مَشية الغُراب . . صراع الأجيال والرهان على جمالية اللغة البَصَرية-عدنان حسين أحمد-الجزائر

اختار المخرج والروائي الجزائري خالد بن طبّال مع سبق الترصّد والإصرار أن يتخذ من صراع الأجيال موضوعًا لفيلمه الروائي القصير الذي تبلغ مدته 38 دقيقة، وهي مدة زمنية طويلة قياسًا بحدث القصة السينمائية للفيلم. فالقصة أو الثيمة الرئيسة لم تتشعّب كثيرًا، ولم تتشظَ إلى قصص أو حكايات ثانوية ولو شئنا الدقّة لقُلنا إنها تقوم على كذبة مُفادها أنَّ (مُوحًا) الذي أدّى دوره بشكل جيد الفنان شنين أحمد ادّعى بأنه يحتاج إلى العُشبة البرية لعلاج خالته من المرض الخبيث ولكنّ واقع الحال سيكشف لنا بأنه قد اتفق مع بروفيسور فرنسي عن طريق وسيط وباعها له بثمن باهض بلغ مئة ألف يورو. وعلى الرغم من ضيق الفضاء السردي وانحساره إلى حدٍ كبير إلّا أنه خدم الفضاء البَصَري كثيرًا وتركه يتمتع بحصة الأسد. وهذا يعني، من بين ما يعنيه المخرج خالد بن طبّال، أنه يراهن على اللغة البَصَرية والخطاب المرئي، ويضع الجانب السردي في المرتبة الثانية وهذا سرٌّ من أسرار نجاح الفيلم إضافة إلى عفوية الطرح وبساطته التي تُشبه كثيرًا (السهل الممتنع) الذي يمكن أن تُجارية ولكنك لا تستطيع الإتيان بمثله. ولعل هذه الفسحة التأملية التي تبتعد عن السرد كثيرًا وتراهن على اللغة البَصَرية هي التي سمحت للمخرج بن طبّال وكاتب السيناريو بن عثمان وائل لأن يروِّجا للجانب السياحي الذي يكشف عن جماليات المكان الصحراوي بتلاله الرملية الذهبية، وأفقه المفتوح على المدى الواسع، وسمائه المرصعّة بالنجوم. ولعل هذا الفيلم سيفتح أمام الجزائريين أفقًا جديدًا لم يرتاده الكثيرون من قبل خاصة وأنّ الصحراء الجزائرية تكاد تكون (كوكبًا قائمًا بذاته) لم تطأه أرجل العابرين من قبل إلّا ما ندر. من هنا يمكننا اعتبار (مَشية الغُراب) فيلم بَصَري بامتياز يُحقق لمتلقّيه نشوة كبيرة لا يمكن أن تغادره بسهولة.
شخصية إشكالية مُركّبة
وعلى الرغم من ترجيحنا للكفّة البَصَرية للفيلم إلّا أنَّ القصة السينمائية المُقتضَبة تنطوي على دلالات مهمة لا يمكن إهمالها أو غضّ الطرف عنها. فشخصية (مُوح) التي أشرنا إليها سلفًا هي شخصية إشكالية مُركبّة في أقل تقدير ويمكن أن تعود إلى رُشدها وسويّتها في لحظات الصفاء الذهني. وقد رأينا طريقة تعامله الفظّة مع صاحب المطعم واتهامه له بأنّ الوجبة التي أكلها لا تستحق السعر الذي دفعه مع أنه طلب سندويتشة إضافية يأخذها معه لكن تواصله الهاتفي مع الوسيط (جوزيف) هو الذي أنهى الإشكالية التي حدثت مع صاحب المطعم كما أن موعده مع البدوي (عبدالهادي) الذي جسّد دوره بإتقان (شتيوي الأخضر) الذي يخوض تجربة التمثيل أول مرة ونجح في ذلك إيّما نجاح الأمر الذي يكشف لنا أنَّ المخرج خالد بن طبّال قد بذل جهدًا كبيرًا في تدريب الشخصيات التي قَدِمت من خارج الوسط الفنّي وهي كثيرة في هذا الفيلم على وجه التحديد من بينها عائلة (عبدالهادي) برمتها والشاعر (مفيصل محمد) إضافة إلى الأصدقاء والمعارف الذين كانوا يحيطون به وهو مُوزَّع بين حلاقة رأسه وتلاوة قصائده الشعرية (الملحونية).
ولكي يلامس المخرج ثنائية التراث والحداثة أو القديم والجديد أشارت والدة (عبدالهادي) إلى حكاية (نسرين) بنت (وريدة) التي سرقوا لها حقيبتها اليدوية في السوق ليلًا وتُعلل ذلك بأنّ فتيات اليوم يتباهين بارتداء الملابس الضيّقة، ويتجولن في الأسواق بينما لا يرى (عبدالهادي) فرقًا بين الرجل والمرأة فحينما يتخلى الرجل عن مزرعته وماشيته يُصبح كالعبد الذي يعمل لإرضاء سيده. كما ينتقد أولاد هذه العوائل الذين لا همّ لهم سوى استعمال الهواتف النقّالة والحبوب المُهلوِسة فلا غرابة أن يقلق على ولده (سالم) ويخشى عليه من التشبّه بنمط حياة الجيل الجديد الذي يقلّد الغرب في أشياء كثيرة.
ترجمة الشعر الملحون
ولكي يتعمّق المخرج في إيضاح الهوّة الشاسعة بين التراث والمعاصرة يقدِّم لنا مَشهدًا آخرَ يجمع بين الشاعر البدوي (مفيصل محمد) مع بضعة أصدقاء وهو يروي لهم الشعر الملحون باللهجة البدوية وحسنًا فعل المخرج بن طبّال حينما فصّح الحوار برمته وبضمنه القصائد التي كان يتلوها هذا الشاعر أو غيره من شخصيات الفيلم مثل (عبدالهادي). وبما أنّ هناك أكثر من قصيدة ملحونية تُطرِّز متن النص السردي لهذا الفيلم فسنكتفي بالإشارة إلى مضمون واحدة منها لأنّ تفصيح هذه القصيدة الملحونية لم يكن موفقًا تمامًا إذ فقدت الإيقاع، وغابت المعاني الرصينة التي يمكن أن تجدها في هذا النمط الشعري البدوي وكان يجب أن تُترجم إلى اللغة العربية الفُصحى بجزالة أقوى مما هي عليه الآن خاصة وأن ثيمة القصيدة تدور حول مناجاة الإبل وهي تتحدث عن الرعاة الذين ساقوها إلى الجزّار الذي نحرها بدوره بعد أن أخذوا الحِيران الذين كانوا يلعبون جوارها، كما نسوا أفضال الإبل التي كانت تُقلهم على ظهورها وتجوب بهم الفيافي القاحلة، وتُقدِّم لهم الحليب اللذيذ الذي يشفيهم من الأمراض التي كانت تلمُّ بهم بين أوانٍ وآخر.
ليس غريبًا أن يشكو الشاعر البدوي (مفيصل محمد) عندما جاءه الشاب الحضري (موح)، المتشبِّع بالتكنولوجيا الحديثة والمتمرد على العادات والتقاليد الاجتماعية البدوية منها على وجه التحديد وسأله مباشرة من دون تحية أو سلام عن مسكن (عبدالهادي) بينما تقتضي الأعراف الاجتماعية المُحافظة أن يُلقي التحية وأن يُبدي قدرًا معقولًا من التقدير والاحترام لكل الجالسين قبل أم يطرح عليهم هذا السؤال وكأنهم خدم يعملون في حضرته.
يُوحي (موح) دائمًا بأنه على عجلة من أمره وكأنّ همّه الوحيد هو الحصول على العشبة التي تعالج مرض خالته الخبيث كما ادعّى لكننا سنكتشف النقيض تمامًا حينما يعترف في خاتمة المطاف بأنّ هذه القصة لا أساس لها من الصحة وأنّ همّه الوحيد هو الحصول على ثمنها الباهض.
ثيمة أقرب إلى الحكمة والقول المأثور
تتوفر قصة هذا الفيلم على ثيمة محددة تكشف لنا أنّ وراءها كاتب سيناريو محترف تعاونَ مع المخرج صاحب الفكرة فاجترح لنا هذه الثيمة التي أوجزها الشاعر البدوي (مفيصل محمد) حينما قال مُخاطبًا (عبدالهادي) بلغة هي أقرب إلى الحكمة والقول المأثور: (إلبس مَقاسَكَ، ونافِس عدوّكَ، وأمشِ مع منْ يعرف قيمةَ أبيكَ وجدك، ولا تمشي مَشية الغُراب وتضيّع أصلكَ، وينفد جهدك).
لا شكّ في أنَّ عقلية (موح) مختلفة، وطريقة تفكيره مغايرة للبدوي (عبدالهادي) وبسبب نَفَسه الحضري فإنه لا يجد غضاضة في رفضه لأن يضع البدوي قِربة الماء في سيارته بحجة أنه جلب الكثير من قناني المياه المعدنية ثم يتجاذبان أطراف الحديث عن يوسف أو (جوزيف) الذي أرسل (موحًا) لجلب العشبة الصحراوية التي تعالج المرض الخبيث. لقد نسي (عبدالهادي) أن يجلب الحاجيات التي أشترها أمه لـ (سالم) لكن الحضري رفض العودة لأنه في عجلة من أمره. ولكي يعمّق (موح) الفروقات الكبيرة بين المدينة والصحراء تأفف من النفايات والدخان والروائح الكريهة التي تفوح من المدينة فطلب من (عبدالهادي) أن يضمّخ جسده بالعطر الفرنسي الذي أرسله (جوزيف) لكنه رفض وسنعرف لاحقًا أنّ العطور تضرُّ بالحِيران الصغيرة وأنها تموت إذا شمّتها فلا غرابة أن يضعوا القطران في أنوفها لكي لا تذهب ضحية لهذه الروائح القادمة من الغرب. ومن خلال شخصية (يوسف) الذي هاجر إلى فرنسا يثير المخرج وكاتب النص سؤال الهجرة ويصف (يوسفَ) بأنه محظوظ لأنه هاجر ولا يجد حرجًا في القول بأنه سوف يهاجر لأنه لا يستطيع العيش في البلد الذي أنجبه فتأتي نصيحة (عبدالهادي) قوية صارمة: ( لا تترك أرضك وأرض أجدادكَ كما هم لم يتركوا أرضهم). تركِّز قصة الفيلم على الفروقات بين الإنسان الحضري القادم من المدينة وبين البدوي المُنبثق من الصحراء. فالحَضَري يرى أنّ حياته منظّمة بالكامل فيها الماء والكهرباء والغاز والمستشفيات وحتى وجبات الطعام تأتيه إلى المنزل كلّما طلبها. وهو يعيش كالسلطان في المدينة. بينما يصرّح (عبدالهادي) بأنه لن يعيش في المدينة حتى لو كان هو السلطان نفسه.
المسير على هَدي النجوم
تعلق السيارة في رمال الصحراء الهشّة ويتعطل جهاز الـ GPS (نظام التموضع العالمي) وطلب منه أن يطفئ مُحرِّك السيارة ليشرح له الطريق وفقًا للمسير على هدي النجوم مثل (بنات نعش الكبرى)، النجوم السبعة المضيئة لصفحة السماء. والنجم القطبي الذي يعرف محليًا (بالهادي) وهو ألمع نجم يحدّدون بواسطته الجهات الأربع. وبما أنّ عبدالهادي يعرف المسير ليلًا بأكثر من طريقة كالنجوم والحجارة فإنه يهتدي بسهولة إلى المكان الذي ترعى فيه إبله. وهناك يلتقي (مُوح) بـ (سالم)؛ ابن (عبدالهادي) الذي يرحِّب به ويخبره بأنّ البيت بيته وسوف يتبنّى هذا الصبي اللمّاح العثور على العشبة الصحراوية وقلعها من جذورها. يدور حديث بين الاثنين فنكتشف أنّ (سالمًا) لا يتردد إلى المدينة إلّا في مُدد متباعدة فيدعوه الضيف إلى زيارة المدينة والاستمتاع بأشياء كثيرة من بينها المسبح أو البلاي ستيشن وما سواهما. يصوِّر الحضري العُشبة الصحراوية ويعود وكأنه يحمل في يده كنزًا ثمينًا ويُقرِّر العودة إلى المدينة. ولأن (عبدالهادي) يخشى على ضيفة من الضياع في متاهة الصحراء يُعطيه جهاز الـ GPS الذي حصل عليه من سائح أجنبي التقى به ذات مرة في مضارب الصحراء الشاسعة لأنه لا يحتاج إلى مثل هذا الجهاز الثمين فهو يتقصّى طرق الصحراء بالنجوم والحجارة.
يُشكِّل اعتراف (موح) بتأنيب الضمير الذي انتابه بعد الخدمات الكثيرة التي قدّمها له (عبدالهادي) نقطة انعطاف أساسية في قصة الفيلم، فقد تخلّص من كذبته الكبيرة، واعترف بالفم الملآن بأنّ الذي دفعه للعثور على هذه العشبة الصحراوية هو الثمن الباهض الذي حصل عليه من البروفيسور الفرنسي وليس مرض خالته الخبيث كما ادعّى. ولكي يجازي (عبدالهادي)؛ هذا الرجل الصحراوي، نقي السريرة، فقد باح له بالحقيقة الصادمة، وقرر أن يتقاسم معه الأموال التي سيحصل عليها وكل الذي طلبه هو أن يسامحه على الخطأ الكبير الذي ارتكبه بحقه، وأن يعفو عنه لأنه وجد فيه كل الخصال الحميدة التي تؤكد أصالة ابن البادية ورُقيّه في التعامل مع أبناء المدينة الذين غيّرتهم منظومة القيم المستوردة من الغرب الأورپي ليبرهن لنا المخرج المبدع خالد بن طبّال تمسّكه بالقيم المُحافظة على حُب الوطن وتراث الأجداد. وحينما يودّعهم الحضري يسأله الصبي عن اسمه فيقول بأنه (محمد) وليس (مُوحًا) في إشارة واضحة للتغيّير الجذري الذي حدث في قناعاته السابقة، وها هو يعود إلى أصله العربي الذي بات يفتخر به الآن بعد أن تخلّص من المؤثرات الغربية الطارئة التي شوّشت ذهنه لمدة طويلة من الزمن.
المخرج والروائي المُلثّم
جدير ذكره أنّ لجنة تحكيم الأفلام الروائية القصيرة التي تألفت من الناقدة السينمائية الفرنسية من أصول لبنانية هدى ابراهيم رئيسًا، وعضوية الناقد السينمائي الألماني طلال عفيفي من أصول سودانية، والناقدة الفرنسية من أصول جزائرية نورة حمدي قد منحت فيلم (مَشية الغُراب) تنويهًا خاصًا لأنه يتوفر على معطيات فنية وجمالية عديدة لاقت صدى لدى النقاد والمتلقّين على حدٍ سواء. لا بد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أنّ المخرج خالد بن طبّال هو روائي جزائري أصدر حتى الآن روايتين وهما (روح تنتقم من البدو) و (مدامع تلعقها الجن) التي ينوي تحويلها إلى فيلم روائي يحمل عنوان (مراقص الجن). سبق لخالد بن طبّال أن أنجز فيلم (النزيف) وشارك في ورشات تدريبية متخصصة في صناعة الأفلام الوثائقية والقصيرة. وفي الختام لا بد من الإشارة أيضًا إلى أنّ المخرج خالد بن طبّال هو المُشارك الوحيد في الدورة الثانية عشر لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم قد حضر حفليّ الافتتاح والاختتام وبعض أيام المهرجان بزيّه البدوي الملثم الذي يُذكرنا بزيّ الطوارق الذي أثار انتباهي وفضولي المعرفي فسألته: ما الذي تفعله يا سيدي في هذا المهرجان السينمائي؟ فأجاب: أنا مُخرج وكاتب روائي جزائري قَدِمتُ من ورقلة إلى العاصمة لأحضر فعّاليات هذالمهرجان الجزائري الدولي للفيلم فكان مفاجأة المهرجان التي لم تغادرني، ولم تغادر ذاكرة الكثير من الحضور، حتى الآن.





