أكناو . . تحفة بَصَريّة تنأى عن الخيال والتشويق الدرامي – عدنان حسين أحمد-الجزائر





يجمع فيلم (أكناو) للمخرجة الجزائرية حوريّة حمادوش بين تقنيتيّ الفيلم الوثائقي والإثنوغرافي في آنٍ معًا. وهي تسعى بشكلٍ محموم لترسيخ نزعتها الإثنوغرافية في توثيق ثقافات الشعوب، ودراسة عادات وتقاليد الأعراق والإثنيات الاجتماعية والدينية والروحية دراسة ميدانية عميقة. تركِّز حمادوش في هذا الفيلم الإثنوغرافي على رصد الظواهر الثقافية والاجتماعية والدينية بهدف توثيقها وتحليلها بطريقة علمية تنأى بها عن عناصر الخيال والتشويق الدرامي الذي يهدف إلى الترفيه والإبهار المؤقت.
لو تأملنا فيلم (أكناو) جيدًا لوجدناه يركّز على أصول موسيقى (الديوان) أو (الگناوي) وطقوسه الروحية. وقد نجحت المخرجة حمادوش في استقطاب اثنا عشرة شخصية تجمع بين المعلمين والمقاديم والفنانين والأكاديميين الذين قدّموا معلوماتهم العلمية القيّمة بطريقة مُقنعة لا يرقى إليها الشك الأمر الذي يجعلها مادة ترقى إلى مستوى الوثيقة التي يمكن أن تعتمدها الدراسات والأبحاث الأكاديمية. وإذا كان الفيلم الوثائقي يتشظّى في ثيماته وموضوعاته المتنوّعة فإن الفيلم الإثنوغرافي يقتصر على معايير منهجية مُحددة لا تخرج عن إطار العلوم الاجتماعية التي تتعلق بثقافات الشعوب وعاداتها وتقاليدها الاجتماعية وطقوسها الدينية التي أشرنا إليها سلفًا. ويمكن أن نشير إلى فيلم (نانوك ابن الشمال) للمخرج الأمريكي روبرت ج. فلاهرتي الذي أنجزه عام 1922بوصفه أقدم الأمثلة على الأفلام الإثنوغرافية التي وثّقت حياة شعب (الإنويت) في القطب الشمالي.
لا تقتصر موسيقى (الديوان) على الجزائر حسب فهي قريبة إلى حدٍ بعيد من موسيقى (الگناوة) في المغرب والسطمبالي في تونس والماكيلي في ليبيا إذ تشترك جميعها في أصولها الإفريقية ووظائفها الثقافية والاجتماعية والروحية.
يُفيدنا الدكتور بوشيخي علي؛ المتخصص بعِلم الاجتماع، أنَّ موسيقى (الديوان) لها تاريخ قديم جدًا يعود بحسب بعض المتخصصين في هذا المجال وخاصة علماء الموسيقى العِرقية Ethnomusicologists إلى القرن السادس أو السابع. ويرى بوشيخي أنَّ (الديوان) قد جاء نتيجة للتبادلات التجارية والقوافل التي تأتي من الجنوب وخاصة السودان التي تعني في ذلك الوقت غينيا ومالي وبعض البلدان المتاخمة للحدود الجزائرية. ويخلص بوشيخي إلى أنّ (الديوان) هو موسيقى ذات بُعد اجتماعي وثقافي وروحي وديني.
المصطلحات الغامضة
يسلِّط الفنان سلطان گناوة الضوء على كلمة گناوي ويرى أنها مشتقة من اسم غينيا Guinea أو كينيا العظمى Great Kenya التي تقع ضمن الإمبراطورية الإفريقية وعاصمتها (مالي) الحالية. فيما يذهب البعض إلى أنها مُشتقة من كلمة (أكناو) البربرية التي تعني الرجل الأبكم أو الأخرس ولكنها تعني في هذا السياق أنَّ الرجل الگناوي يتكلم بمصطلحات غامضة. ويرى سلطان أنّ كلمة الديوان تعني المجلّد الذي يضمّ أغاني الگناوة، بينما يرى آخرون أنَّ كل ما هو مُدوّن ومجموع يُعدّ ديوانًا. يرى سلطان أنّ هناك ثلاث لغات في موسيقى الگناوي وهي الحوساوية في الجزائر والبمبراكية في المغرب والفولانية في تونس. وهذه هي اللغات أو المدارس الثلاث للگناوة التي كانت سبع مدارس قبل ذلك التاريخ لكنهم تخلوا عن أربعٍ منها ليس لأنها غير أساسية لكنّ الناس ابتعدوا عنها وأبقوا على المدارس الثلاث التي أشرنا إليها توًا. ويمضي سلطان في الحديث عن آلة الگُمبري Guembri التي تُعرف أيضًا بـ (السنتير) و (الهجهوج) وهي آلة موسيقية وترية يقول البعض أنّ صندوقها الصوتي يمثِّل قبرًا فيما يذهب البعض الآخر إلى أنه يُحيل إلى شكل السفينة التي كانوا يسافرون على متنها من إفريقيا إلى أوروپا ومنها إلى أمريكا. لا يرى سلطان أنّ الصندوق الصوتي يمثّل قبرًا لأنّ الموت حق ولكنه يرى أنّ هذا الشكل يمثل سفينة يعزفون عليها حيث تأخذهم إلى عالم آخر وأنّ الموسيقى تلامس سمع المُسافر وتغريه بالدندنة. تطوّرت الگناوة مع مرور الزمن وحينما دخلت إلى المغرب العربي سُميّت بالتگناويت ورفضوا أن يغيّروه لأنهم أرادوا الحفاظ على هذا الاسم الأمازيغي Aknau وعندما دخل الجزائر أسموه بـ (الديوان) الذي يحتوي على أبراج عديدة تنطوي على قصائد وأغانٍ ومدائح كثيرة.
لا يتوسّع المعلم بومدين صالحي في الحديث عن آلة الگُمبري ويكتفي بالقول إنها آلة موسيقية إفريقية يتكوّن سطحها من جِلد الجَمل وأوتارها مصنوعة من أمعاء الماعز.
معاناة العبيد والمستضعفين
يتحدث الفنان والدراماتورجي إلياس غالم بوعجاج عن فضاء الموسيقى ومقامات الديوان التي تُدخلك في ذلك البُعد المصنوع من عطر ورائحة الجاوي وبقايا البخور الذي تراه أما عينيك وتسمع القصيدة بأذنيك فتنتشي حسيًا وتنتقل إلى عالَم آخر. تحدث الياس عن معاناة العبيد والمستضعفين الذين يعملون نهارًا وفي الليل يعقدوا جلسة يعبرون فيها عن معاناتهم كأنهم يضربوا بطونهم بالسكاكين. فيما يتحدث يوسف معزوز عن (جنغري ماما) التي تعني (أنا جائع يا ماما) ليعبِّروا عن المجاعة التي تضربهم بين أوان وآخر.
يتوقع المعلّم يوسف معزوز أنّ الگناويين كانوا يجلسون ويتناقشون مع بعضهم بعضًا ليوضحوا معنى البرج فثمة أبراج خُلقت في شمال إفريقيا وربما هم الذين أضافوا إليها الفضاء الموسيقي وركبوا عليها الأغاني الإسلامية. يعتقد المعلم يوسف أنّ الگناويين جلبوا هذه الطقوس من إفريقيا السوداء نتيجة لجهلهم لكنّ الإسلام الحنيف هو الذي أوقف هذه الترهات ومن بينها أنّ الشخص الذي يذبح الثور كان يضع حجرة في فمه لكي لا يبسمل ولا يُكبِّر. ويرى بأنّ هؤلاء الأفارقة هم الذين جلبوا السحر والشعوذة وأشاعوه بين الناس لكن الإسلام شذّبهم رويدًا رويدا.
كثيرة هي المواقف القاسية التي رصدها هذا الفيلم ولعل أبرزها جلد الذات سواء بالعصي المطاطية أو طعن وتمزيق البطن بالسكاكين وإسالة الدماء الكثيرة منها. كما أنّ ذبح الثور لم يخلو من مَشاهد عنيفة سواء في تكتيف قوائمة الأربع أو في ذبحه أمام أعين الجميع من دون أن يهتز لهم جفن.
إنّ (الديوان) هو لون موسيقي روحي تقليدي ينتشر في مناطق الجنوب الغربي من الجزائر، خاصة بين ولايتيّ بشار وسيدي بلعباس و القطاع الوهراني عامة في الإحاطة بها سواء ما يتعلق منها بالمعلمين والمقاديم والعريفات والقناديز .كما ركزت المخرجة وكاتبة السيناريو حورية حمادوش على آلة الگُمبري وما يرافقها من القراقب والطبول، ولم تنسَ الإشارة إلى الملابس المبهرجة التي يرتدونها في هذا الطقس الروحاني أو الديني. فهو مزيج من ممارسات طقسية إفريقية قادمة من مناطق متعددة تمتد من السودان إلى مالي وصولًا إلى الشمال الإفريقي حيث تتلاقح بالعناصر الصوفية الإسلامية. لقد استقرت هذه المجموعات متعددة الأعراق والثقافات بين مكوِّنات الشعب الجزائري واندمجوا فيها إلى درجة التماهي لكنهم حافظوا على طقوسهم الموسيقية التي تعبِّر عن ذاكرتهم الثقافية والدينية التي أطلقوا عليها اسم (الديوان).
لا بدّ من الإشارة أنّ احتفالات الديوان تُقام في فضاء مغلق يسمّى (الطرح) الذي يُشترَط أن يكون طاهرًا يشرف عليه المقدم وهو الشخص المسؤول عن تنظيم الطقوس وقيادة المشاركين. أمّا المعلّم فهو عازف الگُمبري ويساعده الشاوش في التنظيم. لا يُعتبر الغناء في الديوان غناءً بالمعنى المتعارف عليه وإنما هو أداء روحي يفضي بالمشاركين فيه إلى (الجذبة) فيما يأخذه البعض كنوع من التضرّع الذي يؤدي وظيفة علاجية للشفاء من بعض الأمراض الجسدية أو الروحية ووسيلة للتواصل مع الذاكرة الجمعية للأجداد.
نداء المحبة
تختم المخرجة حورية حمادوش فيلمها الإثنوغرافي بتتويج السيد وحيد برتبه مقدّم بعد أن بخّروه بالجاوي وبدا بلباسه الجميل وهو يصيخ السمع إلى رجل كبير يسرد على الحاضرين ما تعلّمه من الشيوخ الكبار حيث تأخذ الكلمات معانٍ حقيقية ورمزية كالحليب الذي يجعل قلوبنا بيضاء، والتمر الذي حلّى به الرسول الصيام وتمنى أن يحلّي كلامه وكلام الجميع، والشمع لكي يضيء حياتنا في الدنيا والآخرة وهذا الأمر ينحسب على أمور كثيرة من بينها الرائحة والطعام وما إلى ذلك. وتمنّى على الجميع أن يحبّوا بعضهم بعضا.
بقي أن نقول بأنّ حورية حمادوش هي مخرجة، وناقدة سينمائية، وممثلة مسرحية وسينمائية، ومؤطرة ورشات تكوينية في المكياج الفني ومؤثراته الخاصة. درست علم الاجتماع في جامعة الجيلالي اليابس سيدي بلعباس سنة 2016-2017 . وحصلت على شهادة الماجستير في النقد السينمائي من الجامعة نفسها سنة 2022 . مثّلت في عدد من الأعمال المسرحية والسينمائية من بينها (القابض على الشمس) و (تجاعيد) و (لنعش معًا بسلام) و (الذاكرة الصفراء). كما مثّلت في الأفلام الروائية القصيرة من بينها (كلانديستان) و (كونسار) و (فجر الحمام) و (حليم الرعد). أمّا رصيدها الإخراجي فقد بلغ ثلاثة أفلام وهي على التوالي: (محجوبة) وثائقي، و ( پارانويا) روائي قصير، وفيلم (أكناو) أثنوغرافي وثائقي طاف خمسة مهرجانات عربية في فلسطين وتونس ومصر والمغرب ثم عُرض مؤخرًا في صالة (كوسموس) في الدورة الثانية عشر لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم سنة 2025.





