وجهة نظر – د.كاميليا عبد الفتاح
يحتفي بعضُ النقاد العارفين بأصول النقد بالذين لا علاقة لهم بالأدب – ممّن اقتحموه عنوةً بطرق مختلفة ، متعللين في ذلك بأنّ متطلبات المعيشة والمسؤوليات الاجتماعية المختلفة تضطرهم إلى ذلك ، لأن كثيرا من أدعياء الكتابة يستطيعون مكافأة كتاباتهم النقدية بمقابل نقدي سخيٍ – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – فضلا عن قدرتهم على ترشيحهم للفوز بجائزة ما ، أو للعمل في تحكيم جائزة ما ، وتمكينهم من الظفر بعمود في إحدى الصحف – أو المجلات – الكبرى ، ودفعهم إلى الجلوس في مقعد المستضاف الدائم في القنوات الفضائية . يحتجُ بعضُ هؤلاء ، حين يُؤاخذ بهذا الأمر ، وحين يوصفُ بأنه قلمٌ مُستأجرٌ غير أمين ، بأنه لم يلق من الاهتمام – والتقدير – الرسمي المؤسسي ، ما يصون كرامته ، ويكفل له عائدا ماديا يعينُه على مسؤوليته عن أسرة كاملة ، و يغينه عن التكسّب والاسترزاق ( الذي يحرمه من ثراء الممارسة النقدية الحقيقية ) ، وأنه يخشى أن يُضطهَد من فلان ، أو علّان ، ممن يملكون نفوذا كافيا لإقصائه عن المشهد الثقافي كله ، إنْ هو كتب نقدا حقيقيّا يكشفُ فيه زيفه ، وإنْ لم يكتب فيه مديحا مدبّجا ، على غرار : فإنك شمس والنجومُ كواكبٌ ( ” يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة” ) سورة المائدة / الآية 52 ويغمغم بعضهم في استياء : الكاتب الحقيقي فقيرٌ – في الغالب ، لا يملك أن يكافأني لقاء ما بذلتُ من جهد ووقتٍ – في الكتابة عنه – وأنا لن أمنح عمري وتعبي هدية لهذا وذاك .
وحين تسألُ بعض الذين يعملون في المؤسسة الرسمية عن سبب تهافت المكافآت التي تمنح للناقد – والكاتب -يتعلل بفقر الميزانية . وحين تواجهه بأن هذه الميزانية قد اتسعت للإنفاق السخي على كثير من ( الشكليات ) والتظاهرات غير المجدية ، وأن الأجدر إنفاق القسم الأعظم في دعم المواهب الشابة الحقيقية ( لا المُوصى بها ) ، ودعم كبار الأدباء والنقاد الذين يتم استئجارهم في وضح النهار ، مثل كثير من الشعراء القُدامى الذين كانوا يدبّجون المدائح للخلفاء والأمراء مقابل أكياس الذهب . وقد قيل لأحد هؤلاء الشعراء ( لا أذكر اسمه الآن ) إنّ شعره في مدح فلان أقوى من شعره في رثائه ، فقال إنه – يوم ذاك – كان يمدح طامعا في العطاء ، أما بعد موت الممدَّح ، فهو يرثيه مدفوعا بالوفاء ، وشتّان ما بينهما !
المؤسفُ أنّ العقد المُعلَن – الخفي – الذي تم بين أدعياء الكتابة ، وبعض النقاد الحقيقيين ، نتج عنه مشهدٌ ثقافي مؤلم ، ومزيف في الوقت ذاته ، فالصورة العامة مُقبضة ، توهمك بفراغ البلد من المواهب الأدبية ، والأقلام الكبيرة ، تُوهمك بأننا عدنا إلى العصر الذي وُصف بعهد الضعف والانحطاط ، حيث تصدرت فيه الرداءة والركاكة ، فعُرف بها ، رغم اشتماله على ” مقدمة ابن خلدون ” و ” لسان العرب ” لابن منظور ، وغير ذلك .
لدينا أدباء حقيقيون ، بلا شك ، لكنهم غير قادرين ، دون دعم مؤسسي – ودعم من الضمير المجتمعي ، على مواجهة أيٍ من الطرفين : أدعياء الكتابة ، النقاد الداعمين لأدعياء الكتابة .
لدينا أدباء حقيقيون يعملون في بعض مواقع النفوذ ، بلا شك ، ويأنفون كل الأنفة ممّا يُسمى استغلال النفوذ ، لكنهم غير قادرين على الظفر بما يظفر به الأدعياء ، لأنهم لا يتسمون بالصفاقة . لدينا نقاد حقيقيون ، لا ينتصرون للأدعياء ، ولم يستسلموا بعد لهذه الضغوط القاهرة ، لكنهم يُعاقبون بالتجاهل – من الأطراف كافة ، فتدور الأمور حولهم دون أن يملكوا لها دفعا ، ودون أن يُستشاروا أو يُسترشَد بهم . لدينا جمهور من محبي الأدب – ومتذوقيه – لا يملكون إلا الامتناع عن حضور الندوات التي سطا عليها الادّعاءُ العريض .
لدينا بلد عظيمٌ ، له قدمٌ راسخة في الأدب والعلم والحضارة ، لكنه لا يملك إلّا الحسرة لما يرى من تفاصيل التآمر عليه من قبل أبنائه الذين شربوا من نيله ، لكنهم لا يغنون له ، بل يغتالونه !



