التقيته على أعتاب كلية الآداب القديمة، حيث تمّ قبولنا في قسم الترجمة مطلع تسعينيات القرن المنصرم.. شخصٌ هادئ للغاية، لا يكفّ عن التأمل وشرب الشاي ومطاردة الأحلام، وقلّما أجده إلّا وهو متأبط لديوان شعر أو كتيّبات الجيب كسلسلة أعلام الفكر الاوربي التي كان يتابعها بشغفٍ بالغ. ذات مرّة، استوقفني ديوان شعري صغير كان ذلك الزميل يقرأ فيه تارةً، وتارةً أخرى يحدّق في ذلك الشارع الحالم الذي يسبح بعطر أشجار البرتقال وعطر الغواني اللواتي كنّ يتردّدن على ذلك الشارع. مددتُ يدي، ورحتُ أقرأ:
سفني في المرفأ باكيـةٌ
تتمزق فوق الخلجـان
ومصيري الأصفر حطّمني
حطّـم في صدري إيماني
أأسافر دونك ليلكـتي؟
يا ظـلّ الله بأجفـاني
استهوتني الموسيقى العالية التي تطغى على جميع كتابات نزار قباني، والخسارات الفادحة في نهايات قصائده، سفنٌ باكية في مرفأ مهجور، نيرانٌ تاكلُ نيرانَ رجلٍ منزوٍ في ركن النسيان، جريدة ملقاة على طاولة تضجّ بالأصداء ومعها امرأة وحيدة تتلفّع بأحزانها.
تتلبدّ السماء بسحب الحرب، ينفرط العقد الجميل الذي كان ينتظم جميع المحافظات العراقية ومعها ينفرط عقدنا.. الشارع الحالم لم يعد كما كان، إذ تيبّست أوصاله وأصبح خاويا على عروشه، يغلق ذلك العامل المصري كشك الشاي الذي كان يلمّ صخبنا وتبتعد الآداب القديمة عنّا، تذوي في داخلنا كلّ الامنيات، وتتبخّر جميع الأحلام.
من كوّة الحياة، أنظر لذلك الشارع الحالم ومعه تعاودني كلّ تلك التفاصيل الصغيرة التي ذابت في بحر الحياة السريع. أستحضر الكثير من الوجوه ومنها وجه ذلك الفتى الهادئ الذي كان مولعا بقصيدة “نهر الأحزان”.. إنه وجه أكرم رشيد رحمه الله.