العدد الرابع والعشرون من مجلة (السينمائي):قراءة نقدية موسّعة في ملف (سينما المرأة في العراق)عدنان حسين أحمد-لندن

يُتحِف القائمون على مجلة (السينمائي) قرّاءهم في كل عدد جديد بملف نوعي يُضيف لهم الكثير من المعلومات والمحاور والقضايا الإشكالية التي تتعلّق بالفن السابع الذي تتسع قاعدته الجماهيرية يومًا بعد يوم. وقد وقَع اختيار هيأة التحرير الموقّرة هذه المرّة على موضوع مثير للجدل ينضوي تحت عنوان (سينما المرأة في العراق). وقد اشترك في هذا الملف عشرة كُتّاب ونُقّاد ومُخرجين رصدوا هذا المحور من زوايا متعددة وناقشوه بدقة الباحثين الأُصلاء ودراية العارفين الخُلّص.
وقد استهل رئيس التحرير، عبدالعليم البنّاء، هذا الملف بمقال مكثف يفتح شهية القراءة جاء فيه: (أنَّ صانعات السينما . . يلعبنَ دورًا محوريًا في تقديم رؤىً إبداعية فريدة من تنويع القصص، وتعزيز التعبير الثقافي والاجتماعي، وتحدّي الأفكار السائدة، مما يُثري الصناعة ويجعلها أكثر تمثيلًا وتأثيرًا). أمّا الدكتور صالح الصحن الذي عوّدنا في مقالاته الرصينة السابقة على اجتراح الأفكار النوعية القيّمة التي تتدفق بسلاسة وعفوية كبيرتين حيث كتب مقالًا بعنوان (سينما المرأة . . سفارة للجمال) رصد فيه ظهور المخرجة الفرنسية أليس غي بلاشيه وهي مخرجة سينمائية رائدة أنجزت أول فيلم لها يحمل عنوان (لافي أوشو) سنة 1896 وهو سبق مهني يُحسب لها بينما كان في هوليوود عشرات المُخرجات اللواتي حققنَ قصب السبق في إنتاج أفلام مهمة جدًا حصل بعضها على الأوسكار مثل فيلم (خِزانة الألم) 2009 للمخرجة الأمريكية كاثرين بيغلو، و (نومادلاند) 2020 للمُخرجة والمُنتجة الصينية كلوي تشاو، و (قوة الكلب) 2021 للمُخرجة النيوزلندية جين كامپيون. يقدّم الباحث صالح الصحن باقة من المخرجات والمُصورات العراقيات في الداخل والخارج بلغ عددهن 34 مبدعة بينهنّ 16 مُخرجة عملنَ في السينما والتلفزيون وقدّمنَ مسلسلات وبرامج وفعاليات أُخر وأثْبتنَ نجاحًا ملحوظًا في العمل الإخراجي وهنَّ على التوالي: رجاء كاظم، حمدية عبدالكريم، فردوس مدحت، إلتفات عزيز، عواطف نعيم، انتصار عبدالجبّار، الراحلة مُنتهى محمد رحيم، سعاد السامر، رضية محمد علي، زهراء غندور، فوزية توفيق، خيرية عبّود، ميديا فخرالدين، إيمان خضيّر، منى الكاظمي، شهد الطائي، إضافة إلى خيرية المنصور التي سجّلت رقمًا قياسيًا في الأعمال السينمائية والتلفزيونية. ولم ينسَ الباحث الإشارة إلى المُصورتين سناء عبّاس وإقبال الخالدي. وذكر في السياق نفسه المُخرجات العراقيات المُقيمات خارج البلاد وعددهنَّ 15 مُخرجة يتوزعنَ في مختلف المنافي الأوروپية والأمريكية. يحثّ الدكتور صالح الصحن إلى إعادة تأهيل 100 فيلم عراقي قديم وعرضها من جديد لكي يُتيح للسينمائيين الإطلاع على العديد من النساء اللواتي انهمكنَ في ذلك الوقت في مختلف المهن والعمليات الفنيّة. كما دعا إلى تأسيس (رابطة المرأة السينمائية) وخلْق صرح سينمائي نسوي له كيان مستقل فنيًا وإداريًا.
مُبدعات في غياهب النسيان
يكتب الأستاذ الدكتور طه الهاشمي مقالًا بعنوان (المرأة في السينما العراقية . . مُبدعات في الظل وثروة مهدورة) يُركِّز فيه على خمس نساء معنيات بالسينما العراقية وباختصاصات مختلفة تجمع بين الإخراج والتنظير والإدارة الفنية حيث استهل المقال بالحديث عن الدكتورة بان جبّار خلف التي قال عنها بأنها أستاذة أكاديمية درّست أجيال من مُبدعي السينما العراقية وقد أصدرت حتى الآن كتابين مهمّين وهما (السينما التجريبية وتأويل النص الشكسپيري) و (فن القصة القصيرة والفيلم) وهذا الأخير بالاشتراك مع الدكتور الهاشمي نفسه. أمّا فيلم تخرجها فهو (زمن رفعت نادر) المُقتَبَس عن قصة لعبد الستار ناصر وقد حصد هذا الفيلم الجائزة الأولى في الإخراج في مرحلة الثمانينات الأمر الذي أماطَ اللثام عن موهبتها الإخراجية.
يتوقف الهاشمي عند تجربة الدكتورة امتثال الطائي التي تُعدّ واحدة من التجارب الرائدة والنادرة في مجال الإدارة الفنية للسينما والتلفزيون خلال عقديّ الثمانينات والتسعينات؛ إذ ولجت مجال الديكور والإدارة الفنية بحرفية عالية ووعي جمالي متميز ، وساهمت في التشكيل البصري لعدد من المسلسلات العراقية لكنّ هذه التجربة المتفردة لم تلقَ العناية اللازمة فوجدت طريقها إلى أرفف النسيان من دون تدوين أو نقاش نقدي جاد، ولم يمنحها أحد الاعتراف الذي تستحقه.
وبما ينطبق الأمر نفسه على هيفاء الحبيب التي تركت هي الأخرى بصمة واضحة المعالم في الإدارة الفنية التي تُعتبر من أكثر مواقع الإنتاج حساسية ورهافة لكن تجربتها لم تلقَ الاهتمام المطلوب ولا الاحتفاء النقدي الذي يتناسب مع قيمتها الفنية.
لم يكن حظ المخرجة رجاء كاظم أفضل من قريناتها. ورغم أنها برزت في حقل الإخراج التلفزيوني وقدّمت أعمالًا درامية لافتة للانتباه لكنها حضورها ظلّ محصورًا في نظاق ضيق ولم تتحول تجربتها المتميزة إلى مدرسة إبداعية يُحتذى بها كما يتمنى الهاشمي.
ربما تكون خيرية المنصور هي الأوفر حظًا لأنها من أكثر الأسماء عطاءً وإنتاجًا فهي رائدة في مجال إخراج الأفلام الوثائقية والروائية حيث أنجزت أكثر من 40 فيلمًا وثائقيًا نال بعضها جوائز مرموقة وسوف يتحدث عنها أكثر من كاتب مُشارك في هذا الملف. كما أنجزت فيلمين روائيين كوميديين وهما 6 / 6 و 100 / 100 . أمّا أبرز أفلامها الوثائقية فهي (بنت الرافدين) و (الأنامل الساحرة) و (كنائس العراق) وما سواها من أفلام يتذكرها المُشاهد الكريم. ورغم هذه الشهرة الواسعة والنجاحات الكبيرة إلّا أنّ تجربتها الفنية ظلت بمنأى عن النقد والدراسة والاحتضان المؤسسي الذي يليق بإنجازاتها الفنية التي وضعت اسم السينما العراقية على قائمة المهرجانات العالمية التي يُشار لها بالبنان.
يعقد الدكتور الهاشمي مقارنة منطقية بين ثلاث مُخرجات عربية وهنّ اللبنانية نادين لبكي والمصرية كاملة أبو ذكري والسعودية هيفاء المنصور وبين المخرجات العراقيات عمومًا ويخلص إلى القول بأنّ المخرجات العربيات الثلاث اللواتي حققنَ حضورًا لافتًا في المهرجانات الدولية (ليس لأنّ موهبتهنَّ تفوق موهبة المخرجات العراقيات وإنما لأنهنَّ وجدنَ بيئة إنتاجية تحتضن الإبداع بغض النظر عن الجنس). كما يستشهد بمخرجات عالميات أمثال الأمريكية كاثرين بيغلو التي حازت على الأوسكار لأفضل إخراج والأمريكية غريتا غيرويغ والصينية كلوي تشاو اللواتي أصبحنَ نماذج حيّة في قدرة المرأة على قيادة أفلام ضخمة. وأنَّ المرأة العراقية إذا ما فُتح لها الباب قادرة على تقديم إبداعات مهمة تُعيد تشكيل هوية السينما العراقية من جديد.
يتناول الدكتور سالم شدهان تجربة المخرجة سيماء سمير سقطري الذي أنجزت ثلاثة أفلام قصيرة وهي: (وسط المدينة) و (زيرو ملم) و (ما حدث في الثامنة) التي تناولت فيها موضوعات المرأة في مجتمع ذكوري والطفولة وما إلى ذلك. وتوصلت إلى أنَّ السينما هي خطاب فني وفلسفي وعلمي وتقني وليس للمتعة فقط. جدير ذكره أنّ سقطري قد درست السينما وحصلت على شهادة الدكتوراه عن المخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو ومساهمته البارزة بأفلام ما بعد الحداثة.
معادلة الجذب الجماهيري
يركِّز الناقد علي الياسري في مقاله الموسوم (المرأة المُخرجة في السينما العراقية . . الحضور الفريد ومصاعب الاستمرار) على منجز خيرية المنصور الذي أشرنا إليه سلفًا لكنَّ ذلك لم يمنعه من الحديث المخرجة الفرنسية أليس غي بلاشيه، أول امرأة تُنجزُ فيلمًا روائيًا، والأمريكيتين لويس ويبر ودوروثي إيرزنر ثم يعرّج على أسماء أخرى معروفة مثل أنييس فاردا، ولينا فيرتمولر، وجين كامپيون، وكاثرين بيغلو اللواتي أشرتُ إلى البعض منهن قبل قليل. لقد استطاعت هذه الأسماء الإخراجية، كما يرى علي الياسري، أن تخلق لغة سينمائية تعكس جوهر المرأة ووجودها وطبيعتها الأنثوية وأفكارها برؤية سينمائية فريدة ومثيرة للاهتمام. ومن بين أرائه المهمة التي اجترحها عن خيرية المنصور بأنها قدّمت صورة مشرقة للإنسانية وكيفية تذليل المعوقات، وخلق الشخصية الفنية حيث صنعت لنفسها بصمة خاصة من خلال تولّيها الكتابة والإخراج معًا لتحقق معادلة الجذب الجماهيري لفيلم تجاري من دون أن تغفل عن معاييرها الفنية لتقديم نتاج سينمائي جيد تتحرك فيه الشخصيات بسلاسة بين الخاص والعام مع المحافظة على الإيقاع السردي بالمونتاج المتوازن.
تشخِّص المُنتجة هدى الكاظمي في (شهادتها الشخصية) غالبية مشكلات السينما العراقية كالإنتاج، وضعف التمويل، وابتعاد القطّاع الخاص عن الاستثمار، وفقدان ثقة الجمهور بالفيلم المحلي، وغياب التوزيع والتسويق، والنقص الشديد في الكوادار المتخصصة وما إلى ذلك. تروي الكاظمي بأنها حينما أسست (شركة عشتار العراق للإنتاج السينمائي) اختارت أن تكون الشركة بيتًا تقوده النساء ومعهنّ استطاعت أن تُنجز تسعة أفلامً مهمة وهي على التوالي: (موصل 980)، (علي وخروفه المعجزة)، (ابن الحرب)، (ساعة السعادة في بغداد)، (لم تكن وحيدة)، (مدينة تحت الصفر)، (كلشي ماكو)، (جنائن معلّقة) و (البصيرة). تعتقد الكاظمي أنّ مشاكل السينما العراقية ليست بسبب المجتمع أو الدولة دائمًا وإنما هي في داخل النساء أنفسهن. وأشارت إلى أنَّ السينما في كوردستان العراق تتقدّم بخطىً سريعة ويحضر فيها النساء أكثر من وسط وجنوب العراق. وترى أنَّ الإبداع في النهاية لا يعرف سوى من يمتلك الشغف والقدرة على الاستمرار حتى النهاية.
نساء عراقيات خلف الكاميرا
كعادته دائمًا يُتحفنا الناقد والمؤرخ الفني مهدي عباس بمقالة ببليوغرافية مهمة تضم 30 مخرجة عراقية يقمنَ داخل العراق وخارجه. جاءت المقالة تحت عنوان (نساء عراقيات خلف الكاميرا) وقسّمها إلى قسمين أساسيين حيث يضم القسم الأول مخرجات الأفلام الروائية وهنَّ: (خيرية المنصور) التي درست المسرح ثم عملت مع عراقيين وعربًا أمثال عبدالهادي الراوي، وصاحب حداد، ويوسف شاهين، ومحمد راضي، وحقق فلماها الكوميديان نجاحًا كبيرًا. كما أنجزت أفلامًا قصيرة ووثائقية حصدت الكثير من الجوائز، وأصدرت كتابًا عن تجربتها مع المخرج يوسف شاهين.
والمخرجة الثانية هي سولين يوسف المُقيمة في ألمانيا والتي عرفها الجمهور حينما فاز فيلمها (نحبّك) بجوائز سينمائية مهمة. قدّمت في عام 2015 فيلمها الروائي الطويل الأول (بيت بلا سقف) ولم تُكرِّر هذه التجربة رغم نجاح الفيلم وذيوع صيته.
أنجزت المخرجة العراقية الكوردية ڤيان مايي التي درست السينما والإعلام في السويد وأخرجت ثلاثة أفلام قصيرة قبل أن تضع اللمسات الأخيرة على فيلمها الروائي الطويل الأول (دو ژ) أو (القضية) ونتمنى أن تردف هذه التجربة بفيلم جديد نترقّبهُ على أحرّ من الجمر.
أمّا المخرجة العراقية ميسون الپاچه چي التي درست السينما والفلسفة في العراق وأمريكا وبريطانيا فقد أخرجت العديد من الأفلام الوثائقية. كما أنجزت فيلمها الروائي الطويل الأول (كلشي ماكو) عام 2021 تناولت فيه الأوضاع في العراق بعد عام 2003.
لا يمكن التوقف عند مخرجات الأفلام القصيرة والوثائقية لأنَّ عددهنَّ كبير وسنكتفي بالإشارة إلى أسمائهنَّ فقط وهنَّ كالآتي: أندلس البكري، إنعام عبدالمجيد، إنعام كچه چي، إيمان خضيّر، إيمان فارس، بافي ياسين، پيمان كريم، حمدية عبدالكريم، دعاء علي، دُنيا قباني، دوان نوزاد، رانيا محمد توفيق، رجاء كاظم، زهراء غندور، سُعاد السامر، سما وهام، سيماء سمير، شمس التميمي، طيبة غسّان، عايدة شليفر، عذراء ياسين، فاتن كريم، كاردينا هيمن، نادية شهاب، ورود العزاوي وعشتار الخرسان.
قاصة شغوفه بالفن السابع
تتميز مقالات الناقد السينمائي علاء المفرجي بالدقة والتركيز والتقشف الذي ينقذ القارئ من الترهل والإسهاب الفائضين عن الحاجة. فمنذ البداية يخبرنا المفرجي بأنه (يتحفظ على كل من يجنّس الإبداع). كما اختار المفرجي بثينة الناصري، وهي سينمائية عراقية لم ينتبه إليها الكثير من النقاد السينمائيين العراقيين، ليس لأنها غير معروفة أو تقيم في مصر (معقل السينما العربية) وإنما لأنها تعمل بصمت ومن دون ضجيج إعلامي. فهي قاصة مشهورة من جيل الستينات المعروف عراقيًا وعربيًا وعالميًا. درست اللغة الإنگليزية في كلية الآداب بجامعة بغداد. وأصدرت مجموعتها القصصية الأولى (حدوة حصان) سنة 1974 وأردفتها بـ (وطن آخر) سنة 1994. بدأ شغفها بالسينما، كما يذهب المفرجي، عندما كتبت قصة في السبعينات بعنوان (سيناريو فيلم صامت) عن المأساة الفلسطينية ثم بدأت بكتابة السيناريو وإخراج الأفلام. ومن بين أفلامها (الزائر) و (حظ السلاحف) و (مفترق طرق) و(عباية ڤينوس) . ترى الناصري أنَّ التعبير بالكلمات قريب من التعبير بالصورة. وأنَّ الكلمة تُعادل لقطة الكاميرا. وهكذا فالجملة المفيدة في القصة تتكوّن من عدة كلمات، وكذلك المشهد يتكوّن من عدة لقطات في السيناريو. ومثلما يجب أن تكون الجملة مفيدة في الكتابة يجب أن يقول المشهد شيئًا مفيدًا في الفيلم. وهي ترى، كتحصيل حاصل، أنَّ المستقبل للصورة وليس للكلمة.
يرفد المخرج د. علي حنون الملف بمقال انضوى تحت صيغة استفهامية مفادها (نساء السينما أم سينما النساء؟) وكعادة المساهمين فقد أشار غالبيتهم إلى المخرجة الفرنسية أليس غي بلاشيه التي كسرت الهيمنة الذكورية المُطلقة على ميدان الفن السابع وفتحت بابًا إبداعيًا للنساء اللواتي جئن من بعدها ليخضنَ غمار الإخراج والإنتاج على وجه التحديد. وذكر حنون بأن بعض الممثلات غيّرنَ مواقعنَّ من أمام الكامير إلى خلفها أمثال أنجلينا جولي (في أرض الدم والعسل) وناتالي پورتمان في (حكاية الحُب والظلام)، وجودي فوستر في (الرجل الصغير تيت) وحققنَ نجاحات تجارية وفتحنَ باب الجدل بسؤال إشكالي: (هل هناك سينما نسائية وأخرى رجالية؟ وهل أنَّ السينما النسائية هي الأفلام التي تخرجها النساء وإن كانت موضوعاتها لا تقتصر على المرأة وقضاياها، وكذلك يشير في الوقت نفسه إلى الأفلام التي تخص المرأة وتناقش قضاياها وتجاربها وتحدياتها الاجتماعية سواء أكانت تلك الأفلام من إخراج النساء أم الرجال. يرى د. حنون أنَّ غالبية أفلام سينما المرأة بطولتها نسوية تتمحور حول شخصية المرأة التي تواجه صراعًا داخليًا أو اجتماعيًا كما هو الحال في فيلمه المعنون (سرّ القوارير) حيث قدّم شخصية مناهل التي جسّدتها الفنانة آلاء حسين كصورة للمرأة التي تقود صراعًا شرسًا ضد مجتمع ريفي ذكوري في خمسينات القرن الماضي. وفي فيلم (البيانو) للمخرجة جين كامپيون كان السرد من وجهة نظر امرأة صامتة تناضل للتعبير عن ذاتها. ويورد د. حنون أمثلة أخرى مثل فيلم (كراميل) لنادين لبكي و (على كف عفريت) للتونسية كوثر بن هنية، و (عدسات مفتوحة على العراق) لميسون الپاچه چي.
مساحة حُرّة للتعبير والاحتجاج
تختم المخرجة إيمان خضيّر ملف العدد بمقال عنوانه (المهمش والمسكوت عنه في السينما العراقية) وهي تشخِّص مثل كُتّاب ومخرجين آخرين مواضع الخلل في السينما العراقية والتحديات التي تواجه المخرجين من كلا الجنسين بدءًا من التمويل وانتهاءً بالتسويق. أنجزت إيمان منذ عام 2003 تسعة أفلام ديكو- دراما ووثائقيات وفيلم درامي واحد. وكما تؤكد دائمًا بأنها كانت حريصة لأن تنتمي إلى السينما المستقلة لتتحرر من الضغوط التجارية والقيود الآيديولوجية في محاولة للبحث عن مساحة حُرة للتعبير والاحتجاج ونقل صورة صادقة عن الواقع الذي ترصده في ظل أنظمة قمعية متسلّطة.
وظّفت إيمان خضير جهدها لحقوق المرأة كما في فيلم (عاملات الطابوق) وتناولت ثيمة الحرب الطائفية كما في (ظل الكونكريت) وسلّطت الضوء على موضوع السجون والتعذيب في فيلم (جدارية المطر). اشتغلت إيمان بميزانية محدودة جدًا في فيلم (صفر). ولجأت إلى الفيلم الديكو- درامي لسد الفراغ والتعويض عن المادة الأرشيفية في بلد نُهبت مؤسساته الأمر الذي أنقذها من السرد الممل وسهّل عليها توثيق موضوعات مسكوت عنها كما في فيلم (الملك فيصل الأول) الذي كشف الحقائق المركونة للروايات الرسمية. تتساءل إيمان خضير: هل السينما من صنع الرحال فقط ولماذا تتواجد مخرجة واحدة حتى في السينما الهوليوودية مقابل كل 15 مخرج؟ وأنَّ إجمالي عدد المخرجات في الأعوام العشرة الأخيرة هو 41 مخرجة في مقابل 625 مُخرج! وتخلص إلى القول بأنّ التمييز السلبي ضد النساء في السينما هو ظاهرة عالمية مذ بدأت السينما قبل مئة عام وحتى يومنا هذا.
ولكي لا تفوت القارئ الكريم المقالات الأخرى المنشورة في متن المجلة سنأتي عليها تباعًا مع ذكر أسماء الكُتاب المساهمين في هذا العدد الثري والمميز والمكتظ بالمعلومات السينمائية المهمة حيث كتب رئيس التحرير عبدالعليم البنّاء افتتاحية العدد بعنوان (نتطلع لمسيرة سينمائية مُكللة بالدعم المستقر). وكالعادة غطّت المجلة ثلاثة مهرجانات محلية وعربية وهي مهرجان بغداد السينمائي بنسخته الثانية التي حققت نجاحًا كبيرًا. ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي بنسخته السادسة والأربعين، ومهرجان الجونة الذي أسدل الستار على دورته الثامنة وتم تكريم الأستاذ انتشال التميمي لجهودة الكبيرة في تأسيس هذا المهرجان وترسيخه بين المهرجانات العالمية. وفي (حوار العدد) يلتقي الكاتب سعد نعمة بالفنان ناصر حسن، كما يكتب سعد نعمة أيضًا في حقل (سينمائيون عراقيون جُدد) عن المخرجة الكوردية كاردينا هيمن ويعرّف بأفلامها الأربعة ويكشف عن شغفها السينمائي الكبير. وثمة مذكرة تفاهم يوقعها الدكتور حكمت البيضاني مع الفنان المصري حسين فهمي. وفي باب (إنتاج مشترك) نقرأ عن فيلم عراقي تركي مشترك يحمل عنوان (بابل) للمخرجَين ذو الفقار المطير والتركي أحمد أوغلو. ويكتب الناقد السينمائي علي الياسري عن مؤتمر النقد السينمائي الدولي الثالث بالرياض. وفي حقل دراسات يتحفنا الناقد رضا الأعرجي بمقال عن (سينما المرأة: الفكرة والمصطلح). وفي باب النقد يكتب سمير حنّا خمورو عن الفيلم الإيطالي (بيرلينكوير: الطموح الكبير) للمخرج الإيطالي أندريا سيكري. فيما يكتب عدنان حسين أحمد مقالًا نقديًا عن فيلم (خطوة) للمخرج الكوردي العراقي مازن شيرابياني. كما يكتب استناد حدّاد عن أفلام الجاليات في أستراليا. ويختم د. جبار جودي هذا العدد بمقال يحمل عنوان (2025 كان فعلًا عام السينما العراقية).





