نينوى تهمل أبناءها من المبدعين – اكرم توفيق

ليست مأساة نينوى في أنها تفتقر إلى الطاقات والكفاءات فهذه المحافظة بما تختزنه من تاريخ عريق وإرث حضاري وثقافي وإنساني ما زالت تنجب في كل مرحلة من مراحلها رجالا ونساء تركوا بصماتهم في مجالات شتى وأثبتوا أن الإبداع لا ينقطع حتى في أصعب الظروف.
لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين تُهمَل هذه الطاقات بعد أن تبذل سنوات عمرها في خدمة نينوى وأهلها وحين يصبح العطاء ذاكرة منسية والخبرة عبئا لا يجد من يستثمره والإبداع طريقا لا يقود إلى فرصة أو تقدير.
خلال السنوات الماضية تابعت عن قرب نماذج عديدة من أبناء نينوى الذين عملوا في المجالين الحكومي والأهلي وبذلوا جهدا استثنائيا في مواقع مختلفة وأسهموا في تطوير مؤسساتهم وخدمة مجتمعهم وقدموا أفكارا ومشاريع ومبادرات تستحق أن تُحفظ في ذاكرة المحافظة. بعضهم كان في مواقع المسؤولية وبعضهم كان جنديا مجهولا خلف الكواليس لكن القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم أعطوا أكثر مما أخذوا.
والمؤسف أن كثيرا من هؤلاء بعد سنوات الخدمة والعطاء وجدوا أنفسهم خارج دائرة الاهتمام. لا تكريم يليق بما قدموه ولا استثمار حقيقي لخبراتهم ولا حتى التفاتة تقول لهم إن ما أنجزوه لم يذهب سدى.
والأنكى من ذلك أن تجد مبدعا أمضى سنوات في مجال تخصصه أو صاحب خبرة راكمها عبر عقود مضطرا اليوم إلى العمل في مهنة لا تمت بصلة إلى اهتمامه أو اختصاصه أو موهبته فقط لأنه يبحث عن مورد يوفر له ولعائلته حياة كريمة.
حين يُجبر المبدع على مغادرة مجاله من أجل لقمة العيش فإن الخسارة لا تقع عليه وحده بل تقع على المجتمع كله.
فنحن لا نخسر شخصا فحسب وإنما نخسر سنوات من الخبرة ومخزونا من المعرفة وقدرة على الابتكار وتجربة كان يمكن أن تنتقل إلى جيل جديد.
إن رعاية المبدعين ليست منّة من أحد وليست امتيازا يُمنح لمن يملك العلاقات أو القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار. إنها مسؤولية مؤسساتية وأخلاقية تجاه من خدموا مجتمعهم خصوصا في محافظة عرفت عبر تاريخها الطويل بأنها بيئة للعلم والأدب والفن والفكر والإبداع.
ولا ينبغي أن يكون معيار الاهتمام بالمبدع هو قربه من المسؤول أو حضوره في المناسبات أو قدرته على تقديم نفسه إعلاميا. فهناك مبدعون يعملون بصمت وهناك كفاءات لا تجيد طرق الأبواب وهناك أسماء صنعت إنجازاتها بعيدا عن الأضواء.
نينوى بحاجة إلى أن تبحث عن أبنائها لا أن تنتظر أبناءها ليبحثوا عنها.
بحاجة إلى قاعدة بيانات حقيقية لكفاءاتها ومبدعيها في مختلف الاختصاصات وإلى مؤسسات تستثمر هذه الطاقات وإلى برامج واضحة لدعم الأدباء والفنانين والإعلاميين والباحثين وأصحاب المشاريع والمبادرات وإلى إعادة الاعتبار لمن خدموا المحافظة سنوات طويلة ثم وجدوا أنفسهم على هامش المشهد.
كما أن تكريم المبدع لا ينبغي أن يأتي بعد رحيله فقط. فكم من اسم نكتشف قيمته بعد أن يغيب؟ وكم من مبدع نكتب عنه كلمات الرثاء بعد وفاته بينما كان يحتاج في حياته إلى فرصة أو كلمة تقدير أو مشروع أو مساحة يعمل فيها؟
لقد عانت نينوى كثيرا من الحروب والإرهاب والدمار والنزوح وهي اليوم أحوج ما تكون إلى رأس مالها الحقيقي الإنسان.
والإنسان المبدع هو الثروة التي لا يجوز التفريط بها.
لذلك فإن قضية إهمال أبناء نينوى من المبدعين ليست قضية أفراد ولا شكوى شخصية لهذا أو ذاك وإنما هي قضية عامة تستحق أن تُطرح بوضوح أمام المؤسسات الحكومية والمحلية والثقافية والمجتمعية.
فالمحافظة التي تهمل مبدعيها تهدر جزءا من مستقبلها والمحافظة التي تحتضن أبناءها المبدعين تضع أساسا حقيقيا لنهوضها.
ولعل الوقت قد حان لأن نسأل بجدية
أين مبدعو نينوى؟
أين أصحاب الخبرات الذين أفنوا سنواتهم في خدمتها؟
أين الذين حملوا اسمها في ميادين الثقافة والإعلام والعلم والفن والإدارة؟
ومن المسؤول عن إعادة هؤلاء إلى دائرة الفعل بدل أن يبقوا مجرد أسماء في ذاكرة الماضي؟
إن إنصاف المبدع لا يعني منحه جائزة أو شهادة تقديرية وحسب بل يعني أن يجد مكانه الطبيعي في مجتمعه وأن تُستثمر خبرته وأن تُصان كرامته وأن يُمنح فرصة ليواصل العطاء.
هذه ليست رفاهية ثقافية.
إنها واحدة من ضرورات نهوض نينوى..



