مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

18. صلة الرحم.. بين القطيعة والبركة المفقودة – هشام فرجي

received 2446779685663300

“وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ” (الرعد: 21)

هل شعرت يومًا أن البركة تقلّ في حياتك؟ أن الرزق لم يعد وفيرًا كما كان، وأن السعادة لم تعد تملأ البيوت كما في الماضي؟ قد نظن أن السبب اقتصادي أو اجتماعي، لكن الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك.. إنها “صلة الرحم” التي هُجرت، فكان العقاب خفيًا لكنه مؤلم. فهل تذكر آخر مرة زرت فيها عمّك أو خالك؟ متى كانت آخر مكالمة مع أبناء خالتك الذين كنت تلعب معهم صغارًا؟ كم عدد الأعياد التي مرّت دون أن تمدّ يدك لمصافحة قريب انقطعت عنه؟

في زمن كانت فيه العائلة تجتمع تحت سقف واحد، كانت الحياة رغم بساطتها مليئة بالدفء. واليوم، رغم توفر وسائل الاتصال، نجد الجفاء والقطيعة تتغلغل بين القلوب. فكم من إخوة فرقتهم الدنيا؟ وكم من أبناء لم يعودوا يعرفون أقاربهم؟  ففي هذا الزمنٍ باتت فيه القطيعة سهلة، وصارت المشاغل تبريرًا جاهزًا، نجد أنفسنا نبتعد عن وصية ربّانية عظيمة: صلة الرحم. فهي بابٌ من أبواب الرزق، وطريقٌ لطول العمر، وسكينةٌ للقلب، ونورٌ في الحياة وبعد الممات.

قال النبي ﷺ: “من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه” (رواه البخاري).

ولكن اليوم، كيف حالنا مع أرحامنا؟ لماذا صار الجفاء عنوانًا، والزيارة ثقيلة، والقطيعة سهلة؟ هل نسينا أن هذه الدنيا قصيرة، وأن الغد قد يأتي فيرحل الأحبة، و يبقى العتاب حبيس الصدور حتى يفوت الأوان؟ فلنعلم أن بركة العمر والرزق ليست في المال وحده، بل في وصل الأرحام، في ذلك الشعور بأنك لست وحدك، بأن هناك من يسأل عنك، ومن يحبك بلا مصلحة.

يا سائلي عن سرّ بركة عمرنا 

                        وبريق أيامٍ تضيء سنينا

إنّي وجدتُ السرّ في وصل الرّحـم 

                      حيث القلوب تحنّ للغاليـنــا

أمّا القطيعـة فهي موتٌ صـــامتٌ

                       كم من قريبٍ ماتَ في أعيننــا؟

يا خائفًا من ضيق رزقٍ في غدٍ 

                     صِل رحمَـك، تَلقَ العطايا دينا

لا تنتظرْ حتى يَغيــبَ أحبّـــــةٌ

                     لا تُرجَعُ الأرواحُ إن تفنينــا

كم قاطعٍ ندِمَ الفراقَ ولم يَجـــد

                    إلا الندوبَ تسُـرّحُ الشاكيــنا

ففي الماضي، لم يكن هناك إنترنت، ولا هواتف ذكية، ولكن الأرحام كانت موصولة، والبيوت عامرة بالحب. أما اليوم، فقد جعلتنا الحياة الحديثة أكثر انعزالًا، نرى أخبار أقاربنا في المنشورات، ونكتفي بالتفاعل الرقمي بدل الزيارة الحقيقية.

ومن الأسباب التي جعلت صلة الرحم تتراجع:

1. الانشغال بالحياة: جعلت دوامة العمل والمسؤوليات البعض يؤجل الزيارة حتى يطول الفراق.

2. الخلافات العائلية: جعلت المشاكل القديمة التافهة القلوب تبتعد، ولو أن كلاً منا تنازل قليلاً لعادت المياه إلى مجاريها.

3. ثقافة الاستغناء: أصبح البعض يرى أن العائلة ليست ضرورة، متناسين أن صلة الرحم جزء من الدين وليست عادة اجتماعية.

4. التواصل الافتراضي: جعلنا نعتقد أننا ما دمنا نتابع أخبار أقاربنا على مواقع التواصل، فلا حاجة للزيارات والاتصال المباشر.

فكيف نحيي صلة الرحم؟

. ابدأ بنفسك: لا تنتظر أن يبادروا، كن أنت من يكسر الحواجز.

. اتصل اليوم: لا تؤجل، ربما مكالمة واحدة تعيد العلاقة إلى مجراها.

. كن كريمًا في العفو: تنازل عن الكبرياء، واغفر الزلات، فالحياة أقصر من أن نضيعها في القطيعة.

. اجعل الزيارة عادة: خصص وقتًا شهريًا للقاء الأقارب، ولو لدقائق.

. لا تجعل المناسبات آخر عهدك بصلة رحمك: لا تنتظر الأعياد والمآتم، فصلة الأرحام لا تحتاج لموعد رسمي.

فيا قلبًا نسيَ أهله، وأدار ظهره لمن كانوا يومًا مصدر دفئه، ألا تخشى أن يأتي يومٌ تبحث فيه عنهم فلا تجدهم؟ صِلهم قبل أن يرحلوا، واعتذر قبل أن يفوت الأوان، فليس أشد قسوة من دمعة ندمٍ على قبرٍ حبيب.

واخيرا ، فصلة الرحم هي بركة. وليست مجاملة، بل عبادة. وليست تضييع وقت، بل استثمار في الدنيا والآخرة. فهل ستبدأ اليوم؟ هل ستأخذ هاتفك الآن وتتصل بأقربائك؟ أم ستنتظر حتى يأتي يومٌ تبحث فيه عنهم فلا تجدهم؟ فاللهم اجعلنا من الواصلين لأرحامهم، وأبعد عنا الغلّ والجفاء، واملأ قلوبنا بالمودة والرحمة.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading