سينما ومسرح

عجائب الطبيعة العُمانية في شريط وثائقي مُبهر – عدنان حسين أحمد – لندن

صورة لمشاهد من فيلم "كنوز عُمان البحرية" تظهر مشاهد تحت الماء تشمل الحياة البحرية، بالإضافة إلى مقاطع للمخرج محمد الكندي ومشاهد من البيئة المحيطة.

لم يكن فوز الفيلم الوثائقي ( كنوز عُمان البحرية – محافظة مسندم) للمخرج العُماني محمد الكندي بثلاث جوائز دفعة واحدة مفاجئًا لنا أو لأي متلقٍ يمتلك خبرة بصرية جيدة تؤهله للتميِّيز بين الغث والسمين. فقد حصد هذا الفيلم باستحقاق كبير جائزتين ذهبيتين؛ الأولى في المهرجان الدولي الثاني للبيئة في رومانيا سنة 2012م، والثانية في مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون. كما نال الجائزة الثانية في مهرجان اتحاد إذاعات الدول العربية في السنة ذاتها. ظهر هذا الفيلم المتميز إلى الوجود بعد ست سنوات من تخرّج محمد الكندي ونيله شهادة البكالوريوس في الإنتاج والإخراج التلفزيوني والسينمائي من جامعة غرِيفِيث الأسترالية.

لم يكن إنجاز هذا الفيلم تلبية لرغبة عابرة قد تنتاب أي مُخرجٍ عُماني وإنما جاء نتيجة لتخطيطٍ مُسبق ودراسة مُعمّقة بأهمية الريادة وتحقيق قصب السبق في أن يكون أول مخرج تلفازي يغوص ويصوّر في أعماق بحار عُمان الثلاثة وهي  الخليج العربي، وبحر عُمان وبحر العرب بما تنطوي عليه من بيئات مختلفة ومُعطيات جغرافية متنوعة. الأمر الذي دفعه إلى تعلّم الغوص في أعماق قد تصل إلى 100 متر، وإتقان التصوير تحت الماء سواء أكانت الظروف ملائمة أو غير ملائمة. ربما يُحيلنا محمد الكندي إلى ديفيد أتينبارا صاحب (الحياة على الأرض) و (الاحتباس الحراري) وعشرات الأفلام الوثائقية الأخرى لهذا المخرج البريطاني الشهير، ولا أقول يُذكّرنا به كي لا نقع في فخ المبالغة والتهويل، فالكندي ما يزال يخطو خطواته الأولى في هذا المضمار الجديد الذي يرصد الطبيعة ويوثِّقها في بلده الجميل سلطنة عُمان غير أننا نعرف بأنّ (الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة) وقد جاءت هذه الخطوة الأولى قريبة من الاكتمال على الصعيد المحلي أو العربي في أقل تقدير. ولعل البعض يرى في هذا الفيلم (تُحفة فنية) أو عبورًا أوليًا على قنطرة مُدهشة ما مرّ بها عابر عُماني أو عربي من قبل.

وعلى الرغم من أنّ محمد الكندي قد كتب السيناريو وتولّى عملية الإخراج إلّا أنه أسند المادة البحثية العلمية المتخصصة إلى الدكتور حمد الغيلاني الذي يعمل في (مركز العلوم البحرية بوزارة الزراعة والثروة السمكية) مثلما سيسند عملية التصوير التي اشترك بها إلى سامي الريامي وبدر البلوشي. وهذا يعني أنّ الكندي لا يدسّ أنفه في اختصاصات الآخرين ولا يتطفّل عليها. ولعل هذا السلوك الحضاري هو أحد العناصر التي أفضت إلى إنجاز هذه التحفة الوثائقية العُمانية والعربية على حدٍ سواء. كما لعب قراءة التعليق بصوت المذيعة العُمانية بثينة البلوشية دورًا مهمًا في دفع هذا الفيلم إلى النجاح والتألق الذي نجم عن تظافر الجهود الجماعية التي توفرت لها عناصر الدعم والتمويل الكافيّين اللذين أوصلا الفيلم إلى هذه الدرجة من الدقة الموضوعية والإتقان شبه الكامل.

لا بدّ من التعريج على زمكان أي فيلم، فـ (كنوز عُمان البحرية) بجزئه الأول صُوِّر في عام 2011م، وهو للمناسبة أول فيلم وثائقي عُماني يتناول حياة الكائنات الحيّة والنباتات البحرية وطبوغرافية القيعان في بحار عُمان في الجزء الشمالي؛ أي بمحافظة مُسندم التي تضم مجموعة متنوعة من الكائنات البحرية المختلفة التي تصل إلى مئات الأنواع من العائلات حيث تضم كل عائلة عشرات، بل مئات من الأسماء حيث تجذب تلك الأنواع الكثير من محبّي الغوص في سلطنة عُمان والعالم لمُشاهدة كنوز عُمان البحرية.

يتوقف المُخرج عند الجانب الطوبوغرافي لمحافظة مُسندم التي تقع على حافة الالتقاء بين الصفيحة العربية والصحيفة الأسيوية على الجانب الآخر من مَضيق هُرمز علمًا بأنّ الصفيحة العربية تتحرك بإتجاه الشمال الشرقي بسبب انفصال البحر الأحمر حيث تقترب من الصفيحة الأسيوية بمعدل سنتيمترين سنويًا تقريبًا.

يرتفع بعض جبال مسندم أكثر من ألفيّ متر فوق سطح البحر أمّا تحت البحر فإن مسندم تفصل بين بحر عُمان والخليج العربي وهما بحران بأعماق مختلفة؛ ففي شرق مُسندم مباشرة قد يصل عمق البحر إلى أكثر من 100 متر بينما بينما في غربها لا يتجاوز عمق البحر أكثر من 50 مترًا. تبدو تضاريس قاع البحر في مُسندم متباينة حيث تكونت بيئات متنوعة لحيوانات ونباتات بحرية مختلفة لأنها توفر الحماية والطعام والعمق الملائم لتنوع الحياة في تلك المضارب.

ثمة صخرة جميلة في قلب البحر يسمّيها الغواصون بالأخطبوط لأوجه الشبه الكبيرة بينها وبين هذا الحيوان المائي حيث طلب أحد الغواصين من أقرانه الغوص بعمق 25 مترًا لأنّ الجزيرة معروفة بالأسماك المفلطحة وأسماك القرش ذات الزعانف السود والبيض التي تتواجد على عمق يتراوح بين 17 و 25 مترًا ثم يصعدون رويدًا رويدًا إلى الشعاب المرجانية الناعمة التي يتجاوز عددها الخمس والعشرين نوعًا في هذه الجزيرة الساحرة في عُرض البحر.

على الرغم من جمالية هذا الفيلم الوثائقي بجوانبه المتعددة إلّا أنّ أهميته العلمية والفنية تكمن في القاموس العلمي المصغّر الذي أعدّه كاتب السيناريو ومخرج الفيلم محمد الكندي الذي تجاوز الثلاثين نوعًا من الأسماك والسلاحف والأحياء البحرية إضافة إلى أنواع فرعية من الأسماك المحلية والمهاجرة، والشِعاب المرجانية الصلبة والرخوة التي ورد ذكرها في المعجم المصغّر. كما ركّز المخرج على جماليات محافظة مسندم من خلجان وكهوف وجزر وأخوار وقرىً جبلية آسرة.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا المعجم المُصغر لا بدّ من ذكر هذه الكائنات البحرية المختلفة التي توقف عندها مُخرج الفيلم وهي كالآتي: الشِعاب المرجانية، بزّاق البحر، خِيار البحر، الشرخة، النجوم الريشيّة، قناديل البحر، محار اللؤلؤ، نجم البحر، السلاحف، قرش الحوت، الأسماك القاعيّة، أسماك الشِعري، أسماك اللما، ثعابين البحر، سمكة البُقُم، صندوق البحر، الصال، الإمبراطور، أسماك الببغاء، العنْدق، النبّاط، ديك البحر، سمكة المُهرِّج، الهامور، مشط العروس، سمكة الجربوبة، قنافذ البحر، أسماك الفرد وسمكة صحيحة الراعي. ويتضمّن بعض هذه الكائنات الحيّة والأسماك أكثر من نوع واحد. فالشِعاب المرجانية تنقسم إلى شِعاب صلبة ورخوة، وسمكة الشرخة التي تتواجد في مياه محافظة مسندم تشتمل على نوعين وهما جراد البحر الصخري والمسطّح. أمّا السلاحف فهناك أربعة أنواع رئيسة وهي: الخضراء والشرفاف والريماني والزيتوني التي تتغذى على الشِعاب المرجانية. ولقلّة الشواطئ الرملية الملائمة لتعشيش السلاحف بمحافظة مُسندم فإن الإنسان قليلًا ما يُشاهدها علمًا بأنّ السلطنة تُعدّ واحدة من أهمّ الأماكن الملائمة لتعشيش أنواع مختلفة من السلاحف. كما أنّ الأسماك القاعيّة تشتمل ليس على الهامور فقط وإنما على الصافي والصال والشِعري وما سواها من أنواع سمكية أخرى. وهذا الأمر ينسحب على ثعابين البحر التي تشتمل على مئتيّ نوع تتواجد في الأماكن الضحلة للمياه الإستوائية ونتيجة للطبيعة الصخرية والمرجانية لقيعان بحار مسندم فإن ثعبان البحر يجد في هذه المواقع بيئة خصبة لاختبائه وتكاثره. وهذا الأمر ينسحب على سمكة البُقُم التي تشتمل على 120 نوعًا تنتشر في المناطق الإستوائية وشبه الإستوائية والمعتدلة في أرجاء العالم.

تأتي الشِعاب المرجانية في مقدمة عجائب الطبيعة العُمانية حيث تُشكِّل أنظمة دفاعية لحماية البحار. كما أنّ لها قيمة اقتصادية كبيرة لجميع بلدان العالم لأنها تكوِّن بيئة ملائمة لنموّ وتغذية الأسماك والأصداف. تزخر محافظة مُسندم بأعداد كبيرة من الشِعاب المرجانية التي تمتد من داخل الخليج العربي شمالًا حتى دبا جنوبًا. وتتميز هذه الكائنات بتنوعها وكثرتها وجمال أشكالها ويمكن مشاهدتها في داخل الخلجان الكثيرة بالمحافظة حيث يستمتع السيّاح وهواة الغوص بهذه الأشكال الجميلة اللافتة للانتباه.

لا يمكن التوقف عند هذا العدد الكبير من الكائنات الحية لكننا سننتقي بعضًا منها وأولها (بُزّاق البحر) وهو حلزون عديم القوقعة، رخو الجسم، ويحتوي على الكثير من الماء، ولا يحميه أيّ غطاء خارجي. ولبزّاق البحر زوجين من الأعين، كما أنه ثنائي الجنس بحيث يستطيع تأدية وظيفة الأنثى والذكر في آنٍ واحد في عملية التزواج مع البزّاقات الأخرى. تتعدد أشكال البزّاق البحري وألوانه الساحرة التي تؤدي أغراضًا متعددة كالتخويف والتمويه أو الغزل.

تُعدّ (الشرخة) من الكائنات الليلية التي تختبئ داخل الكهوف نهارًا ولا يظهر منها سوى قرنيّ استشعارها وكُلّابيها وتخرج ليلًا لممارسة أنشطتها كالبحث عن الغذاء والتكاثر. وتتواجد في مياه مُسندم.

أمّا (النجوم الريشية) العديمة السيقان فإنها تتكوّن من أذرع ريشية تساعدها على السباحة في البحر بينما تتواجد هذه الأنواع بأشكال وألوان زاهية قرب مواقع الشِعاب المرجانية بمحافظة مُسندم وغالبًا ما يراها الناس وهي تسبح في الماء وكأنها تؤدي رقصات جميلة ومُلفتة.

لا تقتصر مياه مُسندم على الكائنات الحية الصغيرة فقط وإنما يرتع فيها (قرش الحوت) وهو من أكبر الأسماك البحرية التي تعيش في أماكن ليست بالعميقة جدًا قريبًا من الجبال والخلجان ويصل طوله إلى عشرة أمتار ووزنه إلى 15 طنًا تقريبًا.

تُعتبر أسمال (الشِعري) من أهمّ الأسماك القاعية المتوفرة في مياه مُسندم وذلك لأهميتها الاقتصادية محليًا وعالميًا كما تتميّز بمذاق طيب يثير الشهية. تتكوّن عائلة (الشِعري) من 26 نوعًا منها سبعة أنواع تعيش في المياه العُمانية وتتواجد قرب الشِعاب المرجانية والصخرية.

لا بدّ من الوقوف عند سمكة (الإمبراطور) لطرافة خصائصها فهي من عائلة الأسماك الإستوائية في جميع أنحاء العالم. توجد في المياه العُمانية عشرة أنواع منها في الأقل من بين 80 نوعًا. تمرّ هذه الأسماك بانقلابات جنسية وتؤمن بمبدأ تعدد الزوجات حيث تحيط بالذكر مجموعة قد تصل إلى أربع من الإناث أو أكثر. تتواجد سمكة الإمبراطور في مياه المحيط الهندي والهادئ الاستوائي وتعيش في المياه الضحلة التي تتراوح أعماقها من 3 إلى 70 مترًا في مناطق الشِعاب المرجانية والصخرية بشكل انفرادي مندّسة بين الشقوق والصدوع الصخرية بالغة الضيق.

تُعدّ سمكة (الهامور) في محافظة مسندم من أهم الأسماك ذات القيمة الاقتصادية العالية. تنتمي (الهامور) إلى عائلة كبيرة جدًا تصل إلى 300 نوع حول العالم يوجد منها نحو 40 نوعًا في المياه العُمانية. الغريب أن سمكة (الهامور) تبدأ حياتها أنثى وتنتهي ذكرًا بعد أن تمضي سنة أو أكثر في وضع البيض ويأخذ طور البيض واليرقات ثلاثة أشهر الأمر الذي يساعد هذا النوع على الانتشار.

أدّى التنوع البيئي الهائل لبحار محافظة مُسندم إلى تنوّع في الإنتاج السمكي حيث يصل متوسط إنتاج السلطنة السنوي إلى 164000 طن منها 12517 طنًا يُنتَج في مُسندم لوحدها. ثمة إحصائيات مهمة لأسماك السطح الصغيرة مثل (البرية) و (الضلعة) و (العومة) و أسماك السطح الكبيرة مثل (السهوة) و (الگيذر) و (الصده) و (الكنعد)، والأسماك القاعية مثل (الشِعري) و (الكوفر) و (الهامور) و (الحمرا)، إضافة إلى أسماك القرش التي تصل إلـى1812 طن.

يُنهي المخر محمد الكندي فيلمه بأسواق بيع السمك الذي يتم اصطياد غالبيته بالأقفاص حيث تُعرض الأسماك مباشرة على سطح السفن أو القوارب أو في ساحة الميناء بشكل منظّم ويتم المناداة عليها من قِبل الدلّال وبحضور التُجار الذين يرغبون بشراء السمك. ثم يتم نقلها إلى الأسواق المحلية أو تصديرها إلى أسواق الدول المجاورة.

وَعَدنا المخرج المبدع محمد الكندي، كما هو مُدوّن على بوستر الفيلم، بأنّ هذا الوثائقي هو الجزء الأول، ويُفتَرض أن تليه أجزاء أخرى قد يمر بها تباعًا كمحافظات الباطنة ومسقط والشرقية والوسطى وظفار ويكشف عن مكنوناتها الجمالية سواء فوق بحار عُمان أو في قيعانها. وأنّ المخرج الذي قدّم هذا الجزء الناجح يستطيع أن يتلوه بأجزاء جديدة مليئة بالدهشة والإثارة والإبهار.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading