لقاء تاريخي متخّيل بين الباشا نوري السعيد والرئيس جمال عبد الناصر/ أ.د. سيّار الجميل

العراق الملكي والجمهورية المصرية أمام محكمة التاريخ
في ليلة القبض على الزمن الضائع
1- الأطياف : زعيمان يلتقيان من جديد
حين استيقظ نوري السعيد وجمال عبد الناصر هذه الليلة 23 يوليو في زمن ضائع ، وجدا نفسيهما يتحاوران في ذكرى ضياع التاريخ .. حوار لا يدّعي نقل كلمات الزعيمين، وإنما يستلهم أفكارهما ومواقفهما المعروفة، ويضعها أمام محكمة التاريخ والمستقبل بعد أكثر من نصف قرن على رحيلهما.. لم يكن المكان يشبه قاعةً في قصر عابدين بالقاهرة ، ولا القصر الأبيض في بغداد. كان فضاءً خارج الزمن، كأن التاريخ نفسه اختار أن يبني قاعةً لا تخضع لحدود الجغرافيا ولا لتقاويم البشر. تتوسطها منضدة من خشب الجوز العتيق، وعلى جانبيها علمان يفصل بينهما أكثر مما يجمعهما: علم المملكة العراقية يرفرف بهدوء خلف رجل جاوز السبعين من عمره لقبه الباشا ، تبدو على وجهه تجاعيد نصف قرن من السياسة، وعلم الجمهورية العربية المتحدة ينتصب خلف رجل أصغر منه بثلاثة عقود تقريباً، لا تزال في ملامحه السمراء صرامة ضابط عسكري برتبة البكباشي وقد وجد نفسه فجأة في موقع المسؤولية وأخذ يخاطب الملايين من فوق المنابر. لم يكن في القاعة جمهور، ولا مراسلون، ولا مصورون، ولا ميكروفونات إذاعة “صوت العرب”. وحده المؤرخ كان يجلس في المقعد الثالث، صامتاً، ينتظر أن تبدأ المرافعة التي تأخرت سبعين عاماً ، وتأتي اليوم متخيّلة بمصداقيتها.
2- حوار سياسي يا ترى أم مرافعة ساخنة ؟
رفع نوري السعيد رأسه، وتأمل وجه الشاب الجالس أمامه طويلاً، ثم قال بصوت خفيض ولكنه يحمل ثقة رجل خبر الممالك والإمبراطوريات: غريب أمر الزمن يا جمال. أنت حين أبصرتَ النور عام 1918 كنتُ أعبر بوابات دمشق على صهوة جوادي فاتحا اياها مع الجيش العربي لاستقبال فيصل ، وكنا نحلم بقيام دولة عربية حديثة بعد مراقبتي تهاوي السلطنة العثمانية وغيرها من الإمبراطوريات وهي تتداعى، وجالست رجال السياسة في لندن وباريس والقاهرة، وتعلمت أن الأمم لا تُبنى بالأمنيات والاحلام والشعارات ، بل بالميزان الدقيق بين القوة والمصلحة.”
لم يتردد عبد الناصر في الرد، بل بدا كمّن كان ينتظر هذه الجملة منذ سنوات. وأنا يا باشا تعلمت شيئاً مختلفاً. عدت من حرب فلسطين وأنا أرى الجندي العربي يقاتل بإخلاص، لكن الهزيمة كانت تصنعها أنظمة هرمة، تخشى شعوبها أكثر مما تخشى أعداءها. عندها أيقنت أن الأمة لا تحتاج إلى ترقيع، بل إلى ثورة.” ابتسم نوري ابتسامة خفيفة وقال : ” الثورة… كلمة جميلة، لكنها مثل النار؛ تدفئ إذا أحسنت استخدامها، وتحرق البيت كله إذا أفلتت من السيطرة.”
أجاب الريس عبد الناصر بسرعة: والركود يحرق الأوطان بصمت. كم سنة أخرى كان ينبغي للعرب أن ينتظروا حتى يقرر الساسة أن يمنحوهم الحرية؟” قال نوري وهو يشبك أصابعه فوق الطاولة:
“الحرية ليست بياناً عسكرياً، يا جمال. الحرية مصنع يعمل، وجامعة تُخرّج علماء، وقضاء مستقل، وإدارة تعرف كيف تجمع الضرائب وتصرفها. الدولة ليست هتافاً في ميدان، بل مؤسسات تعيش بعد أن يسكت الخطباء.” ارتسمت على وجه عبد الناصر ابتسامة ساخرة. : وهل جاءت تلك المؤسسات مع المستشارين البريطانيين؟”
لم يغضب نوري، بل ازداد هدوءاً. أنتم جيل يرى العالم بالأبيض والأسود. أما نحن، فتعلمنا أن السياسة درجات من الرمادي. لم أقل يوماً إن بريطانيا جمعية خيرية، لكنني قلت إن العراق يحتاج إلى المعرفة والقوة التي عندها، وإلى التكنولوجيا التي تملكها، وإلى الأسواق التي تفتحها. كنت أتعامل مع ميزان قوى قائم، لا مع عالم أتمنى وجوده.”
3- صوت العرب من القاهرة
مال عبد الناصر إلى الأمام، وأخذ صوته يعلو شيئاً فشيئاً، حتى خُيل أن موجات “صوت العرب” بدأت تتسلل إلى القاعة : بل كنتَ تراهن على الغرب في وقت كانت الأمة كلها تبحث عن استقلال قرارها. كيف تطلب من المصري الذي رأى الاحتلال بعينيه، أو من الفلسطيني الذي اقتلع من أرضه، أن يصدق أن الخلاص يأتي من لندن وواشنطن؟ لقد كانت الأمة تريد أن تسترد كرامتها أولاً.”
رد نوري بسرعة لم تعهده فيها المناظرات الدبلوماسية. : وهل الكرامة ضد العقل؟ وهل الاستقلال يعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم؟ إنني لم أفهم يوماً لماذا أصبح التعامل مع الغرب خيانة، بينما أصبح الارتماء في أحضان الشرق بطولة. الدولة الذكية لا تستبدل تبعية بتبعية، بل تستفيد من الجميع وتحافظ على قرارها.” والسياسي الذكي يتعلم كيف يحترف التفاوض ليأخذ ثم يطالب كما علمنا ذلك معلمنا فيصل ، وأعلم بأن للعرب صوت من نوع آخر كله ذوق ورقة وأدب !
4- حلف بغداد : حالة كريهة أم ضرورة لها أحكام؟
ساد صمت قصير. ثم قال عبد الناصر بنبرة حادة: لكن حلف بغداد لم يكن تعاوناً متكافئاً، بل بدا في نظر كثيرين امتداداً لمنظومة غربية أرادت أن تجعل المنطقة جزءاً من صراع الحرب الباردة.”
أجاب نوري من دون أن يرفع صوته: وانت يا جمال لماذا وافقت عليه عندما جئت اليك وعرضته عليك ، وبقينا نتفاوض وكنت ترسل صلاح سالم ثم بدأت تشتمنا مذ علمت ان تقرر ان تكون بغداد عاصمته .. اراد عبد الناصر الرد فاسكته الباشا ، وواصل قائلا: وأنت يا جمال، ألم تجعل المنطقة جزءاً من صراع آخر؟ كم مشروعاً عربياً تعطّل لأن الجماهير تعلّمت أن كل من يختلف مع الثورة عميل؟ وكم حكومة سقطت قبل أن يُسأل: ماذا سيأتي بعدها؟”
هنا بدت لأول مرة علامات التوتر على وجه عبد الناصر لأنه تحّول الى الدفاع . قال : كنتُ أخاطب أمةً تشعر بالمهانة، وكان لا بد من أن تستعيد ثقتها بنفسها.” رد نوري بسرعة: وأنا كنتُ أخاطب دولةً أخشى عليها من الانهيار.” ثم صمت قليلاً، وأضاف: هناك فرق كبير بين من يفكر في الأمة، ومن يحمل مسؤولية الدولة. الأمة حلم، أما الدولة فهي الخبز والكهرباء والجيش والجامعة والميناء والموازنة.” فضلا عن ان العراق بوضعه الجيوسياسي لا يمكنه ان يعيش لوحده بلا أي حماية ومن حوله الذئاب ، فمصر التي اعشقها يا عزيزي هي غير العراق ! ولا يجوز أبدا ان تقمع الشيوعية في بلدك وانت تقيم علاقات قوية مع المنظومة الشيوعية .. قال عبد الناصر: ومن دون حلم تتحوّل الدولة إلى دائرة حكومية كبيرة.” أجابه نوري باشا : ومن دون دولة يتحول الحلم إلى خطبة هزلية.”
5- مشروعان يتصارعان برؤيتين متعاكستين
في تلك اللحظة بدا أن الجدران نفسها تنصت. لم يعد الرجلان يتحاوران، بل كان مشروعان كاملان يتصارعان: مشروع يرى أن النهضة تبدأ من بناء الدولة ولو عبر تحالفات معقدة يفرضها ميزان القوى، ومشروع يرى أن تحرير الإرادة السياسية هو الشرط الأول لكل نهضة، حتى لو حمل معه مخاطر كبرى. وسوف يكتشف العرب، بعد عقود من الانقلابات والحروب والانقسامات، أن الدولة لا تُبنى بالخوف وحده، ولا بالحماس وحده، ولا بالشعارات والاحلام والاوهام والشتائم بل بالتوازن الصعب بين الشرعية، والمؤسسات، والحرية، والمصلحة الوطنية والحفاظ على المصالح .
ساد الصمت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن صمت رجلين. كان صمت سبعين عاماً من الزمن العربي، وهو يستعد لفتح الملف الأخطر في تلك الليلة: فهل كان حلف بغداد محاولة لبناء دولة في زمن الحرب الباردة، أم كان آخر دفاع عن نظام قديم؟ وهل كانت ثورة يوليو بداية نهضة عربية، أم بداية عصر الانقلابات الذي غيّر وجه المنطقة؟
يفتح عبد الناصر الراديو متعمّداً ، فيزأر : صوت العرب من القاهرة : أيها المواطنون… أيها العرب من المحيط إلى الخليج… لقد آن أوان إسقاط أحلاف الاستعمار… لقد آن أوان سقوط عميل الإمبريالية في بغداد…” فتملأ الكلمات القاعة. يسكت نوري السعيد. لا يقاطع. لا يغضب. نتظر حتى ينتهي البث. ثم يلتفت إلى عبد الناصر ويقول: لقد انتهى المذياع… فهل نبدأ السياسة؟” هذه الجملة، تُظهر الفارق بين من يخوض معركة الرأي العام، ومن ينطلق من حسابات إدارة الدولة. ويستطرد نوري باشا : أن القضية لم تكن صراع شخصين، بل صراع رؤيتين لمستقبل العرب، لكل منهما نقاط قوة، ولكل منهما أثمان باهظة. كان صوت العرب يزلزل المشرق كله… لكن التاريخ، بعد سبعين عامًا، جلس وحده في القاعة، وأغلق جهاز الراديو، وفتح دفاتر النتائج.” عندما كان الراديو يصرخ… وكان التاريخ يصمت.” اليوم ، استيقظ التاريخ وصمتت الأصوات .
6- وحدة فورية اندماجية فوقية أم منظومة كونفيدرالية مؤسساتية؟
رد عبد الناصر سريعاً، وكأن الكلمات كانت تنتظره منذ سنوات. وهذا هو الفرق بيننا يا باشا… أنت تؤمن أن التاريخ يصنعه الدبلوماسيون… وأنا أؤمن أن الجماهير هي التي تكتبه. ضحك الباشا. ضحكة قصيرة… لكنها كانت ساخرة. سائلا : الجماهير؟ الجماهير يا جمال لا تبني دولة. الجماهير تصفق أو تهتف. يعيش ويسقط . ثم تعود إلى بيوتها وقد شقت حناجرها . أما الدول… فيبنيها الرجال الذين يعرفون الحساب. ولا الليل من النهار . وهنا تبلغ المناظرة ذروتها. يقول الرّيس: “الأمة العربية واحدة. ” ولا حلّ بلا وحدة فيرد الباشا: نعم… لكنها ليست دولة واحدة.” بل دويلات متعددة لا ينفعها الا أن تتحدّ كونفدراليا ، فكل بلد عربي له ظروفه ومشكلاته وحالاته .أتحداك ان صمدت وحدتكم ، فاذا بصوت عبد الناصر يصرخ : أبدا ، بل وحدة اندماجية واحدة لا يغلبها غلاب! ثم يبدأ الحوار حول اختلاف الاقتصاد.ات وتباين الأنظمة.السياسية وتنّوع البنى الاجتماعية.وموقف الاثنيات وتعدد المصالح .. فيتدّخل المؤرخ ثانية. فيقول: بعد سبعين عامًا… سقطت كل التجارب الوحدوية ولم تعد هناك وحدة عربية. لكن هناك تعاون اقتصادي. وممرات تجارية. وربط كهربائي. ومشروعات لوجستية. واستثمارات عابرة للحدود. وكل عربي يتساءل : هل كانت الواقعية أقرب إلى الممكن من الحلم الكبير؟
7- من تآمر على من ؟ الاذاعات حرّكت الدبابات
ويأخذ الحوار مدى أكثر صراحة وانكشافا . يقول نوري باشا : “لم تهزمني الدبابات… ولكن هزمتني الإذاعات.” ويقصد إذاعة صوت العرب من القاهرة ” . ثم يضيف: ” كل مشروع كنت أطرحه كان يتحول إلى خيانة في نظر الجماهير.” وهي خمسة مشاريع كبرى ومنها سعد آباد والهلال الخصيب وجامعة الدول العربية وحلف بغداد واعمار العراق .. انت تآمرت على العراق ونحن لم نتآمر على مصر أبدا ، وما يشاع عن تحريضي ضدكم عام 1956 فهو كذب وتضليل حاولت ان لا يضركم انتوني ايدن كي لا يجعلك بطلاً ! . فيرد عبد الناصر: نعم اتدخل ومن حقي ذلك ضد النظم الرجعية “لأن الجماهير كانت ترى فيك امتدادًا للاستعمار.” فيجيبه نوري باشا : ” وهل سألتها بعد خمسين سنة ماذا بقي من شعاراتكم واوهامكم ؟” يا للخيبة والفجيعة لما جرى من هزائم بعدي .
ثم يتدخل المؤرخ فيعرض عليهما : نهاية الجمهورية العربية المتحدة. و تدخل اميركا عام 1956 وهزيمة 1967 ،وتراجع المشروع القومي. وولادة الدكتاتوريات ومآسي 1979ودخول الاسلام السياسي مع ضمور الحرب الباردة والانتقال الى سقوط المنظومة الاشتراكية عام 1992.
8- من التفاوض والتحالف مع اميركا الى استجداء الاستثمارات من اميركا
وهنا تبلغ الرواية ذروتها الفكرية. يقول نوري باشا: كم طريقًا سلك العراق ليعود إلى النقطة التي غادرها؟” ثم يعدّد: الانقلابات. والحروب. والحصار. والاحتلال والانقسام. وحجم الضحايا وحجم الهاربين وحجم المختفين وحجم المتخلّفين وحجم الارامل وحجم الأيتام ..الخ ثم يرفع رأسه قائلاً: وفي النهاية… عاد الجميع يبحث عن الاستثمار الغربي، والشركات الغربية، والجامعات الغربية، والتكنولوجيا الغربية، والتحالفات الاميركية .. وكما انفتحت مصر من بعدك مباشرة على عهد صاحبك هوى العراق نحو الأسفل فيجيبه عبد الناصر بصوت منخفض: ” لكن الغرب نفسه تغير.” فيرد الباشا : “وأنا أيضًا لم أكن أدعو إلى التبعية… كنت أدعو إلى الاستفادة. بشتى الطرق لكسب المصالح بأيّ ثمن وسيكتب هذا المؤرخ دراما الرجعية والتقدمية ممثلاً بحوارنا .
9- السياسات لا تبنى بالشعارات او بالخطابات المضحكة
نظر الرجلان إلى بعضهما طويلاً. لم يشعر أحد منهما بأنه انتصر. فالتاريخ لا يمنح النصر كاملاً لأحد ان فقدت الرؤية وازدحمت العواطف وتاه العقل . إنه يكشف أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا بالارتهان للخارج، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الطموح إلى مؤسسات، والكرامة إلى إنتاج، والاستقلال إلى قوة مستدامة. وبقي السؤال معلقاً فوق الطاولة: هل كانت المأساة في اختلاف المشروعين، أم في عجز العرب عن إيجاد طريق يجمع بين قوة الدولة وحيوية الحلم؟
كان الصمت يملأ القاعة أكثر مما يملؤها الكلام. لم يكن الرجلان يتبادلان النظرات بقدر ما كان نصف قرن من تاريخ العرب يتطلع إلى نصف قرن آخر لم يولد بعد. قال نوري السعيد وهو يزيح ملفاً سميكاً أمامه: يا جمال… حين كنتَ تتعلم القراءة في مدرسة بالإسكندرية كنتُ أعبر دمشق مع الجيش العربي سنة 1918، أرافق الأمير فيصل وأرى بعيني كيف تُولد الدول وكيف تموت الإمبراطوريات. لقد عشت سقوط العثمانيين، وجلست مع البريطانيين، وراقبت الفرنسيين، وعرفت أن السياسة ليست قصيدة تُلقى على الجماهير، بل ميزان قوى لا يرحم. ابتسم عبد الناصر ابتسامة الواثق وقال: وهذا هو سبب اختلافنا يا باشا؛ أنت تعلمت السياسة في غرف السفراء، وأنا تعلمتها في شوارع القاهرة، بين جنود عادوا من فلسطين يحملون الهزيمة والإهانة، فآمنت أن الأمة لا تحتاج إلى دبلوماسي جديد، بل إلى ثورة تعيد إليها كرامتها.
10- فلسفة الثورة : الجماهير تصنع الثورات
ضحك نوري السعيد، ثم مال قليلاً إلى الأمام وقال: الثورة كلمة جميلة يا جمال، لكنها لا تبني مصنعاً ولا جامعة ولا شبكة سكك حديد. الدولة تُبنى بالاقتصاد، وبالعلم، وبالمصالح، لا بالخطب. ولا بهتافات الثوار . الغرب الذي تهاجمه يمتلك التكنولوجيا والجامعات ورأس المال والأسواق، وأنا أريد أن أجعل العراق يستفيد منها، لا أن يتحوّل إلى عدو للعالم. ردّ عبد الناصر بسرعة: الغرب الذي تمد له يدك هو نفسه الذي زرع إسرائيل في قلب فلسطين، وهو الذي يريد النفط والقواعد العسكرية. كيف تطلب مني أن أثق بمن قسّم هذه الأمة؟ قال نوري: لا أثق به… بل أتعامل معه لأنه أقوى مني ومطامعه لا تقلّ عن مطامع الآخرين الذين تتعامل معهم . هناك فرق بين التبعية والاستفادة. أما أنت فتريد أن تجعل العاطفة سياسة، والهتاف برنامجاً للحكم.
اشتعلت عينا عبد الناصر وقال: وأنت تريد أن تجعل الاستعمار شريكاً في النهضة. إن الشعوب العربية خرجت تهتف لأنها سئمت من الحكومات التي تحسب كل خطوة برضا لندن وواشنطن. إن الأمة لا تسترد كرامتها إلّا إذا تحررت من إرادة الغرب. فردّ نوري بلهجة ساخرة حادة: والكرامة لا تُطعم جائعاً، ولا تُقيم سدّاً، ولا تُخرّج مهندساً. إنني أخشى أن ترفع الجماهير إلى السماء ثم تتركها على الأرض بلا مؤسسات. لا يكفي أن تقول “تحرير”… يجب أن تقول: كيف؟ ومن أين؟ وبأي اقتصاد؟ وبأي تعليم؟ وبأي إدارة؟ كما فعل نهرو في الهند ويوشيدا شيغه- رو في اليابان وغيرهما.
ساد صمت قصير، ثم قال عبد الناصر: الجماهير ستصنع المعجزة. فقال نوري، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة: الجماهير تصنع الثورات، أما الدول فيصنعها رجال يعرفون الحساب. هل تظن أن التاريخ يُدار عبر مكبرات الصوت؟ إن صوت العرب يستطيع أن يهز الملايين، لكنه لا يستطيع أن يكتب ميزانية دولة. هنا ارتفعت حرارة الحديث، فقال عبد الناصر: نعم، سأخاطب الملايين، وسأجعلهم يؤمنون بأن الاستعمار ليس قدراً، وأن الملكيات التي تحتمي بالأجنبي لن تبقى. ستنهض الشعوب، وستسقط العروش، وستتغير خرائط العرب. أجابه نوري باشا من دون تردد: ربما تنجح في إسقاط العروش، ولكن هل ستنجح في بناء ما بعدها؟ إسقاط نظام أسهل بكثير من إقامة دولة. أخشى أن تفتح أبواباً لن ولم تستطع إغلاقها، وأن توقظ قوى لن تعود إلى ثكناتها، وأن يصبح الانقلاب عادة، حتى يستيقظ العرب كل صباح على بيان رقم واحد.
11- فلسفة الباشا : الدولة قبل المجتمع
ابتسم عبد الناصر وقال بثقة: إذا كان ثمن الحرية أن تهتز الأرض تحت أقدام الطغيان، فليكن. قال نوري باشا : وإذا كان ثمن الحلم أن تضيع الدولة، فذلك ثمن لا أقبله. وفي تلك اللحظة، علا صوته وقال : نلت اسوة بغيري من الزعماء الرجعيين خزائن من الشتائم والسباب وقد تقطعت اوصالي في الشوارع وباركتم ذلك العمل فزرتم كل البلدان العربية ، ولكن أبيتم ان تزوروا العراق .. لماذا يا ترى ؟ لكني أرى في الافق أن أياما عجافا سوداء ستجتاح بلداننا وتتغّير الصورة لا على الصورة التي حلم بها أصحابها، بل على صورة أكثر دموية. وستتوالى الانقلابات، والهزائم ، والحروب، والحصارات، والاحتلالات، وستتبدل التحالفات. وسينتهي القرن العشرون وقد تبدل العالم كله؛ يسقط الاتحاد السوفيتي،وتنفتح اقتصادات الشرق،وتصبح التكنولوجيا والجامعات والاستثمار مفاتيح القوة. وعندئذ سيعود العراق ومصر وكثير من الدول العربية، إلى بناء علاقات واسعة مع الغرب، ولكن في عالم مختلف عن عالم الخمسينيات الذي حاولت جاهدا أن اسابق الزمن قبل غيري كما فعل صديقي يوشيدا شيغه-رو رئيس وزراء اليابان التي ضربتها اميركا بالقنابل النووية واستسلم لها ولكن تعلم منها كيف يبني بلاده بالتحالف معها .
لأول مرة، ساد هدوء مختلف. لم يعد في القاعة خصمان، بل مشروعان يتجادلان أمام محكمة الزمن. اقترب المؤرخ من الطاولة، ووضع بين الرجلين خريطة للشرق الأوسط. قال:
“أنظرا إليها جيداً. لقد تبدلت حدود النفوذ مرات، وتغيرّت التحالفات، وسقطت قوى عظمى، وظهرت قوى أخرى. العالم الذي عرفتماه لم يبقَ على حاله. ولذلك فإن السؤال الذي تركتماه للأجيال لم يكن: من انتصر؟ بل: كيف تُبنى الدولة من دون أن تفقد استقلالها، وكيف تحافظ على استقلالها من دون أن تعزل نفسها عن العالم؟”
رفع نوري السعيد الخريطة، وتأملها طويلاً. وقال بصوت يكاد يسمعه وحده:
“ليت العرب اختلفوا في صناديق الاقتراع، لا في ساحات القتال. أما عبد الناصر، فظل ينظر إلى الخريطة نفسها، وقال: وليتهم حافظوا على حلم الوحدة العربية . أجابه الباشا جوابا أخيرا : وكان حلم جيلنا أيضا ، شريطة بناء اتحاد يبني ولا يهدم ، ويؤسس ولا يفكك ، ويقوم على التعاون والمصالح المشتركة لا على الشعارات وحدها.”
12- وأخيرا .. انتهى الحوار باختفاء الطيفين
ابتسم المؤرخ ولم يحكم. بل أغلق الملف الأول، بعد ان سمع صوتهما يتبدد عبر الأثير وهما يشكرانه . أختفى طيف كل من الزعيمين المتحاورين وهمس: ما زالت المرافعة مستمرة. الى حين يأذن الله اذ سيبقى ذكرهما سارياً عبر التاريخ .




