بني رحيمة مثل الارض, تحب وتنسى, تعطي وتأخذ, تغضب وتسامح).

وانا غائص تحت سطح زلازل, اختفي عن الاحداق هنيهة ثم اظهر فجأة عند الضفاف, فأرى وجه امي جزعاً وانا في ذروة سعادتي.

تصرخ امي مؤنبة:

– اخرج, اخرج يا شقي, والله لن آتي بك مرة اخرى, وسأحكي لأبيك عن كل ما تفعله بي). كان الزمن يضيع معي بفراغ المكان, وروعة الماضي الطري.

اطلقت عينيّ بمحاذاة الجرف حتى نهاية بيتنا القديم, بيت جدي (سيد نادر), كما كان ابي يروي لنا عنه وعن بطولة عمه ذئب الليل (سيد شاكر) الذي صرعته بنادق (الجندرمة)(*) وهو يعبر دجلة تحت جنح الظلام وعن جدتي (حسنية بنت الحاج مولود افندي سعدي) الذي كان فقيه زمانه وعالم عصره.

اتوقف هنا واناديك مرة اخرى بملء قلبي: (يا دجلة الخير), لكنك تغفل عني وتحث خطاك ولا تسمعني, فرفقا بي ايها النهر المسافر في دمي, يا ايها الذي احتمي به مني انا.

أتصنع الهرب منه …، لكنني أجده أمامي، أينما وليت شطري, متأججا في ذهني وخاطري, تناسيت ام هربت, رحلت ام قدمت, من هنا او هناك.

قلت كثيرا لنفسي:

(لن يعرف دربك هذا النهر), لكني ما ان اتنفس حتى اجده قبالتي, مبتسما بلقياي, باسطا ذراعيه لي.

بي أتواق متزاحمة نحو النهر, وقد بدا الصيف, ولم تعد المسافة واسعة لتلك الاحلام الوردية الصغيرة, وقد استحالت الازقة الى شوارع والخرائب الى بيوت حديثة.

احس انني اسلك طريقا جديداً نحو النهر, فانشغل بما تراه عيناي, وكأنني ما ازال اجذف عند مجرى النهر, دون اي تقدم, فالذكريات وحدها هي التي تملا فسحة هذا المشوار وهي متزاحمة لا مناص من حضورها على حالها القديم, حتى انني لا احيد عن تلك الوقفة امام دجلة محتميا بالصيف الساخن وحرارة الرمل والامل. لقد مضى اكثر من شهر على انعقاد الثمار, فبدا الربيع يلملم البرد تهيئا للمغادرة, وانشغلت اشعة الشمس باسترداد المياه التي اسقطتها الامطار.

تلك هي قصة عشقي معه ولكن دون (ساندي). اكتبها الان, او ربما في زمن اخر, او في وجود غير هذا الوجود, او عندما اجرب العدم, ولكن لا مفر لي الان منه, سوى ان احزم متاعي واترك صباحي, ولا احد يعلم بأمري, ولا ادري الى اين؟, فلا شيء بعده, فالكل مسافر والكل الى رحيل….

لا محطات للانتظار او الوداع, حتى تستغيث الضفاف مرة اخرى, او تقوم الساعة.

ذلك هو (دجلة الخير) بجنونه البني وطحالبه الطافية وزحفه السريع, يتنفس كما اتنفس انا, مخلوق خرافي ينوي النهوض, لينهش الضفاف, تذكرت الصيف المحصور بين اللون الازرق للسماء وانعكاسه على وجه مياهه الصافية.

النهر هو ذاته, مهما تغيرت, وصعبت فيه المسالك التي تمتد نحوه, ومهما طالت المسافات, لذلك يرمش قلبي كعين عاشقة, وانا استقبل شموخ (قرة سراي وباش طابيا وقصر توفيق افندي والشهوان), العمالقة الذيم يرفعون هاماتهم بين الاماكن والمنازل المجاورة اتساءل…. ولكن مع من؟:

(ترى أي الضفتين أكلها النهر؟).

ألا يذكرني ذلك بالطفولة؟, لعل الشيء الوحيد الذي يظل عالقاً في الاذهان, هي ذكريات الطفولة, حلوها ومرها, عبثها ومكائدها البريئة.

أذهب بباصرتي الى كنوز القلعة الاثرية التي تعلو هناك عند منطقة تحدب النهر فتقع نظراتي على بيوت الناس الفقراء, والناس الاغنياء المتجاورة مع بعضها ومزاريب المياه التي تصب دونما انقطاع في مجرى النهر, فلا تعكر منه الا مقدار امتار محدودة, يستعيد بعدها زرقته الصافية.

تبدأ الاشياء البعيدة بالارتجاف وراء البخار المتصاعد, أما العينان فتضيقان كثيرا تحت الحاح الضوء الساطع, وتشيع رائحة التراب النفاذة التي يدحس الهواء فيها رائحة الاسماك النتنة التي يرميها الصيادون, فيخلو النهر إلا من بضعة اشخاص يستندون بظهورهم الى جدار (قره سراي) العملاق.

الجواميس تشخر ناهرة اي فتى من الدنو من اماكنها, تعوم ذهاباً وتعوم ايابا بين الضفتين. كنت ارى مربوها يمتطون ظهورها, وقد رفعوا سيقانهم السوداء التي تجذف في المياه. قوارب الصيادين هي الاخرى تنام على جسد النهر, وقد تدلت منها الشباك, واخرون يلقون للأسماك بالعجين المسموم.

احدث نفسي واحلم, كانت الشمس تركب السماء وتتدلى في منطقة شط (الجومة) اتخيل السرداب المظلم الذي يمتد من داخل (قره سراي) تحت دجلة, والذي كان ابي دائما يحذرني من الاقتراب منه حين اروم العوم في النهر.

اتذكر (سندريلا), ورحلة البحث عن سعادة النهار في خرائط المدن.

البحث عن المكان الذي يثير كل ما هو شهواني وارضي في تجربة الغموض التي يكشف عنها, والقلق والانفصال عن النصف الذي يذهب ولا يعود. عن الموج البارد والبحر المديد الذي يتحول الى شعر غنائي للتجسد, والمدن التي تختزل في تعاقب وتركيز وكثافة, وتتفجر صوراً جميلة وذكريات حلوة.

تجديد وانبعاث للجسد مثلما يجدد الشعر بفعالية جسد اللغة ويهزها وينفض عنها الغبار ويجعلها نابضة, فتية, تتلأم بشكل فتان مع عواطفنا في الروح والدم والتداعيات.

نور ابدي يأتني من هذه الجهات, فأرى مساره على الماء والانسان والسماء والتراب.

اخبئ بين مفاصلي حبا قديما كالضوء في المآقي, بأسمه حاربت كل المفاهيم, واستخلصت من الحدائق والبساتين خصبها لأزفها اليه نعما وقصيدة لخضرة الطحالب فيه.

خبأت هذا العشق بين مفاصلي وبحثت في كل المرافيء عن ضفاف تحتويه, فلم اجد غير الاحداق وجسدا من حنايا قلب, عندئذ نسيت نفسي, جمعت كل عناصر التكوين من شبق الفصول وعشق الطحالب للماء, من اختمار الطين وجدل الاشعة, خرجت من كفني فأستوطنت سنبلة في دمي بحجم الصيف, وكنت آخر من رأى نورساً يفارق ريشه اللامع ويهوي ليلتقط ما علق بخضرة الطحالب.

أهم بفتح راحتي للعبور, لكني التفت اليه ويلتفت نحوي في اللحظة ذاتها ولكن بأتجاهين, ألج نحوه بخطوات يضيئها دفء الماضي وحنين الضفاف التي لا تكف عن السرد, ومياهه عن الانسياب.

مشهد بسيط ومحايد يلح في ذاكرتي, كلما نط قبالة باصرتي طيف (سندريلا) الحبيب. شجر الاكاسيا وقفص الكناري ومراكب الصيد والاتراك الذين يدخنون السجائر الرخيصة ويحتسون البيرة, ومن خلفهم تنكشف ظلمات تاريخ (بنو عثمان) العتيد,

ليس من شيء افعله قبالة (الزرقة), سوى تسبيح الصمت, وخلق حوارات مع الماضي تشبه الانين مع الذات.

تتفاعل معي نظرات تائهة, تتجمد فوق لجج البحر المديد, او اعلى اشياء من دون ان اعيها.

الكل يدور في فلوات جوفاء.

خض عنيف للماء على ان تتحقق معجزة, وتطفو رغوة الزبد على السطح, لكن, المعجزة لا تتحقق, وقد يأتي الحب او الوهم مرة واحدة في العمر, وقد لا يأتي ابدا.

هنا, على ضفاف (المضيق) يتعاقب الليل والنهار الى أبد الابدين.

هذه هي الحياة. لماذا يرتعب الناس من الموت؟, ما اسهل ان تضيع سنوات من العمر وتحترق الاعصاب.

ايام طويلة تتعاقب, وانا اعيش الحلم ذاته.

ها هو دفتري الخاص يعج بالقصائد والتداعيات التي كتبتها لها وحدها.

تكاد الكلمات تصعقني, لكن صعقة واحدة جعلتني افيق من حلم كاد يأخذني الى ضفاف صارت بعيدة عني.

حينما يتقد طيفها في ذاكرتي, تخنقني عبرة كبيرة, لكني اتحامل على جراحي واصمت.

هذا العشق الشجي لامرأة لقيتها على مركب ضال, لا اعرفها ولا تعرفني.

امرأة تنام كالملاك على وجع النبضات ونزيف الشفاه اناديها (انا وهم يا سيدتي.

وهم يتكور على اسطح البيوت التي بللها المطر, وعلى الارصفة الثكلى التي يتزاحم فيها البشر, وعلى مرايا الليل المشدودة المحدق في فراغ الزمن.

انا الطيف الباكي ايتها الايقونة الصعبة, اسير في موكب الاطياف حتى اخر الحلم. انا يا سيدتي كالشبح الحزين ادرج من فراغ بلا نهاية مثل طيف انهكته التداعيات, عفوك اذا احرقني السهاد وبعثر اوهام قافلتي المسحورة التي تبعتها معك في هذا التيه البهيم, عفوك يا اميرة العشق, يا صاحبة الوجه الذي لا انسبه الا لوجه امي الطيب.

يا سيدة الاغوار البعيدة, يا قمري البعيد القريب, لقد شدني اليك عقم السنين العجاف, فأفردت لجسدي شراع العشق ليبحر مبهورا اليك.

سنون طوال مشيتها في وجل اليتامى, اترنح علنيّ القاك, لكني فطمت من ثدي امي وفي جوفي قارورة دواء, شربتها لأروي عطشي كي اواصل الحياة واللحاق بك).

كان ابي فقيها, فبارك لي الشراب السحري.

اغوص في اعماق ذاكرتي, فتخرج حبلى من عزلتها بأصداف ولألي من عشق مجهول كان مطمورا وانا لا ادري به.

لماذا يوغل الحزن في بيوتات حينا, ليهرب العشق منها؟. كيف نفذ من الجدران, وانفسخ من النوافذ, وانعقد في راس كل زقاق, واوغل في قلوب النسوة والعذارى اليافعات والرجال والاطفال.

انفاسي تتقطع وتعتذر العودة, فلا احد يفتقدني, لم تكن هذه اول مرة تجتاح فيها نفسي نوبة من الاحباط, لكني تعودت في كل مرة ان يصاحب الاحباط في نفسي شيء من الامل الحاد, امل يخبو تحت رماد اليأس, ثم لا تلبث جذوته ان تتوهج من جديد بفعل حالة عذبة, او لحظة جمال, او نسمة حب يخفق لها القلب, كي اواصل حياتي بقدر جديد من الحيوية والنشاط والدفق والامتلاء.

الامل ينساب في شراييني من جديد, اشعر ان مياه البحر غسلت كل شوائب الخريف وازالت كل ذلك الرماد الصدئ الذي كان يحجب جذوة العشق عني.

طفقت اشارك الكائنات من حولي مهرجانها البهيج, اشعر كأني جواد طاعن بالعشق, تداعب الريح عرفه الجميل المجنون.

انزل عرض البحر مشمراً عن ساقيّ اللتين لفحتهما الشمس, وامضي بين لجج اليم, وانا لا الوي على شيء.

لقد توهجت بداخلي جذوة يافعة للعشق, احيتني من جديد, فواصلت الحياة, ووقفت بثبات من دون يأس, فلا شيء يجعلنا عظاما. سوى الم عظيم.

عبيد وخصيان ينقلون انباء النصر الى السلاطين والحرملك, وجواري يافعات ينقلن الماء الى النساك وبغايا المدن في طريق الحرير, اللواتي جئن الى سرايا ودهاليز الحصن والقلاع التي لا ترتوي. (هذا هو المكان المقدس لي الذي الجأ اليه لأمارس طقوس حبي العريق).

(قره سراي), تعويذة العمر, وايقونة الامل. يا احلى ما ينطق به لساني,

يا اعذب واجمل ما رأيت. ها أنت قبالتي, بجمالية شموخك, وعنفوان تأريخك الاصيل, تتكحل مقلتاي برؤياك كل صباح. جمال لا يضاهيه جمال…..

افتح ذراعيّ عن اخرهما, وهامتي تشمخ في فضاءات مدينتي الزاهية.

أغمض عيناي, وأعب جرعات من هواء بأقصى ما استطع, فقد عدت الان (طليقا مثل وجه حمام)…., لا عشق هنا او هناك, بعد عشق مدينتي, ……

أسجن غمائم حبي الاول, بمعذرة رتاج, ليبدأ الكون من جديد, حيث الكل في واحد….!

مرحباً مدينتي, أم البدايات, وأم النهايات. وأهلاً, وطني الحبيب, ….

أنت الامل والرجاء …., أنت

المنى وأنت الفداء…..,

أحبك رغم اني احتضر بعبق أنفساك……!!

المشهد الاخيرّ

حرائق في طير يتضّور عشقاً

قالت لي العصفورة:

(أنت طير تتضّور عشقا، هذا المارد الخفي يقض مضجعك.

أنت ضال وتائه مثل بندول ساعة هرمة، بين عشق (سندريلا) ومتاهات مدينتك.

آه … ما أصعب هذا العشق، وما أقسى مرارته نيوبه، تنهش ذاكرتي، مثل ضباع هائجة تتضّور عشقا الى الطرائد).

التهاب في شفتين بريتين، وحنين إلى نبيذ اللعاب، ورذاذ العرب، والغفو المحموم على عشب الصدر.

ارتطام ملعون، وغيرة على الاذن من القرط.

طقس انثوي، يطن مثل قوافل نحل داهم شيء غريب فضاء مملكتها.

هوس بسؤالات الوجع، وتماهي بليل الفستان، يشتهيني هذا الزمان، فأشتهي أنا أنثاي.

أقبلها في ذاكرتي كي أرسم بشفتيّ حكاية بلون العشق والمستقبل، أن تتحد الشفاه في لحظة ينتهي فيها الحكي، وينتهي فيها خواء الحرف، وتنهار مفردات اللغة أمام قوة لا تقهرها الحياة ولا الموت. تصبح الحياة بألف وجه وألف معنى.

القبلة فضيحة تعري فراغ الكلمات، لا معنى للروح بلا جسد يتلوى مرتعشاً من شدة اللذة.

حين يختمر الريق بالريق، يحترق اللسان بسكرة المد والجزر، فتتوحد الكلمات في ملكوت العراء، مثل ارتعاد الغدير حين تداعبه النوارس فتتحشرج في شوك ضفتيه وتترنح في امتداداتها وانحناءاتها المعناة باللهاث المتهدج المنغم الجميل.

ما هذا أيها الواخز سطح أرضي؟. أنا الجسد الذي يشتهي الحرث الآن، كي تتبدل ذراتي وتتلاشى خلاياي.

لم يسبق لي أن تعريت عن احشائي بهذا الشكل، في صحراء تمتد بين أضلع لم تعد تتحمل كل هذا العطش.

أريد أن ابلل حدائقها بمائي الذي حملته وخبأته في جوفي أياما وأيام، حتى لو اضطررت الى الاستعانة بأسمال الكلام، وما يتناثر من حوافر ضجرها، لأطهر روحي من شحنة الحروف.

تتساوى خطوط الطول في داخلي مع خطوط العرض.

أنا شبق حد النخاع.

أعشق العوم والغوص في ملكوت جسد الانثى الرطبة، واعشق العراء الذي يختبيء وراء لباس أسود شفاف.

أعشق عطر الجسد بعد ان يتضمخ بالقبل والعناق ثم الاهتزاز والرجفة.

هو بحق أعظم عطر في العالم، منه يولد أجمل شيء في العالم.

أطيب تفاصيل عشق عشتها معها في شهرين، نعوم معاً كالاقمار في نهر، ونرقص رقصات بمعنى وبلا معنى.

رقصة الحياة ورقصة الموت، رقصة الشهقة ورقصة العشق، تتيه مقلتاي في جغرافية النهدين العجيبين اللذان يحكيان لي عن قصة سلالة الانثى التي جاءت من غياهب الزمن كي ترقص رقصة البقاء والخلود.

هنا يتوقف شلال القصائد العمودية على مسقط النثر، فيصبح عرشي من طين لازب، وعرشها من نار …

(سأفتنك بعشقي وكلماتي الى ما شاء الله وما قدر، لكن المعادلة بيننا باقية ومعبدة بالجحود.

  • لا بد أن تتزينين بلعابي.
  • أي وهم رائع هذا الذي يخدع أنواءك.
  • ألم تقرأي ذلك في الصحف الاولى؟.
  • لن تجرؤ شمسك على السطوع في افيائي من غير أذن.
  • أنت تنامين على براكين.
  • أنا لا أقلل هنا من خطورتك، فجحيمك نرجسي مستتر، ينذر بالتجلي.
  • متورط أنا فيك.
  • مسكين، قلبك ليس له جدران.
  • أنا من يحاصر الحياة، ويلعب في أسرارها الداخلية.
  • لقد أسعدتني بهذه النهاية.
  • اليوم أشعر بالضياع اكثر مما مضى، هذه بسمتك، وتلك كأسك، مثل بئر نقبه بدوي في الرمال.

هل أشرب قليلا، ثم أهرب بعيداً عن القافلة؟.

قميصك المفتوح يلاحقني، في شموخ نهديك وتوهج حلمتيه.

أنا لست شيئا أبداً إن لم أحبك. ماذا سأفعل هذه الليلة اذا ما شارف كل شيء على الانتهاء؟.

أحاول أن أعيش من دونك، ولكن يا لها من مهمة وعرة.

علينا ان ننام ونستمع (للفلوت)(*) وهو يعزف للعشب الناعم، لقشور البيض المسلوق على الرصيف، وللحقن في الصيدليات.

علينا أن نطرق ابواب الفنادق ومنافذ الازقة والدروب ونصرخ: (نحن غرباء … غرباء وشعراء أيضاً).

ها أنا مرة اخرى انام على المصطبة الباردة دون عشيقة، دون أهل وطعام، دون قهوة أو نهد متسامق.

انظر الى النجمة في المجرة، الى البهجة الشريرة المتوقدة من العلوم والمعارف وهي تحيي بعد موتي كلما تستقر يد (سندريلا).

قلت لها: (حبيبتي، لقد استقر البرد على الشوارع، ومات فلاسفة العشق من بعيد، وأنا عليّ أن ألتقط من الكلمات، والايماءات، والنظرات، أثرا ولو بسيطا للبهجة.

حبيبتي، أنا دون وطن، والادباء الذين كنت اعرفهم، أصبحوا جنوداً بلا تروس.).

كيف سأعثر على النعاس، ومن يقص لي حكاية؟.

سمعت في مدينتي حكايات كثيرة … سمعت أساطير وحكايات عن ملوك وأباطرة وآلهة … سمعت حكايات الفلاسفة والشعراء كلهم … غير أن النوم غادرني.

قالت لي الغجرية الأزميرية: (سيدي، ستنام طويلا، وعميقا حتى تتوقف جدات (بنو عثمان) عن سرد حكاياتهن، ويقدمن لك النبيذ والطعام والنساء).

لقد شربت الكأس بعد الكأس، رضعت من نهد (سندريلا) حتى دفق العشق من بين شفتيّ ولم أوقظ الآلهة في الكتب التي قرأتها، والاساطير التي سمعتها، لكن السور الذي بناه السلاطين لم يتهدم، كان هذا صوت قلبي وهو عاكف في عزلته، محاولا التخلص من سحر (سقراط) في الظلمات.

(سندريلا)، أنت الآلهة التي تزيحني وتبعدني، اتركيني على الاقل ابحث عنك، فلا أحد يحمل عشقنا غيرنا.

أنا هنا جندي غريب في ضوضاء (بنو عثمان) ولكن هناك سلطان واحد يضرب رقبتي.

أنا قاص وانت انثى متمردة، التقينا لنتضاجع هنا تحت الانجم والمجرات.

نجوع في الصباح، ونبحث في المساء عما يلقي السياح به على الارض.

(سندريلا) … تعالي إليّ …

لا رغبة لي سوى ان أنهي حياتي معك في سرير واحد.

أمن هذا الصباح الرمادي تأتي (استانبول) ؟.

(سندريلا) انا ممتن لك بهذا الضعف وهذا العشق، ممتن لك بباقة الشكوك، بالوردة العاطلة، بالنصيحة التي تقدمينها كعارف خبير.

ليس لي مكان، ولن اتوقف في الطريق، كل شيء مشوه سوى النسيان والوقاحة، هذا الاسى لا ينتهي مطلقا، أنا لست (هوميروس) … ولا أنت (ميديا).

مسافر أنا، من عشق الى آخر، ومن صمت الى وحدة اكثر وحشية.

هنا، لا يقرأ العشق في الشوارع، انه يقرأ في المعابد والاماكن المقدسة، بل يقرأ في السرير.

كانت الزهور الطالعة من الصخرة الصلبة بشكل عشوائي تواجهنا، وكان المضيق المحززة ضفافه بالعروق يذكرني مرة اخرى بحب التوهج في المطر الرفيع، البطيء.

كانت زهور الصخرة المبللة بأشكالها المتعددة تتمايل على شعر (سندريلا).

يحجبنا الضباب هذا المساء.

تختفي فوانيس المراكب وتظهر بشكل غير متوقع.

(استانبول … مثل السجائر الثقيلة، دخانها يدخل الجسد مثل نصل السيف، ومن النادر أن يشفى الجريح من حب استانبول).

كنت أشعر أمام التماثيل البيض بشيء ما يتوارى وراء الظل. كانت الارض التي اشبعتنا عشقا تتنفس صامتة، أما (سندريلا) التي يتصاعد في اعماقها هذا الحس الاسطوري العظيم، كانت تحس دون شك بثبات فضيع، تشعر بالنهاية التي تبزغ وتحل الساعة الاخيرة محلها، وهي تحدق في جدار البحر الصامت، واللون الازرق الذي يزداد كثافة، وبالمدينة التي تتنفس حابسة انفاسها، ومسمرة عينيها في الضياء.

(استانبول) المدينة التي صنعتها الهدنة المقدسة ومتفرجو ساحة المصارعة.

(استانبول)، التي صنعتها العربات التي يقودها الفرسان المتسابقون، والابطال المتوجون بالغار، والمسارح المحلية المصنوعة من الحجر.

(استانبول)، هي اكليل الزيتون الذي يحمله (هرقليس)والنساء الممنوعات من دخول مسرح الاولمبياد.

(استانبول)، التي عشنا فيها فروض العشق كما في الكتب القديمة المقدسة، حيث القبلات الرائعة واللهاث هي قرابيننا، والمصاطب المنتشرة قرب تماثيل الآلهة هي معابدنا.

(استانبول)، النهار …

حين ترنو الى نسائها وهن يسرن مثل اميرات قديمات، منبهرن بأجسادهن البضة، والوسامة التي اشتهرن بها.

(استانبول)، النهار …

اذا ما نثرها الورد على عبيدها ومحظياتها، وتعرينا لتفرغ اجسادنا كما تفرغ السلاسل في (أميننو) حين تأتي السفن السداسية المجاذيف من (الاسكندرية).

(استانبول)، النهار …

عيون بلون الرماد، متوهجة مثل حجر كريم، يضيء جسد (سندريلا) الابيض العاري الجميل على سريري الصغير. (استانبول)، وجه امرأة عطشى للعشق، يطلق ألف سفينة كل يوم، يطلق سر آلهة (الاولومب)، أو سر جزيرة ضاعت تحت مياه البحر في (أتلانتا).

أغمض عينيّ، وأهوي في دوامة بعيدة، فتحيط بي اصوات متداخلة مع بعضها … أبيات من الشعر، ألوان تبزغ وتخبو، همهمات … صياح، أصوات الحقائب وهي ترتطم على الخشب … روائح ، عطور … غبار على الارضية الصلبة، قشور فواكه، ورائحة شواء (الهمبركر) من الاكشاك القريبة.

(استانبول)، التي أحببتها، لم تكن (استانبول) التي أحبها المؤرخون والسواح والسياسيون ورجال المال والمدعون والعشاق والاغبياء والعجائز.

(استانبول)، هي الليل حينما نرحل من مكان الى مكان على اقدامنا، (استانبول) العشق الذي طلبناه في عربة كبيرة من الضوء، (استانبول) التي نمنا في شوارعها الضيقة، (استانبول) التي عشنا فيها فروض العشق كما في الكتب القديمة المقدسة.

قلت في نفسي: (هذا هو الوقت الذي ينام فيه القاص والشاعر … السلطان والجارية … السكران والعاشق).

اسأل نفسي، عن (اتلانتا) المدمرة، عن الرحلة الى المجهول، عن الرحلة الى (ايثاكا) في شعر (كافافيس)، الرحلة الحافلة بالمغامرات المليئة بالمعارف والغرائبيات والعجائب.

(استانبول) هي شاعرة (بيروس) المولعة بالحضارة الهيلينية.

في ملعب (الاولمب)، شممنا أنا و(سندريلا) رائحة حادة ماكرة، طبعتها الآلهة على الحجر، عشنا تحت غبار سباق الجياد والعربات الاغريقية والقفز الطويل ورمي الرمح والقرص والمصارعة والعدو منذ عهد الابطال الاسطوريين … عشنا أيام (أولمبيا) والاسرار الكامنة وراء (هيرقل) العظيم الذي قاس ملعبها بستمائة خطوة من قدميه.

قالت (سندريلا):

  • هذا هو ملعب (الاولمب)

شعرت تلك اللحظة بالمباركة الالهية (لزيوس).

شعرت بمعبده العظيم وتمثاله المصنوع من الذهب والعاج.

رأيت سلاطين (بنو عثمان) الذين أمروا بجلبه الى (استانبول)، وحين وصلهم انفجر التمثال بالضحك. شعرت بالمسرح  الروماني في اعالي غابات الصنوبر، وبالطريق المرصوص بالحجارة، الذي مشيناه مع فرقة مسرحية روسية حتى وصلنا مركز المدينة.

هذا (اسكليوبوس) وهو في ملامح افعى، وتلك أمسيات الصيف التي تقام فيها المسرحيات، واولئك الممثلون القادمون من كل بقاع العالم، بملابسهم الاغريقية واقنعتهم.

على المسرح التراجيدي في (استانبول)، عشنا المكان الذي كان يطلق صيحات الألم والحقد والغضب والعنف والقسوة المجسدة.

عشت مع (سندريلا) الهياج الحقيقي للتاريخ وهو يعود مرة اخرى، وحين صعدت الممثلة الروسية على مدرجات المسرح صرخت: (هنا مات القياصرة والنبلاء والقادة العظام. هنا عاشت هيلين وسط القبلات والعشق الالهي الجميل).

قالت (سندريلا):

  • إن عشاق (استانبول) لا يجدون المتعة الهائلة في الاغراء والمغازلة إلا وهم يعيشون في حالة العشق والاثارة الحقيقية للقبلات والملامسات في الاماكن العالية والخطرة.

قلت لها :

  • لماذا.

قالت:

  • انها تشبه حالة الاهتياج التي يحسها المتزلج على الماء وهو يشهد النهاية الهائلة للموجة الصاعدة والهابطة في منحدر أبيض.

تعرفنا في (استانبول) على الكثير من الشعراء والفنانين والعاشقين مثلنا والمغامرين، وعشنا معهم على القمم الشامخة في (أولوداغ) و(دنزلي)، وتلذذنا طويلا بالصعودات والقفزات والانحدارات. عشنا حكمة (بورصة) التي لا حكمة مثلها في مدينة اخرى.

لاحكمة مثلها تحميها من طغيان التاريخ … وهي تعيش تحت طغيان التاريخ.

(استانبول) مدينة بدأت اللعب بقوانين الكبار مبكرا، مدينة بدأت بالاستسلام للنزوات والاهواء والميول والمضاجعة وهي مراهقة لم تتزوج أحداً، لكنها عاشت كما شاءت، كما أرادت وأشتهت. هذا أنا يا مليكة العشق التي ملكتها أزمتي، وألقيت في مجراها سفينتي وأمنياتي.

هذا أنا يا سيدتي، سيدة السراب والضباب، ومليكة الظروف والوهم. هذا أنا فارسك الذي تضخم في جوفه الحلم، فأوحى له ما أوحى. لقد كان النداء قويا كالهتاف العلوي، وأنا بين الحقيقة والحلم، أعيش كالصوفي الذي يرى ما لا تراه العيون ويسمع ما لا تسمعه الاذان، ويرجو ما لا يرجوه الآخرون.

كالدرويش المجذوب، انا لعوالم أراها ولا أراها، وحقائق أعلمها وأجهلها، وطوائف من الاناث تسحرني فأتبعها ولا ألحقها.

في البدء كان النداء يا سيدتي في صميم الملكوت الالهي المهيب، وفي الناس من سمع النداء، وكنت أنا ممن سمع.

كان هناك من باع واشترى، ومنهم من استاق واشتهى، ثم كان الخسران المبين. كنت اول الخاسرين… كنت اول من سلبت منه بيارق البطولة، لكنني وانا أسعى يا سيدتي تماثلت في نفسي ألوان الحياة، فطعم البيع كطعم الشراء، وطعم الربح كطعم الخسران، وطعم البطولة كطعم الهزيمة.

وأنا أسعى اليك يا سيدتي، لا دموع ولا ابتسامات، لا مراثي ولا اغنيات، سوى ندائك يطن في أذنيّ

وانا لا أرى في مجاهيل الحياة إلا السراب …. سرابك يا سيدتي, يا سيدة الاقمار والمجرات.

حدثني عشقي فقال: (أيها الموصلي المعفر بالتراب والظمأ والاحزان, أخلع نعليك واقترب…).

قلت: (اني قد تركت ملة قوم يقتتلون في وادي السراب, وكنت اصيخ السمع الى نداء مجهول, فخرجت اطلبه بكل عنفوان الفتوة والشباب, لكني قد ضللت الطريق, وطفقت اخوض في لجج السراب.).

جاءني رده مرة اخرى : (على رسلك يا أمير العشق, فمن يجذف نحو الحب في الدنيا انما يجذف في بحر اهلكت امواجه الاولين واللاحقين, والله يخرج من يشاء من الظلمات الى النور. يا أيها الاتي من مكان بعيد, أيها القادم من الغيب. سمعتك تحدثني عن الغفلة, فما الغفلة ؟.).

قلت : (هي ان تكثر النظر في ظهور الاخرين, فتنسى ان لك ظهراً كظهورهم, وان تسرف في الحياة حتى يباغتك الموت.).

يحرضني شوق الكتابة, ان ارفع مرساتي وقلوعي, واعصر قلبي كمثل النبيذ, بين اوجاعي وضلوعي, ثم ابحر مع (سندريلا) ما طابت الرياح, فلعل الرحيل في المنفى سلام, ولربما ترياق العشق يذهب عني الالم.

يحرضني الشوق يا مليكة الحسن الماحق, والجمال  الذي يبقى ولا يذر, ان اغفو مع صفحاتي فوق نهديك وانتظر قافلة العشق والكلمات في رحلتها الابدية بين (البسفور) و (دجلة).

ايتها الانثى الجميلة الصعبة, كم جملة لحنية عبرت؟, كم صورة باكية رسمت؟. كم قصيدة حب سمعت؟. كم دمعة قيسية سقطت؟.

يدفعني الشوق والحنين الى الكتابة, حين يمتزج  الحزن بالحبر، ذلك الحب الذي يروي عطش اوراقي وتتخذ الكلمات عليها شكل السحابة, حيث  يتجاسر الحرف ويغدو أديما للمزامير البعيدة, وشدوٍ للكمانات والربابات النائحة.

آه….لقد مشت على جسدي قوافل الزمن وأنا ما زلت ملقى, لا استطيع حتى الكلام. حدثيني يا فاجعتي ….

يا حورية المضيق التي لم تكن بالحسبان. كيف اكلم الناس عنكِ؟.

كيف يفهم (دجلة), ذلك النهر العظيم الذي يسألني دوماً عن هويتي, كلما جلست عند ضفافه؟.

أتراه يضنني تائهاً, اعرج نحو السماء في رحلة ابدية الاطوار, كالحقيقة وكالحلم, كالموت وكالحياة؟.

في ذلك النهار الصيفي القائظ الملتهب, توجهت الى النهر, بعد ان انقطعت عنه اياماً طوال وحين تطلعت اليه بعد هذه الخيبة الطويلة, اذهلني للوهلة الاولى عمق الانحدار الذي صنعه لنفسه, حيث كنت اقف وقدماي في الماء حتى الركبتين.

كانت زرقته النقية مؤلمة مؤثرة, وهو يندفع كالضوء الحاد نحو الجنوب. احسست للحظة انني لا أملك, انا الهارب من حر المدينة ان اكبح جماح هذا الحنين المفاجئ للأشياء البعيدة في الذاكرة وفي الجسد, والمناسبة الان مع النهر.

لا املك في تلك اللحظة الا ان احاول بما تبقى لي من قوى مهزوزة وطاقات خائرة ان اتساوى مع هذا الحنين الوحشي حاولت.

كان النهر رطباً شديد الحرارة, وكان ثمة احساس عميق بأنني لو خضت فيه الى مسافة ابعد, لو تركته يغمرني بضع ساعات, ربما انال قسطاً من الهدوء.

تخلصت من ملابسي المؤطرة من ناحية الاباط, ودخلته. كان ماؤه اليفا في اللحظة التالية, رغم البرودة التي استشعرتها, ورغم الاصطفاق العنيف لموجاته السريعة بصدري وعلى فخذيّ.

كان جسدي يرتد, وينكمش ويجفل بادئ الامر, لكنه بدأ يستسلم شيئا فشيئاً لهذا الدفق المنعش اللذيذ, ويتآلف مع صخب الموجات السريعة. كانت مياه النهر تبدو عنيفة صاخبة, لكنها بدأت تنساب بتمهل على منحيات جسدي المتعب بهدوء ساحر. في البداية, ايضاً, كنت اقاوم رغبة النهوض ومغادرة الماء, وحين استسلم جسدي لتلك البرودة وتلذذ بها, عدت اقاوم رغبة الاسترخاء التي شدتني اليه طيلة ساعات النهار التي انقضت, رغم ان الحر في الخارج قد بدأ يخف تدريجياً.

حينما خرجت من النهر كان المغرب قد أقترب, وكانت الرطوبة القادمة تواً, اشبه ماتكون بالهمس الرقيق الذي يذكرني بهمسات (سندريلا) الحبيبة. كان كالحلم الذهبي مع هذه البرودة اللذيذة. لا ادري لماذا خطر على بالي ان ابحث عن انسان مثلي قدم الى النهر. انسان تنساب الكآبة على ملامحه كما ينساب النهر في المجرى, وتزدهر الطحالب والفوضى والمجد في اعماقه كازدهار تلك الزرقة الجميلة الشديدة النقاء للنهر. انسان جاست دواخله وشوشة خبيثة للعشق, كما تجوس في اعماقي الان وشوشة (سندريلا) وهذا النهر.

انسان له طريقته الخاصة في مواجهة الحياة, لم يسفح نفسه على جسد انثوي مثلي. رحت اشق طريقي وأنا أبحث عنه في الازقة والدروب والمقاهي التي انزوت في الشوارع الخلفية حيث الظلمة اشد وحيث الشهوة والعشق أعمق, وحيث الغناء يخرج من فوهاتها وفي فواصل ابوابها الموصدة مخنوقاً كصوت الدم الذي ينفر من شرايين الضحية, متدفقاً, ناعماً, متفقاً الى حد بعيد مع تراخي الليل العميق في الخارج.

بعد ساعات مضنية من التطلع في وجوه متنافرة لعشرات الخلق, اهتديت اليه.

كان يجلس في مقدمة المقهى, على مائدة مواربة, يقتعد كرسيا من الخيزران تلامس حوافيه الواطئة جداراً رطباً استقرت في شقوقه العناكب السوداء, كان يتطلع عبر الزجاج الى النهر القريب مددت يدي اليه فلم يتحرك.

جفلت, قلت ربما لم تصله يدي او ربما كان النهر يخترق ذهنه في هذه اللحظة كما حدث لي عند رؤيتي للنهر بعد غيبة طويلة.

تقدمت نحوه, رفع نظره عاليا دون ان يتكلم, ثم خفض عينه مجددا. ابصرت ان عينيه لم تتحرك عندما نظر اليّ, فعرفت انه فقد بصره, لقد كان يشكو ضعفاً في الرؤية منذ زمن بعيد .

قلت:

كيف حدث هذا؟.

تلمس قدح الشاي بأصابعه ورفعه بهدوء الى شفتيه ثم تجرعه دفعة واحدة.

قال:

– لا اعرف, لكني ذات يوم استيقظت لأجد نفسي شيئا مضيئا داخل ظلام عميق لا حدود له.

تكومت على مقعد مجاور اصغي الى شيء ينهار في الاعماق, ويتحول الى دم فائر ودم حار ينسكب بلا توقف. وضع كفه على رأسي وأضاف:

كما ترى فقد انحسرت حياتي في هبوط مستمر, لكني مضيء كما ترى الان, في مكان معتم للغاية. لا تبك, فالرؤية لم تعد مهمة.

قلت:

الا تضيق في هذه العتمة؟.

قال :

لا, بل اضيق بهذا الضوء الخاطف الذي يغمرني دائماً.

نظرت اليه طويلاً فرأيت دموعاً تسيل كالنهر, عميقه تنحدر من شقين معتمين في وجهه, تماما كما ينبجس الماء من الصخور الصلبة, نبعاً صافيا يتقاطر من اعماق مجهولة بعيدة الغور.

نقلت كرسي الخيزران حتى اصبحت مواجها له تماما ورحت اتملى هذا الوجه, ارض خصبة تخمرت الحياة بداخلها ولم تنهض. انطوت تربتها على ثراء مخيف لم تطله يد. كان يعشق النهر مثلي ويؤخذ بهذه الوشوشة التي تأتي منه.

كان يحس في تلك اللحظة انها تأتي من اعماق الماضي. وهو اذ ينصت بذهول, فانما ينساق عنوه مع هذه الوشوشة الساحرة حتى منابعها الازلية عبر هذه الظلمة القاسية المحيطة, وحين يرى في النهاية ان كل شيء يبدأ منه.

قال:

ألا ترى ان كل ما حولنا مظلم وقاس ونحن نضيء بلا توقف؟.

قلت:

هل يسببون لك الاذى ؟.

قال:

لقد اعتدت على هذا بمرور الوقت.

استسلمنا للصمت الاتي من اعماقنا معاً. صمت يتصاعد كما يفعل الدخان الثقيل امام ريح عاتية في آخر الليل خرجنا من المقهى. كان متكئا على كتفي, تدفعنا موجة من الغناء المخنوق المنبعث من جهاز التسجيل والفواصل الصغيرة المستطيلة بين الابواب الموصدة.

خرجنا وحيدين إلا من طعم الظلمة الشاملة, وطعم الدموع المالحة, ووجع الضوء الخاطف في الرأس. أوصلته الى المكان الذي اعتاد النوم فيه وعدت سريعا الى النهر, الى ذلك المكان الذي قضيت فيه النهار كله.

كان الوقت متأخرا جداً, لكني اعرف ان النوم جفاني نهائيا. خضت حتى الركبتين وجلست حيث يغمرني الماء حتى اسفل الثديين. شعت برودة الماء في كل عظامي ومفاصلي. اصغيت لهذه الوشوشة الساحرة الصاعدة من اعماق النهر اصغاءا خاصاً ومؤلما.

كانت تنبعث من بعيد, وتنحدر رويدا رويدا عن ذلك المكان الذي اجلس فيه, بل تتجاوزني الى مكان سري آخر كنحيب ازلي لا ينقطع, كانت هذه الوشوشة الصاخبة قريبة الى نفسي, لكنها مفزعة ومثيرة للخوف, عندما لا تتوقف عند حدٍ معين, وعندما لا تنبعث من مكان بعيد.

لقد أرخيت لبعيري الجرير, وتركته حراً يخب في الخلاء الوسيع, ليحملني الى حيث تقوده الاقدار. أنام حيث يبرك, وارحل وقتما يطيب له الرحيل.

لكن سرابك يا (سندريلا) …. وهم أتعقبه في دروب حياتي الوعرة.

أنت فجر كاذب, وملثم يا حبيبتي صحوت في أوله لأرى وجه الملاك العائد…, فرأيت شبح المأساة. لكنك يا صاحبة العشق الالهي قبلت الرهان الخاسر في البدء, وطفقت اغرس في مرارة بذور الهزيمة والخذلان.

قايضت بك كل ما أملك, فما ربحتك, وما ربحت نفسي, لقد خسرتك يا (ساندي) في اول المغامرة فعدوت ألهث كالمجنون اقدم كل شيء, واتنازل عن كل شيء, ولكنني اخسر… واخسر الى ان اصبحت انا الخسران المبين ولا خسران غيري.

قال لي المضيق:

يا أمير العشق, شهدت انك انت السندباد القديم الجديد, وعهدي بك مولود وفي يدك أيقونة السحر, فهل تقعد ايها السندباد, مجاهيل الحياة تشتهي ان تراك؟. لقد اشتقت لصحبتك ايها العاشق المتيم الضال, فتعال  معي نقيم معاً طقوس الحب والتوبة في صومعة الغفران.

البحر يناديني …. والمراكب التي طال عليها الامر تتوثب لانطلاقة ميمونة في صميم المجهول.

اسمع اصواتا ولهاثا من بعيد, لكنا تتداخل وتشتبك مع بعضها بفعل الصدى.

حي على الرحيل …. حي على الرحيل …

حي على السفر أيها العاشق الغريب, كأن ليس لغربتك نهاية, وليس لترحالك حدود ….

حي على السفر …. ايها الموصلي العاشق المعفر بالتراب والظمأ
والحزن ….

المراكب تناديني …

والبحر يناديني …

وانا ابن السبيل … ايها الملاح الذي  تضحك لمرآه الصواري وترقص من بهجتها القلاع.

الضياع يناديني …

مرافئ العشق البعيدة تناديني

زوابع البحر تناديني

تعال ايها العاشق المتشرد في الآفاق, انت بلا وطن …

عاطفتك قيد لمعصميك …

وقلبك جلادك الأوحد,

الغربة موطنك الابدي,

ومسكنك في الكون احضان (سندريلا) …

هذا هو حنين الالهة الى الارض, حيث تطلى الثمار بالذهب.

لقد قبلت (سندريلا) على جدار الكاتدرائية الفرنسية في شارع (الاستقلال), ثم انحدرنا راكضين نحو (تقسيم) وقرب محلات بيع الورد, شربنا (العيران) وأكلنا وجبة رخيصة على حساب صحفي فرنسي أنيق كان يريد مرافقتنا, ثم رقصنا رقصة (زوربا) على صوت الموسيقى التركية اليونانية حتى سقطنا أنا و (سندريلا) على البلاط, فعطس الصحفي الفرنسي من الرعب وولى الادبار.

أموت شوقاً اليك (سندريلا), واهذي بإسمك محموما على الطرقات, هذا أنا يا مليكة البحار التي تنام تحت امواجها روحي ….

هذا أنا يا صاحبة التراتيل التي ما فتئت تدق أجراسي …..

هذا أنا أمشي اليك خاشعاً كالأحبار والرهبان في عيد العذراء البتول, وكالدراويش وحملة الدفوف في مولد المصطفى الحبيب.

أحمل على ظهري تابوتي واكفاني, اشق الهول, وأطلبك قبرا لأضلعي في الضريح الكبير.

أواه …. يا وجه الملاك, يا موقد النار والشهوة.

يا هزيم الرعد البعيد… يا جسر الضوء وسراط البرق والحب. يا رعشة الذبيح, ويا سيدة العشق والنور.

أنا ابن السبيل, وابن الشهور, أسعى اليك فزعاً مع الرياح التي يتنفسها السديم.

أتيتك مجبولاً من سكينة الكتابة, وكتابة السكينة وحشرجة الحرف الشهيد, تحت سنابك الليل, وصهيل الدماء التي أضرمها العشق.

سيقتلني هذا النزف يا (سندريلا), وسأموت مسحوبا على وجهك الذي ملأ الارض عيونا وضفائر وعانق السماء بنحر الصلاة.

سوف يخرج من هامتي طائر طليق, يصيح في حرقة الظمأ للعشق والثأر …. أسقوني شربة من أصل الحياة  وأصل الفناء.

الليل في مدينتي, ليس في الكائنات له شبيه ولا مثيل، لكني وانا العاشق المهزوم خرجت اليه تحت وابل العتمة والندى, وهامتي مضرجة بدماء شفتيك.

الليل هنا يفرخ آلاف الطيور التي تصيح ولن تعود الى هامتي المتعبة حتى
ترتوي ….. لن تعود حتى يبلغ سيل الدماء الزبى.

مظلمة هي النفس، ومظلم هذا الحديث.

أي الاناث أنت, قلبي سحرته قرمزية الشفق وألوان المغيب المشرقة في شفتيك, فمضى حالماً ومبهوراً يطلب آفاق الارجوان.

ذلك هو قلبي أنا يا مليكة القلوب الحالمة, قلبي الذي أضر به عقم السنين ويباس البحر و المضيق, فترجل عن افراسه مكسورا يلهث من فقر الحياة ويتعقب السراب دارا اثر دار.

عفرته البوادي, ودفنته الرمال. فمشى على كل الدروب القاحلة, ونام على كل الارصفة, فأي  انثى أنت لكي ادعوك آخر اليل وآخر الهذيان وآخر الحلم؟. هدهديني كي انام هذه الليلة, فأنا في شعاب هذا الليل اتوهج شوقاً إليك, إلى امرأة كاملة العطش والانوثة.

لله ما أوسع هذا الليل …. اتحفظين موشحا لشاعر أدركه الليل على ظهر دابته وهي تخب نحو ديار الحبيب.

لقد ضاع في مثل هذه العتمة شاعر صعلوك يقرض الشعر ولا تجد الفئران في بيته ما تقرضه, فتصوفت هي الاخرى وراحت في حبك الظلام تقرض الشعر
في اليل ….

كل ليل, ينهض بداخلي احساس بأنني موجود على قيد الحياة, على ذمة البقية من الايام.

احساس مغر ولكنه مر له طعم العلقم يعود إليّ من جديد, الى تلك النهارات البائسة, ليضاعف الهم الذي يسكنني, وليترسب في اعماق القلب. في الليل, كل ليل يجيء هذا الاحساس الذي لا رحمة فيه فيجعلني استيقظ يقظة مروعة وأقف على قدميّ, تماماً عندما يهرع الاخرون الى نومهم الرائع, الاخرون السعداء بهذا النوم الرائع.

في الليل ….

كل ليل, وكما تستسلم الأمة لسيدها, أو الجارية لمالكها, استسلم أنا لذلك النهر العاتي الذي يخترقني, أو يقسمني الى نصفين ثم يقلعني من الجذور, وانا الذي لا جذور له من دون خلق الله, ويلقي بي بعيدا عن هذا العالم, العالم الذي خطفته من كفي (سندريلا) غفلة, وأنا استرخي في هدأة نومي الرائع. ليس بيني وبينها ما يعيب.

أسرارنا كلها معلنة, من البحر الى المضيق.

اكثر ما أخشاه الان منها, هو ان يكون عشقي لها, ليس سوى وهم كبير, وسراب مخادع. لعلها لا تفكر  بالعودة, وهذا هاجس, آخر, مرعب يؤرقني.  يقينا انها لا تفكر بالعودة.

هل هي نبوءة ؟.

أنا أدري انني لا أتمنى ذلك, فهل تسمح أيها العشق الحبيب؟.

هل تسمح بان أنبئك بأنني وحيد, وحدة تكاد تمزق فيّ حتى الذكرى, وتعرف ان احتياجي لها دائمي وخالد. انني احتاج اليها الان اكثر من اي وقت مضى, وتعرف هي ان هذا الزمن اللعين يبطيء كثيرا, وتتراخى خطواته حتى أحس وقعها بدمي.

أنت تعرف ماذا تعني هي عندي؟.

ليست مجرد انثى أشتهيها واضمها الى صدري في الليالي الطويلة, وليست مجرد ملاك يحاورني في الحياة والموت. ليست مجرد حبيب يصد عن قلبي وحشة الليل و مرارة الوحدة ولا مجرد زوجة تقاتل من حولي زحف الظلام والبرد.

هي كل اولئك جميعا ….

هي الحياة كلها اجتمعت فيها.

أيها العشق الحبيب, أنا أحس بوجودها من خلالك, عبر كل ما تمثله لي.

اتلمس طريقي, لقد مرت ايام وشهور على سفرها لست ادري كيف استطعت السكوت, وهي تنأى عني, لقد لجمني هول البعد, واحيانا تكون الكوارث لجاما للمرء, فلا يستطيع ان يدير لسانه في فمه,  وهذا ما حصل.

لقد اضعت من أمامي الفرصة في ان افعل اشياء كثيرة تعطيها اليقين على استحالة استمرار حياتها بدوني, لكني استسلمت للدموع وتركتها ترحل كما تشاء. كنت استطيع السفر معها, ألم تكن رجليّ على هذه الارض؟.

(سندريلا) التي اكتشفت انا بقدراتي العجائبية جمال اصابعها وطول عنقها وحلاوة ابتسامتها وبحة صوتها ورشاقة خطوها, ورجفة شفتيها حينما تداهمها الرغبة المفاجئة, أنا السندباد الموصلي الوحيد الذي اكتشف فيها كل تضاريس الجسد الصقيلة, وغياهب مساماته القطنية.

موجة شاردة في فضاء مديد لا نهاية له, هكذا رأيت قلبي يتخبط في بركة من هذياني, من هذا الدهليز الداكن الذي صنعته بنفسي وتاهت خطواتي في  قنواته وشعابه المظلمة.

لم أعد  ذلك السلطان الدنيوي الذي عاش اجمل ايامه في بحور (استانبول) وسفوحها الغنية بالقلائد والانفلات, وفطائر الصباح الشهية التي علمتني الزواج وانا الذي لم اتزوج بعد.

اين اختفت هذه الجنية الرطبة اللعوب؟., هل أخذتها المناطيد الى (فينكس) ام سرقها مني (زيوس)  قبيل الرحيل؟.

لا افهم سر هذا الندم الفاجع, الذي تسلل كما السكاكين الى لحمي.

أنا الذي كنت اريد أن أفارقها, وانقذ نفسي من شباكها, فماذا دهاني وقد فارقتني (سندريلا)؟. أتحسس القميص الذي كان هديتها لي في (آق سراي).

 لقد أصبح الان قنديلا يضيء بقايا دموع ترفض ان تتنزل أمام أنيني.

أشعر بالحمى ولا عقاقير معي سوى الامنيات.

(اذا كنت تحبني فعلا, سأعرف ذلك قبل أن تكتشفه أنت).

يا لتلك القشعريرة التي مرت على جسدي.

في (تقسيم) يضحك عراف غجري من كلماتي حتى يصيبه صرع كاذب ورجفة مصطنعة, ثم يخلط ما بين هامة مخيفة, ونداء محموم، يبيع الكلام بالعملة الصعبة, ثم يقول :

أنت لا تنتظرها هي التي تنتظر باخرة في الميناء ستأخذها اليك ذات يوم, وقبل ان تحين صلاة النوم في الليلة الاخيرة من الشهر الجاري.

– ستكون لك, الحماقة لا تنفع مع حب كهذا, كن بشوشاً معها, فقد تركت اهلها من اجل عينيك, الصواب, الصواب ان تصبح انت بلسمها كما كانت هي ذات يوم.

– ادري انك خارج من حرب كبرى وما عليك سوى ان تداوي القروح والجروح, انصحك ما دمت هنا او مضيت الى مكان أبعد, لا تبحث عنها, هي التي ستأتي اليك .

لم افهم معنى قوله قبل ان يتركني اتخبط وحدي في افكاره السوداء

لم يأخذ مني العراف الغجري شيئاً.

كان قد أختفى وذاب, كما يذوب الملح في الماء.

لقد عافني تحت سقف من الهذيان يتراكم حولي ذباب لزج, ولا ذباب هناك.

اكرر مع نفسي ببطء ممتع :

(باخرة في الميناء تأخذها اليك؟, لا تبحث عنها؟, هي التي ستأتي اليك؟. لا تترك في وعاء الزبدة سوى الزبدة؟, حشود الديدان اكبر مما تظن؟.).

يقشعر جلدي, وانا افكر في طريق العودة أية علة احسها الان في ضربات قلبي؟. كيف اصدق انني اعود و(سندريلا) غائبة لا تعرف ما جرى ولا أعرف عنها أي شيء؟.

كيف سأمشي في (بايزيد) و (أميننو) و (السلطان أحمد) وكيف اجلس قرب اشجار (جيهان كير) و (طوب قابي) وانا لا ادري ما مصير هذه الانثى التي طفحت بنكران الذات, وصارت تسهر الليالي على جروحي وحطام ضلوعي و عاهة عظمي الذي ما استوى إلا بين يديها؟, ولا فائدة.

(سندريلا), يا طعم صباي ….

يا رائحة الشوكولاتة وسحر الليل.

يا سيجارة احزاني.

اين تنامين الليلة؟.

يا طعم الزعتر والاناناس.

يناديك الصبح.

فليستيقظ هذا العالم.

حتى يشهد نوع بكائي ….

أنظر الى (استانبول) , مرهم عزائي, وصبوة هفواتي التي شبت عليها, وصارت طوق نجاتي وكواكبي التي تسعفني في امتداد صحرائي و متاهتي , أطيل النظر إلى واحة الارجوان في (بولو), أبحث في آخر لحظة  من زمانها, عن امرأة غادرتني صوب البحر بلا زورق وبلا عتاب.

يرتعش جلدي ومساماتي وأنا أقعد ساهما عند جرف النهر. أتذكر قول العراف الغجري. كيف ارى (سندريلا) وانا الذي مشيت وتركت البلاد, ولم اعثر ابدا على جواب.

أفز على موج صاخب جميل, أقنع نفسي بما لا يمكن اقناعي به. فواح هذا العشب. ابدأ بداء لا دواء له. قتلت في روحي وعقلي كل ما أملك من ردود فعل صحيحة. أقترب من الجنون, رحت أبكي بين السماء والماء, لا أحد يدري بي, وليس من أحد يفهم لوعتي. هبطت على رأسي أصنام الماضي وذكرياته الطريفة.

أنا السندباد الموصلي المغامر.

أنا الابلق الناصع بين اسراب النوارس.

يوم التقى المضيق بالبحر, وتدفق الماء على الماء, غابت جزر بأكملها تحت اللجة, وتوارت سواحل اليابسة البعيدة وابتلعتها الهاوية التي ليس لها قرار.

أيها النهر العتيد, الصراع بينك واليابسة لا ينتهي.

يوما غلبت اليابسة الماء , مشى التراب مزهواً بخلقه وكائناته, يلاحق في كل مكان.

عندما أيقن الماء بهزيمته أمام التراب, فر من وجهه مذعوراً وتوارى بحزنه في الركن القصي من الكون, لكن التراب جبار عنيد, أخذته نشوة النصر وسكرة الفوز المفاجئة, فلم يكتف بردم جوانب النهر وطمرها تحت اثقال كائناته الاليفة والمتوحشة, بل طفق بعتو وغلظة يتربص بالنهر المهزوم في كل مكان يلوح في وجهه بالرعب والموت ويدوس بأرجله  المسمومة باطنه الحزين ….

أنا اعرف انني قاتلت قتالا مجيدا الى حد أن جسدي ظل يحرقني لبضعة أيام, وحيث كانت أظفار (سندريلا) تنغرز في اماكن عديدة منه, ولكني اعترف الان انها لم تقل غير الحقيقية, اعتماداً على خصب التجربة والذاكرة, وعلى رسوخ اليقين العجيب بأنها الفيء الآمن والمتكأ الوحيد الذي أطمئن معه ولا بد ان اتوجه اليه دوما. لا شيء يشغلني عنها عندما تشتط بي الآلام, لا شيء يردني عنها اذا استبدت بي وساوس العودة.  لقد رأف بي النهر, ومنحني تلك الدهشة من عمق انحداره حيث كنت أقف, واسرتني زرقته المتفجرة بالمكابرة العذبة وهو ينساب مثل الضوء نحو الجنوب, أو حتى يخترق زرقة البحر فيعود الفصل بينهما مستحيلا.

لقد عدت اليه, اليوم, ثانية, بعد أن انقضت أيام وشهور.

عدت اليه, وبي وجل يطوح بي وعشق خرافي يعصف بي بين لحظة ولحظة, ثم يحضر في نهاية كل سنة لهذا النهر العنيد المتصابي, الفتي أبداً. عدت اليه وانا مثقل باليقين القاطع, ان موجاته العنيفة هذه, وحركته المراوغة, والتي هي السحر بعينه, تصل به الى آخر المسافات البعيدة, المصبات البعيدة, وكأنه قد بدا من جديد. هذا النهر لا يشيخ ابدا,  ولا تفتر حركته قطعاً ولن تهدأ.

هو, هو, يبدأ من آخر الدنيا كما يخيل اليّ, من قطرة, ثم قطرة, ومن نبع بعيد, ثم نبع, حتى يختلط النبع بالنبع, والقطرة بالقطرة, ويصبح كل  شيء كما هو لآخر الدنيا, حتى يضيع في البحر. هذا النهر كالحياة, يتجدد على الدوام ناشدا السلام للارض التي ينطلق على متنها… ها انا أخوض حتى الركبتين في مائه وحتى العنق.

اغتسل من ظلام أربعين سنة خلت, أستعير منه ألقه الزاهي, واتآلف معه ألفة حقيقية فنتحد معاً في هذه اللحظات المقدسة, الخاصة, التي تقف خارج التاريخ, خارج وقوع خطى الليالي الثقيلة والنهارات اليائسة, وخارج دموع التاريخ التي  تهمي على رمل الضفاف بصمت.

متى كان البكاء مجدياً؟.

ومتى كان الغناء مجديا؟.

ومتى كان الغضب مجدياً؟.

متى, متى تترجل الانهر عن ظهر الارض, وتندفع الى فوق, حيث المسافة الواسعة بينها وبين السماء؟.

متى تتخلى البحار عن ملحها, فتكون مهمة اختراق مياهها اكثر يسرا للنهر.

أنا الان في حضرة النهر, والنهر وحده يمنح معنى لوجودي. لا أحد يسمعني, أنا الذي تختلط بدمي كل الاصوات, لن يسمعني احد, مهما كان صوتي فاجعا, ولن أجد, بالتأكيد من يسمعني إلا هو وحده.

النهر ….

هو وحده القادر على حمل هذا الوجد والترفق بهذه الشكوى, والتصبر على هذا الانين, حتى يبلغ بها اقاصي الدنيا.

لا أحد يفعل هذا غير النهر.

قلت هذا من زمان, ثم لما ضاعت صرختي في وهاد سحيقة اختفيت خلف حاجز من الجروح التي ما هدأ نزفها طوال اربعين عاما, تداخلت فيها الليالي والنهارات, حتى اعيتني الحيلة, وهجرني الصبر, وتجرعت مرارة الموت البطيء

أربعون عاماً وأنا أغذ السير خلف وهم خاطف, مر بي وغادرني الى الأبد, خلف دبيب العشق المستعر الذي هو الموت بعينه, دون ان يطرف لي جفن, دون ان يلوح ولو من بعيد بصيص من الضوء.

ها هو النهر يعيد بجبروته لي نفسي, متماسكاً, قوياً, متطهرا بمياهه, مغتسلاً برزقته القاتلة.

هكذا اعود وحيداً الى بدايتي التي انطلقت منها, وابرك عند ضفاف العشق, نهر مدينتي, ألوك بقايا صبار الحب مثل أي جمل هرم, نحره العشق واعيته الأمنيات.

ألتقط حصاة وارميها في لجة النهر, حصاة تعقبها حصاة .

أكوم عشقي وتجليات انثاي الجميلة. أحرق هذا العشق, لكن نهر مدينتي يحترق بكومة عشقي العتيد ….

أعود الى (قره سراي, وباشطابيا وباب الشط والشهوان وشط الجومة وباب القلعة والجرادغ والجسر العتيق) (*), أصبح, او لا أُصبح, أكون، أو لا أكون, ذلك رجع  بعيد …….

فلا شيء يجعلني عظيماً,

سوى ألم عظيم,

فتلك أضحية العشق …. لا محال, وأنا العاشق الذبيح …

أحبك يا (دجلة الخير)، وأنت يا (وطني) الحبيب ….

لا ترحل  أيها  الليل  ,,,  لم  أكتب  قصيدتها  بعد  ,,  سأغلق

كل  نوافذي  ,  وأترك  واحدة  , ربما  تدخل  بعد  إنطفاء  القمر  ,

 حينئذ سأجمع  أزرارها  المتناثرة  وأصنع  منها  ثوباً  جديداً  ,  وأتقن

 مهنة  السحر لأختفي  فيها  الى  الأبد  ……..

إبراهيم سليمان نادر

•  الموصل / محافظة نينوى / جمهورية العراق

 ص. ب: 151 الموصل / العراق

موبايل : 9647701606057+

صفحتي على الفيس بووك (إبراهيم النعيمي )

Email: alnadir505152 @yahoo.com

•        عضو الأتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق.

•        عضو اتحاد الكُتّاب العرب .

•        عضو الجمعية العراقية للتصوير الفوتغرافي.

•        عضو شرف دار ( ناجي نعمان) للثقافة / بيروت / لبنان/2012

•        نال درع ( محافظ نينوى) للأبداع في القصة والرواية وفن الفوتوغراف لعام 2012.

•        نشرت قصصه ومقالاته في أغلب الصحف العراقية والعربية وفازت قصته (أصداء الوجه الآخر) بالجائزة الثالثة لأدب الحرب في مجلة حراس الوطن عام 1988.

•        فاز بالمركز الثالث بمسابقة (نجلاء محمود محرم) الدورة السادسة / 2006 / القاهرة / جمهورية مصر العربية.

•        فاز بالجائزة الثانية لمسابقة (أسرة أدباء المستقبل) عمان / الأردن / 2008

•        نال ميدالية الأبداع بفوزه بالجائزة الثانية لمسابقة (صلاح هلال) للقصة القصيرة لعام (2010) القاهرة / جمهورية مصر العربية.

•        فاز بجائزة الأبداع في مسابقة (ناجي نعمان) العالمية / بيروت / لبنان / 2012

•        فاز بجائزة مركز (عماد قطري) للأبداع العربي الروائي / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2012

•        فاز بالجائزة الأولى في مسابقة (ناجي الساعاتي) لأدب الرحلات / الدورة الرابعة / بغداد          / 2013

صدرت له المؤلفات الآتية:

1.(في الغسق عادت عروس البحر) مجموعة مشتركة عن دار الشؤون الثقافية / بغداد / 1988.

2.      (قصص تحت لهيب النار) الجزء العاشر / مجموعة مشتركة عن دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد / 1990.

3.      (عيسى برواري الفنان والأنسان) عن دار الثقافة والنشر / بغداد / 1993.

4.      (الكلب هذا الكائن العجيب) عن دار الثقافة للطباعة والنشر / الدوحة / قطر /1998 

5.      (قصص من نينوى) مجموعة قصص مشتركة / الجزء الأول / 1999 – الجزء الثاني / 2000 – الجزء           الثالث / 2001 ـ الجزء الرابع 2002 – الجزء الخامس 2003.

6.      (أمير الطيور) عن دار الثقافة للطباعة والنشر / الدوحة / قطر / 2001.

7.      (عودة الرجل السابع) مجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة / بغداد / 2002.

8.      (الطحالب) مجموعة قصصية عن اتحاد الكتاب العرب / دمشق / سورية / 2004.

9.      (مرافئ ضالة) مجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية / وزارة الثقافة / بغداد / 2005.

10.    (مبلل بالحزن) مجموعة قصصية عن دار السوسن / دمشق / سورية / 2006 .

11.    (بسمة لكل الفصول) مجموعة قصصية عن المديرية العامة لتربية نينوى /2010.

12.    ( طليق أنا مثل وجه الحمام) رواية عن الدار للنشر / القاهرة / جمهورية مصر العربية /2013.

13.    ( عطش الحمائم ) رواية عن الدار للنشر / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2013.

14.    ( خلف ناصية الشفاه ) عن الدار للنشر / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2014

2015 .

15 .   (هذا اليّم من أنسجتي ) رواية عن دار كنوز / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2015.

16. ( لتكن قامتك السماء ) رواية عن دار كنوز / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2015.

17. (سندريلا بلون الشقائق) رواية عن دار كنوز / القاهرة / جمهورية مصر العربية / 2015.

18. (نصف نافذة تكفي ) مجموعة قصصية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016

19. ( مسحوق الكلب ) مجموعة قصصية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016.

20. ( ثمة ناي يغني ) نصوص نثرية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016

21. ( نهر الأباطرة ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن /  2016

22. (هند إبنة المطر ) نصوص عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016

23. ( أغلق نافذتي ) رواية عن دار فضاءات / عمان / الأردن / 2016 

 


(*) فينوس: آلهة الحب عند الرومان.

(*) باخوس: إله الخمر والمسرح عند الاغريق.

(*) (جلجامش وصديقة أنكيدو) : أبطال الملحمة الاشورية العظيمة, وعشبة الخلود.

(*) (أبولو) : إله الشمس عند الأغريق.

(*) (ديانا): ألهة القمر عند الاغريق .

(*)(تقسيم): ميدان مشهور يقع في وسط استانبول .

(*) (أميننو): مرفأ في استانبول مكتظ بالمراكب يقصده السياح للقيام بجولة حرة في مضيق البسفور .

(*) (ترابزون): مدينة ساحلية جميلة , في أقصى الشمال التركي تقع على ضفاف البحر الاسود.

(*) (آق سراي): ميدان عام وسط استانبول

(*) (كيوبيد): اله الحب عند اليونان

(*) (زيوس): كبير الالهة عند الاغريق والرومان في الحضارة اليونانية

(*) أماكن واحياء في (استنبول).

(*)(بلوڤدف): أول محطة بلغارية على الحدود التركية يتوقف فيها القطار القادم من إستامبول

(*) جسر غلاظة: جسر مشهور في استانبول يقع على القرن الذهبي تحته مقاهي ومطاعم يقصده السياح كثيراً

(*) (ديوميسوس):  إله الخصب والنبيذ عند اليونان

(*) (ابراهيم تاتليس): مطرب وفنان تركي مشهور.

(*) (افروديت): الهة الحب والعشق عند الرومان.

(*) (ايروس): اله الحب عند الرومان.

(*) (فلورا): الهة الزهور عند الرومان.

(*) الحمام الصابوني: تشتهر مدينة (الموصل) بالذات بتربية هذا النوع من الحمام لجمالية لونه الناصع البياض وجناحيه المخططين بالسواد

(*) عمي يا بياع الورد: أغنية شعبية عراقية للفان المرحوم (حضيري ابو عزيز)

(*) (نبتون): اله البحار عند الرومان.

(*) (اورورا): اله الفجر عند الرومان.

(*) (اسكليوس): اله الشفاء عند الرومان.

(*) (فولكن): اله النار عند الرومان.

(*) (منيرفا): آلهة الحكمة عند الرومان.

 

(*) (إيروس): اله الحب عند الرومان.

(*)(سيلين): آلهة القمر عند الرومان

(*) (اولوداغ): جبل عال يطل على مدينة (بورصة) في تركيا ذو جمالية رائعة, يصعد السياح اليه بالحافلات او (التلفريك).

(*) (جونو) ملكة الالهة وآلهة السماء عند الرومان.

(*) (أطلس): عملاق الالهة الاغريقية, لم يطع ملك الالهة (زيوس) فعاقبه بأن يحمل الكرة الارضية على ظهره مدى الحياة.

(*) (دائرة امور عسكرية): بناء تراثي وسط استانبول في منطقة (لاللي) كان سابقا وزارة الدفاع لسلاطين (بنو عثمان).

(*) (مارس): اله الحرب عند الرومان.

(*) (عشتار): آلهة الخصب والجمال عند الفينيقيين.

(*) (الديرم): قشرة الجوز تطبقها المرأة التركية على شفتيها فترة من الزمن فتصبح الشفاه مخضبة بلون الدم.

(*) (سيفيسيوس): اله الانهار عند اليونان.

(*) (باش طابيا وقره سراي): اثار قديمة على ضفاف نهر دجلة في نينوى تعودان الى زمن الملك لولو.

(*) (الصابوني والودعي والزاجل وحتى القلاشات والقلاب): انواع من الحمائم تشتهر بتربيتها مدينة الموصل.

(*) (يحيى ابو قاسم): مقام جليل لأحد الأئمة يطل على نهر دجلة.

(*) (بوابة حمام القلعة): احدى بوابات سور الموصل القديمة.

(*) (عين كبريت): عين معدنية على ضفة النهر يقصدها الناس للشفاء من الامراض الجلدية.

(*) (الجندرمة): رجال الشرطة الاتراك الذين يحمون الوالي العثماني.

(*) الفلوت : آلة موسيقية  تشبه  الناي

(*) قرة سراي، باشطابيا، باب الشط، الشهوان، شط الجومة، باب القلعة، الجسر العتيق. احياء موصلية تراثية تقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة.

الجرادغ: جمع جرداغ، عريشة من جريد النخل تنصب على ضفاف نهر دجلة للسباحة اثناء فصل الصيف.

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading