بقايا إيصال رسمي/محمود حمدون

بجوار “سنترال الحرية”، من جهته المتصلة ببدايات شارع خالد باشا؛ في بقعة تظللها شجيرة نابتة وحدها، هناك يقف “سرور محمد بديوي”، شيخ من هيئته، تبدو ملابسه شبه مهندمة، نظرته ثابتة إلى حد ما، لكن إن اقتربت منه تجد رعشة في رموشه، اضطراب في نظراته، أمامه ترابيزة صغيرة دائرية من البلاستيك، مرصوص عليها بعض من أمتعته الشخصية..
ساعة قديمة سويسرية،
قلم رصاص جديد وآخر مستعمل إلى نصفه،
حزمة من الأقلام الجافة، قد جف حبرها السائل من سنوات،
شمسية خضراء لا تصلح للاستعمال،
محفظة جلدية سوداء – جوارها بطاقة ورقية مكتوب فيها أنها أول محفظة جيب اشتراها وهو على أعتاب الثانوية؛ ظلت معه فترة حتى بليت –
يقول سرور لمن يسأله عن أشيائه هذه، ولمن ينظر إليه من باب الفضول أو دون قصد:
– قد يظن البعض أني أبيع متعلقاتي هذه، لعجز أصاب دخلي الماديّ. ثم يزفر بشدة، يفكر نصف دقيقة، يُكمل:
– الحق أنني أفعل هذا فعلًا بسبب الفقر. إجابته تثير دهشة المتلقي؛ إذ يتوقع السامع ردًّا مختلفًا.
يا “عم سرور”، أنت هكذا تشغل الطريق، لو مرّت بك شرطة المرافق لن يتعاطفوا معك؛ بل سيبعثرون بضاعتك هذه…
هكذا نبّه عليه عسكري المرور الواقف في التقاطع، لكن “سرور” كعادته لا يأبه بشيء، كما لم تمر أبدًا طالما هو قائم في المكان عربة شرطة المرافق..
ساعة يد جميلة، علبتها موجودة؟
للبيع بجد؟
حسنًا، بكم تبيعها؟
مممم، على العموم لن نختلف على الثمن، ثم يتحسس الزبون السوار الجلدي للساعة، يتفحّص تفاصيلها المعدنية، يربّت عليها ويقول: تمام، سوف أشتريها منك عند عودتي، رجاء لا تتصرف فيها بالبيع لأحد، ثم يمضي لحال سبيله دون أن يترك عربونًا…
ذلك حوار تقليدي رتيب، يتكرر على مدار الساعة طالما “سرور” مع طاولته البلاستيكية. حينما تقترب الزبائن، يتطلعون في فضول، يقلّبون في الأصناف، يسألون عن السعر، إجابة سرور:
– اللي تشوفه… اللي تدفعه
ثمة اتفاق شفاهي يتم –كل مرة–، بين البائع والمشتري، ثم يغادر الزبون على أمل العودة وإتمام الصفقة.
ها هي:
الساعة السويسرية العتيقة الأنيقة تطل من علبتها على المارة في زهو يليق بها.
ملقى بجوارها:
حزمة من أقلام جافة ملوّنة فقدت صلاحيتها.
قلم رصاص جديد أزرق.
نصف قلم رصاص سنّه أشبه بسهم مُشرع في الهواء.
شمسية قديمة مهترئة.
محفظة جلدية، يلتصق في جدارها الداخلي بقايا إيصال رسمي أو فاتورة ما.
خلف كل ذلك يقف، “سرور” في شموخ بقامته التي تصدّعت بفعل الزمن، يرقب المارة في حبور.
يراقبه الجميع في توجس،
يتوعده عسكري المرور في تحفّز.
لم تأتِ سيارة شرطة المرافق بعد.
بينما الشجيرة النابتة وحدها على جانب الطريق، تتمايل قليلًا بتأثير نسمة هواء باردة ضلّت طريقها إلى صحراء قاحلة.




