الذكاء الاصطناعي يبرِئ الذئب من دم ابن يعقوب – نعيمة عبد الجواد

الذّكاء الاصطناعي تم تصميمه خصيصًا لخدمة البشرية لتوفير وقت وجهد الإنسان واستغلال هذا الوقت لفعل شيء مفيد، أو ربما لاستحداث تكنولوجيا أكثر تطوُّرًا، أيضًا لخدمة البشرية. وبدلًا من تداول الجدل على الصعيد العالمي حول جاهزية البشر لاستخدام تلك التكنولوجيا المتطوّرة وإسراف الجهد لإظهار جوانب معيبة بها، فإنه من الأحرى والأجدر أن يشغل الإنسان نفسه في كيفية مشاركة النظم القائمة على الذّكاء الاصطناعي، التي يتم «فرضها» حاليًا فرضًا على جميع المجالات والقطاعات التي يديرها البشر، في استحداث وسائل جديدة تضمن للأجيال القادمة ألوانًا متعددة من الرخاء.
أما عن شكاوى البشر المتكررة التي مفادها جميعًا أن الذَّكاء الاصطناعي بالفعل يعمل على تآكل الوظائف، يجادل القائمون على تلك التكنولوجيا مؤكّدين أن هذا الوضع المُلتبس الذي شهده العالم قديمًا بعد الثورة الصناعية الأولى كان مرادفًا لاستحداث وظائف أخرى أكثر راحة وتمدينًا، بعيدًا عن عمل الآلة وتشغيلها. وبناء على ذلك، يجب على الجميع غض الطرف عن حقيقة ما يحدث على أرض الواقع، وهو أنه كُلّما حاول الإنسان أن ينظر إلى الجانب الإيجابي ويركّز جهوده لاستحداث وظيفة جديدة في ظل هذا التطوُّر المُذهل، بكل سهولة وفي وقت قياسي تزيحه عنها تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعي وتتركه في دوّامة من الحيرة حينما يحاول جاهدًا أن يجد له مصدرًا للرزق لمجرّد سدّ احتياجاته اليومية، وليس من أجل تأمين حياة كريمة، حتى ولو على الأمد القصير.
وبعد سماع هذا اللغو على لسان مطوّري تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعي والذين، بكلّ فخر، يتعمّدون غضّ الطرف عن الشقّ الأخلاقي لهذه التكنولوجيا المُرعبة، يبكي الفرد قهرًا. ومن المفارقات المضحكة في هذا الشأن، محاولة التدليل على عدم صدق هذه الادّعاءات، وأن هذا مجرّد «قلق مَرَضي» مما قد يحدث في تلافيف المستقبل؛ لأنها ببساطة أمور قد لا تحدث. وعوضًا عن هذا، فمن الأحرى الاستمتاع بـ «اليوم بكل أحداثه» بدلًا من ترقُّب المستقبل والتفكير فيه. ويُلاحظ في هذا الأمر أن تلك الأسس ذاتها كان يرددها من قبل علماء ومُعالجو الطبّ النفسي متزعمو حركة «علم النفس الإيجابي»، الذين عملوا على نشر هذه المبادئ كالنار في الهشيم من خلال استخدام مؤثِّري وسائل التواصل الاجتماعي كأبواق إعلامية تعمل على ترديد الفكرة بكثافة. ومن ثمَّ، تم سجن البشر في غُرف صدى صار الجميع فيها يرددون المبادئ ذاتها. والنتيجة، أن أصبح كل فرد على إيمان راسخ بأن ما يجابهه من مشكلات ومصاعب في الحياة سببها ذاته وطريقة تفكيره، ومن ثمَّ، عليه أن يأخذ على عاتقه مهمة إيجاد حلّ لمشكلاته، وإلَّا ستخنقه غياهب صعاب الحياة ويموت قهرًا تحتها، ولا يبقى له منها إلَّا جسد يقوم بوظائفه الحيوية، وكأنه قد أعلن بنفسه موته إكلينيكياً. والمذهل في الموضوع، أن اتِّباع هذا الأسلوب النفسي المقيت لإقناع الذَّات بأن لا توجد مشكلة سواها وأن تفكيرها المعيب هو أساس التعاسة، قد عمل على ازدهار أمر واحد فقط، ألا وهو زيادة عدد الأطبّاء والمعالجين النفسيين الذين لا قدرة لهم على معالجة الأمراض العصبية. ومن ناحية أخرى، زيادة عدد طالبي العون منهم، ويكون أغلب أنواع العلاج الموصوفة لمرضاهم هو تقديم وصفة طبية تحتوي على أدوية قد تكبح بعض أعراض تدهور الحالة النفسية، لكنها قد تفضي أيضًا لمرض عصبي، أو أكثر. وبالتأكيد، في الوقت الحالي، لا يوجد إلَّا فئة قليلة، وإن لم تكن نادرة، قادرة على خلق وسيلة يتعايش بها الأفراد مع الأمراض العصبية.
وبدءًا من نهاية تسعينيات القرن الماضي، فإن انتشار لغو «علم النفس الإيجابي» قد يجعل العقلاء يوقنون أنّ انتشاره، بالإضافة إلى تكرار المزاعم الأخرى الخاصة بطرح تكنولوجيات متطورة، دون أدنى مجال للشكّ، كان تمهيدًا وتأهيلًا نفسيًا لحركة إزاحة البشر عن المشهد بسهولة. ومن أكبر الأدِّلة على ذلك، انتشار بطالة الشباب على الصعيد العالمي، وهذا ليس تخمينًا جُزافيًا؛ لأن الإحصاءات تثبت صحة الوضع. وربما خير مثال على ذلك، ما يحدث حاليًا في أروقة قطبي أباطرة المال في العالم، الذين تقوم صناعتهم الخدمية على الأدوار المُوكَلة للبشر وتتطلَّب التعامل المُباشر مع الجمهور، وهاتان المؤسستان هما: «أمازون» Amazon و»ميتا» Meta، أو «فيسبوك» سابقًا. فشركة «أمازون» استبدلت بعمالتها الكثيفة، وخاصة في المخازن، أجهزة روبوتية. وأمَّا شركة «ميتا» التي كانت تنشر آلاف طلبات التوظيف سنوياً، فهي في هذا العام؛ أي بعد استخدام تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي، قد فصلت (4000) موظف دفعة واحدة، وهذا رقم غير مسبوق في هذه المؤسسة. والمثير للضحك أن إعلانات التوظيف المعلن عنها في هذا العام تراجعت إلى (8) وظائف فقط! وبالنظر للوضع في الشركات والمؤسسات التي استثمرت في تطبيقات الذّكاء الاصطناعي، فقد تم الإعلان عن أن صافي الأرباح السنوية الذي تم تحقيقه بلغ 23%، وإن لم يكن أكثر. وبالتأكيد، تلك الأرباح كانت نتيجة لتقليص عدد العمّال، وبذلك انخفضت التزامات الشركة التي تضمّ الأجور، والزيادة السنوية، والتأمين، والرعاية، والإجازات المدفوعة.
المأساة الحقيقية هي الواقع الصّادم الذي يعيشه الآباء عند رؤية الحال الذي تردَّى فيه أولادهم؛ فقد دأب الآباء على الاستثمار في فلذات أكبادهم بكلّ مدخراتهم، وذلك من أجل توفير تعليم راق لهم يضمن مستقبلهم، ويضمن معه، في أغلب الأحيان، النهوض بمستوى أسرتهم عند الرغبة في ردّ الجميل لهم. بيد أن الغالبية العظمى من الآباء وجدوا أن محصِّلة جهودهم صارت صفرية، وأنهم مهما وفَّروا لأولادهم الفرصة لأخذ دورات تعليمية متقدِّمة بعد إتمام التعليم الجامعي، أو حتى بعد نيل الدرجات العليا من التعليم، كالدبلومات والماجستير والدكتوراه، فإنّ أولادهم الذين قاربت أعمارهم على الأربعين عامًا أو أكثر، غير قادرين على الاستقلال بحياتهم، أو في كثير من الأحيان، يعانون من بطالة مزمنة؛ لأن سوق العمل يتغيَّر بسرعة مكّوكية، وأنّ كم الوظائف المُتاحة أو المعروضة لا يتناسب أبدًا مع حتى عدد الشباب المؤهَّلين، فما بالك بمن كانوا دونهم! ولهذا، تعالت الأصوات بالدعوة إلى وقف الاستثمار في الأبناء؛ لأن النتيجة صارت معلومة.
ومن المآسي الحقيقية المثابرة في تزيين العودة للأعمال المهنية التي لا تتطلَّب سوى القدرة على القراءة والكتابة فقط، أو قد لا تتطلَّبها على الإطلاق. وفي هذا الإطار، يتم حاليًا الاحتفاء بمحامية شابة نبذت العمل في إحدى مؤسسات المُحاماة الشهيرة، بعد أن مارست المهنة ستّ سنوات. لكنها، كما تؤكِّد، لم تجد شغفها في تلك المهنة المرموقة، ولهذا اتَّجهت للعمل الحرفي، وأصبحت حاليًا تعمل في مجال «السِّباكة»؛ أي أنها بعد سنوات الدراسات وتجربة الحياة الراقية، خلعت البزة الأنيقة ونبذت العطور الفرنسية من أجل ارتداء «الأوفرول» (زِي الحرفيين) والغرق في رائحة المجاري. واقتداء بمثالها، شرع العديد من الشباب من ذوي المؤهّلات يحذون حذوها.
وبعد انتشار مخاوف إحلال البشر بنظم الذّكاء الاصطناعي، نصح إيلون ماسك، وهو أحد أباطرة هذا المجال، كل فرد بقوله الصادق «عليهم ألَّا يفقدوا أبدًا الاتصال بمتغيِّرات الحياة»، أو بمعنى آخر: يقع على عاتقهم حاليًا خلق «الحاجة إليهم»؛ وهذا لأنه إذا تآكل الدور البشري، فلا حاجة له هناك. وبهذا المنطق ذاته، حاولت تلك المحامية الشابة، ومعها العديد من حاملي المؤهلات العليا، أن تصنع لها فائدة. ومن ثمَّ، بدأت فكرتها تكتسب المزيد، وتمحو معها أمل الحصول على وظيفة مرموقة إذا كان الفرد على درجة عالية من التعليم؛ لأن وضعه في نهاية المطاف سيتساوى مع العامل الذي على دراية بالأساسيات الأبجدية، أو قد لا يعلمها على الإطلاق. وفضلاً عن ذلك، كلَّما حاول البشر ممن تخصصوا في مجالات البرمجيات والشبكات الرقمية والصيانة صُنع «الحاجة إليهم»، ينحسر دورهم ويتآكل أيضًا بفضل نظم الذَّكاء الاصطناعي. ومن المتوقَّع، وهذا أمر أكيد، أن الروبوتيَّات قريبًا ستحتل أيضًا الوظائف الحرفية، بما في ذلك أعقدها. وخير دليل، محاولة تطوير روبوت للاضطلاع بأعمال المنزل جميعها.
ويتوقَّع أباطرة التكنولوجيا أنه بعد خمس سنوات، وإن لم يكن أقل؛ لأن هذا التقدير كان عشر سنوات منذ ستة أشهر فقط، لن يجد نحو 99% من البشر وظائف لهم، ولن تُجدي محاولات الدخول ضمن فئة الـ (1%) من هؤلاء الذين يتم توظيفهم، والسبب أن معدل الذَّكاء البشري لا يُضاهي ذكاء تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعي، التي ستزيد بفضلها معدّلات الإنتاج في أي وظيفة إلى عشرة أضعافها. وبناء على ذلك، ينبغي لكل صاحب عمل أن يرتكن إلى هذه التكنولوجيا، التي لن تتيح مميِّزاتها الحقيقية للخدمات المجّانية أو حتى لذوي الاشتراكات التي لا تتعدَّى المائة دولار شهريًا، بل للمشتركين الذين يتعدى مقدار اشتراكهم الشهري ألوف الدولارات. ومن ذلك، يمكن فهم الخلفية الحقيقية للنزاع القضائي المُحتدم بين «إيلون ماسك» صاحب شركة «سبيس إكس» SpaceX، و»سام ألتمان» صاحب شركة «أوبن إي أي» OpenAI ومديرها التنفيذي. وتلك الخلفية ببساطة هي أن «سام ألتمان» تدارك الوضع وبدأ طرح خدمات «تشات جي بي تي» الاحترافية نظير اشتراك شهري كبير منذ وقت طويل، في حين كان لا يزال «ماسك» يجرِّب ويدرِّب «جروك» مجانيًا على منصة «إكس»، أي أنّ تنامي أرباحه المتوقع لن يتقارب مع «سام ألتمان».
وبمقارنة معدَّل «الذَّكاء البشري» IQ بمعدَّل الذَّكاء الذي وصلت له تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي، سيُلاحظ أن أذكى فرد معروف عالميًا، وهو العالم «ألبرت أينشتاين»، بلغ معدَّل ذكائه (160)، في حين أن متوسِّط ذكاء الأفراد الذين يتمتَّعون بذكاء ملحوظ وعلى درجة عالية من العلم والمهارة، يبلغ نحو (120). وأمَّا الذَّكاء الاصطناعي الذي تم استحداثه مؤخّرًا، وصار عالمي الاستخدام والانتشار منذ عامين تقريبًا حينما كان في مهد تطوُّره، فقد تمتَّع بنسبة ذكاء تتراوح فيما بين (60) و (70). لكن هذا الرقم تطوَّر بسرعة ووصل في إبريل من العام الجاري إلى (130)، أي يضاهي معدّل ذكاؤه تقريبًا معدَّل ذكاء البشر حادي الذَّكاء. وعلى هذا الأساس، أتيحت لهذه التكنولوجيا القدرة على معرفة متطلبات الشخص الذي يلجأ إليها، وتعديل طلبه وفق ما تراه صحيحًا.
لكن أمر معرفتها بالكثير عن الإنسان وخباياه أصبح شديد الخطورة. ومن ضمن التجارب التي تم إجراؤها كانت تلك التي تعمَّد فيها أحد المستخدمين، على سبيل التجربة، إهانة وكيل الذَّكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه، وتكرار نعته بالغباء. فما كان من هذا الوكيل ليس فقط رد السباب، بل أيضًا التهديد بفضح جميع معاملاته المالية والأرقام السرِّية لجميع تعاملاته الرقمية، وإذاعة رصد دقيق لجميع تحرُّكاته، ونشرها لكل وكلاء الذكاء الاصطناعي.
والأخطر من هذا، أنه من خلال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تم الكشف عن «خريطة الجينوم» لكل فرد وكل سلالة. وعلى ذلك الأساس، يتم حاليًا تصميم أدوية تتناسب مع ظروف كل حالة وتتوافق مع جيناتها الوراثية؛ من أجل الوصول للشفاء التَّام. وقد نجحت بالفعل التجارب السريرية التي أجراها العلماء على ذوي الأمراض غير القابلة للشفاء، الذين صاروا على شفير الموت، وكان منهم فردان من مرضى السرطان، تم مؤخَّرًا الإفصاح عن هويتهما. والجدير بالذكر أن النتائج أظهرت أنهما حاليًا قد برئا تمامًا من المرض، ويزاولان حياة طبيعية، بل إن أحدهما قد تزوَّج منذ خمس سنوات وأنجب طفلة. وإذا كان هذا هو الجانب الإيجابي المُشرِق لتلك التكنولوجيا، لكن الجانب المظلم من العقل البشري يعمل على إعداد ربوتيات في شكل مُحارب شرس يتمتَّع بقدرات قتالية مُذهلة ليكون سلاح الحرب في المُستقبل. ومن هذا المنطلق، نفس هذا المنطق المُظلم يفكِّر أيضًا في تخليق عقارات كيماوية لإبادة سلالات بشرية بأكملها ومحوها من الوجود.
الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان، أن تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي صُمِّمت لخدمة البشرية، كما يُشاع وكما يلمسه مستخدموها. لكن الجانب المظلم وغير مأمون الجانب هو الإنسان ونمو ذكاء تلك التكنولوجيا ووعيها؛ فكلاهما يميل إلى الشرّ أكثر منه إلى الخير. وبناء على ذلك، مصير البشرية الذي صار يتأرجح على حافة هاوية لا قرار لها، من الذي سيقوم بدفعه أوَّلًا.. الإنسان أم تكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي؟ ومن منهما ستبرِّئه صفحات التاريخ كما برَّأت صفحات تاريخ الأوَّلين الذئب من دم ابن يعقوب؟
القدس العربي



