فلسطين 36 . . البحث عن جذور المشكلة الفلسطينية وإدانة العقل المُدبِّر-عدنان حسين أحمد – لندن

لم ترجع السينما العربية أو العالمية إلى الوراء قليلًا لترصد جذور المشكلة الفلسطينية وإنما كانت تنطلق في الأعم الأغلب من عام 1948 أو عام النكبة، كما أُصطلح عليه، وقيام دولة إسرائيل بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين. غير أنَّ المُخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر قد تبنّت هذا الموضوع الحسّاس وراحت تبحث عن جذور المشكلة وآساسها فلا غرابة أن تتخذ من الثورة العربية الكبرى التي انطلقت عام 1936 ولم تنتهِ إلّا سنة 1939 لتشكِّل أطولَ إضراب في التاريخ موضوعًا لفيلمها التاريخي. فكل الحروب العربية – الإسرائيلية المتلاحقة حتى الآن كانت جذورها تمتد إلى ذلك التاريخ الذي يكشف عن هُوية المملكة المتحدة ليس بوصفها دولة مُنتدِبة حسب وإنما كدولة متواطئة مع الكيان الصهيوني مارست وحشيتها المفرطة وهمجيتها غير المسبوقة ضد أبناء الشعب الفلسطيني منذ ثورته الكبرى وحتى عام التأسيس الصهيوني المزعوم، ولعل ثيمة الفيلم تذهب إلى أبعد من ذلك لتتوقف عند (وعد بلفور) المشؤوم الذي تعهّد فيه آرثر جيمس بلفور، وزير خارجية المملكة المتحدة بتقديم دعمه الكامل لإنشاء (وطن قومي لليهود في فلسطين).
البطولة الجماعية
لا تعتمد المخرجة آن ماري جاسر على مبدأ البطولة الفردية في هذا الفيلم لأن مضمون القصة السينمائية أكبر من أن يتحمّله شخص بحد ذاته. كما أنّ الأفلام التاريخية بشكل عام تجد صداها في البطولة الجماعية التي تتوزع على شريحة واسعة من الناس تقاوم جيش المحتلين وعصاباته الإرهابية.
لم تكتفِ (آن) بمهمة إخراج الفيلم وإنما أصرّت على كتابة السيناريو والقصة السينمائية من وجهة نظرها لتحقق رؤيتها الإخراجية المتفردّة التي تصوغ ما عندها من أفكار وثيمات غير تقليدية تتحدى ذائقة المتلقي الذي اعتاد أو (تطبّع) على البطولة الفردية، ليس في السينما فقط، وإنما في القصة القصيرة والرواية والنص المسرحي وبقية أنواع الفنون القولية. ولتحقيق مبدأ البطولة الجماعية سنصادف في البنية السردية لهذا الفيلم شخصيات متنوعة تجمع بين الصحفية الوطنية، والمثقف المتواطئ مع الاحتلال، والعامل الذي يُؤمِّن القوت لأهله وعياله، والفلّاح المتشبث بأرضه، ورجل الدين من الديانتين الإسلامية والمسيحية، ومختار القرية، والشباب الذين آمنوا بحمل السلاح ووجدوه الطريقة الوحيدة لمقارعة الاحتلال البغيض.
تفتتح المخرجة فيلمها بـخلود (ياسمين المصري)، الشخصية الصحفية التي تكتب مقالًا عن القرى والمشاعر التي تنتاب الناس في تلك المضارب وليس عبثًا أن تُنهي المخرجة فيلمها بهذه الشخصية إلى حدٍ ما لتُحيطنا بالمناخ الرمزي الذي افترضته وتصورتهُ نهاية منطقية لهذا الفيلم الدرامي والتاريخي والحربي إضافة إلى ما يتضمّنه من سير حياتية فردية أو جماعية.
مُصادرة أراضي الفلاحين
تبدأ أحداث الفيلم في آذار 1936 حينما أسّس البريطانيون أول محطة إذاعية في العالم العربي والثانية بعد القاهرة حيث انطلقت من رام الله لتكون معنية بنشر المعرفة والثقافة وأن تنأى عن الجانب السياسي بينما كان آلاف اليهود يتقاطرون إلى أرض الميعاد. تليها مَشاهد من قرية (البسمة) التي ينتقل بينها وبين القدس يوسف (كريم داوود عناية) الشاب اليافع الذي يبحث أول الأمر عن فرصة عمل لا غير ويشاهد بأم عينه عمارات شاهقة وشوارع فسيحة وأناس كثيرين لم يألف عددهم الكبير في القرى الصغيرة التي يمرّ بها ويرى مُصادرة السلطات الحاكمة لأراضي الفلاحين الفقراء الذين يعيشون عيشة الكفاف من كدّ اليمين وعرق الجبين.
تنتقل بنا المخرجة بشكل مقصود إلى ميناء حيفا مُعززةً إيّاه بجملة مفيدة، دالة، واضحة المعالم تقول: (الثورة هي المُتنَفَّس) لأنها الحلّ الوحيد الذي يلوح في الأفق. فخالد (صالح بكري) الذي أعلن بالفم الملآن بأنه يعمل لكي يبعث نقودًا لأهله ولا يريد أن ينهمك بأي عملٍ نضالي قد يحرم الأهل من هذا الدخل المحدود رغم أنّ أصحاب العمل يسرقون جهدهم، ويتحايلون في دفع أجورهم ومستحقاتهم، بل أنهم أشبعوه ضربًا وركلًا لأنه طالبَ بالساعات الإضافية التي عملها وهددوه بأنهم سوف يستبدلونهم بعمال يهود لذلك انتقى أحد الخيارين وهو تفضيل الخبز على الرصاص أو تأمين هاجس العيش على الالتحاق بالثورة لكن هذه المعادلة قد تتغيّر في الأيام القادمة.
في نيسان 1936 نقرأ دعوة للاستمرار في الإضراب كسلاح لإنقاذ البلاد من مآسيها حيث يلتقي أمير بيك (ظافر العابدين) بيوسف ويمنحهُ بعض النقود لشراء بدلة مناسبة لأنهم يريدون عناصر جديدة في الجمعية الإسلامية. يُوقِف الثوار قطارًا ليجمعوا التبرعات من أجل تحقيق الاستقلال، والحرية، والعيش الكريم.
تُغيّر هذه الأحداث قناعات غالبية الشخصيات التي كانت تقف على الحياد لأسباب شخصية، فمقتل والد يوسف سيدفع ابنه إلى حمل السلاح والقتال إلى جانب إخوته، والاعتداء على خالد سيدفعه للتفكير بالانضمام إلى الثوار وهكذا دواليك. كما أنّ مُذكرة القيادة التي دُونت بشكل واضح تنطوي على ثلاثة مطالب رئيسة وهي على التوالي: إنشاء حكومية ديمقراطية في فلسطين، وإيقاف نقل الأراضي من العرب لليهود، ومنع الهجرة من أوروپا إلى الأراضي الفلسطينية.
تسلّط الصحفية خلود الضوء على الأحزاب الفلسطينية الخمسة التي تريد الإضراب ولا غرابة أن نسمع النساء الثائرات وهنّ يرددنَ شعارات وطنية مفادها: (أراضينا ترجع إلنا)، (فلسطين مش للبيع) و (وعد بلفور برّا برّا) بينما ينتقل خالد الجريح إلى منطقة آمنة يطوّقها الثوّار.
تفتيش وتدقيق وسُخرية
قد يتصور البعض أن العرب المسلمين فقط هم ضحايا الاحتلال البريطاني لفلسطين لكنّ واقع الحال يكشف أنَّ معاملة المسيحيين من قِبل جيش الاحتلال البريطاني لا تختلف كثيرًا عن أشقائهم المسلمين فحينما يتنقّل الأب پولص وابنه من الكنيسة إلى قرية (البسمة) يتوجب عليهما الوصول قبل منع التجوّل ومع أنهما مُسالمان تمامًا لكنهما يتعرضان للتفتيش والتدقيق وحتى السخرية من جنود الاحتلال. وفي أثناء العودة يسأل الابن أباه أسئلة عديدة عن الاعتراف وطلب المغفرة من الله عن الخطايا التي يرتكبها الإنسان. كما يتحاوران حول جمال الطبيعة وقوّتها.
ترتبك العلاقة بين أمير بيك وزوجته خلود بعد أن تسأل عن الكاتب الجديد أنور يعقوب وتريد أن تتحداه بنفس الجريدة التي تكتب فيها؛ كل منهما يردُّ على الآخر بينما كانت البلاد منشغلة بلجنة پيل وهي لجنة رفيعة المستوى نُظمت لاقتراح تغييرات على الانتداب البريطاني على فلسطين في أعقاب اندلاع الثورة العربية في فلسطين 1936- 1939. وفي خضمّ هذه الانشغالات تعثر خلود في جوارير مكتب زوجها على شيكات صادرة عن المفوضية الصهيونية، مكتب الشؤون العربية فتسأله إن كان بحاجة إلى نقود أو أنّ عليه ديون مُستحقة الدفع ولماذا تدفع له اللجنة الصهيونية هذه النقود؟ فيأتي الردّ بأنّ اللجنة الصهيونية هي التي أسست الجمعية الإسلامية وأنّ بعض الأعضاء يتقاضون رواتبهم منها مقابل أن يشكّلوا معارضة للأحزاب المحلية كما يرونَ فيه شخصًا مناسبًا لمنصب مدير بلدية الأمر الذي يفاقم شكوكها في قناعاته وتوجهاته الفكرية خاصة بعد أن ترجم إلى اللغة العربية بعض مقالات الرأي الآخر المنشورة في الصحف المحلية.
يطرح توماس (بيلي هول) فكرة (التقسيم) فيستفز العائلة برمتها ويثير غضب الثوار الفلسطينيين الذي يبدأون بحرق وتفجير أنابيب النفط، وتخريب السكك الحديد الأمر الذي يدفع بقوات الاحتلال تطويق القرى ومحاصرتها لكن الثوار الذين يتواجدون في كهوف الجبال والغابات لا يترددون في الدفاع عن وطنهم المحتل وحماية شعبهم، وسعيهم لنيل الاستقلال مؤكدين بأنهم جزء من الأمة العربية وأن العراق وبلاد الشام معهم وأنّ التحرير قادم لا مُحالة.
كثيرة هي الوقائع والأحداث في هذا الفيلم التاريخي ويكفي أن نشير إلى الهجوم الذي شنّته القوات البريطانية على مبنى الجريدة في إشارة إلى انعدام حرية التعبير وإتبّاع سياسة جديدة لتكميم الأفواه الناطقة بالحقيقة. تتعالق المخرجة مع الأخبار التي تنشرها الصحف الفلسطينية المحلية ومنْ يتمعن في هذه الحوادث والأخبار سيكتشف من دون لأي أنها تسلط الكثير من الضوء على مسألة الاعتقالات الفردية والجماعية، ومطادرة القادة الثوريين، وسجنهم من دون محاكمات عادلة أو لوائح اتهام.
معسكرات الاحتجاز
ربما تكون حادثة انفجار السيارة العسكرية على طريق جبلية تؤدي إلى قرية (البسمة) هي السبب الذي دفع جنود الاحتلال لدهم منازل الفلاحين البسطاء وحرق بيوتهم وتفجيرها على رؤوس ساكنيها الذين رفضوا مغادرة القرية ولعل عثور الكابتن البريطاني وينغيت (روبرت أرامايو) على جِراب المسدس أو (الفرد) اعتبره دليلًا قاطعًا على وجود الأسلحة. وعلى الرغم من أنّ الأب پولص قد دلّ الكابتن وينغيت على الأسلحة المخبأة في أحد الأقبية إلّا أنه رُحِّل مع آخرين إلى معسكر الاحتجاز وما إن انطلقت السيارة لمسافة قصيرة حتى تفجّرت بلغم أحالها إلى قطع متناثرة صعقت الابن وأسقطتهُ في حالة من الرعب والذهول.
تتابع المخرجة وكاتبة السيناريو آن ماري جاسر مصائر شخصياتها الرئيسة على وجه التحديد، فيوسف الذي كان يبحث عن عمل وهو يتنقل بين قرية (البسمة) والقدس وجد نفسه مضطرًا لحمل السلاح ومقاومة المحتل وسوف يطارده جنود الاحتلال إلى الكهف الذي يختبئ فيه الثوار، وحينما يحاصروه من الجهات الأربع يُلقي بندقيته إلى خارج الكهف ويرفع يديه خلف رأسه لكنه لم يستسلم حتى النفس الأخير إذ كان يخبئ رمّانة يدوية قذفها عليهم قبل أن تصل إليه طلقات الجنود البريطانيين وترديه قتيلًا في الحال. كما تستمر مطاردة (خالد) من قبل مجموعة جنود معززين بكلب پوليسي وحينما يقبضون عليه ويشبعونه ضربًا يبتسم ويضاعف استفزازهم وإغاضتهم.
تنزع (خلود) خاتم زواجها وتضعه في يد أمير وتنضم إلى مظاهرة تسير في الشارع وتتماهى فيها. ثم نسمع أغنية (عهد الله) التي تقول: (عهد الله ما نرحل / عهد الله نجوع نموت ولا نرحل / عهد الثورة والثوّار والجماهير ما نرحل / وإحنا قطعة من ها الأرض وعمر الأرض ما نرحل).
يشكّل هذا الفيلم نقلة نوعية في تجربة المخرجة السينمائية آن ماري جاسر التي سبق وأن رأينا أعمالها الفنية واستمتعنا بخطابها الفكري والجمالي في (ملح هذا البحر) و (لمّا شفتك) و (واجب) الذي حصل على الكثير من الجوائز. أمّا فيلم (فلسطين 36) الذي جمع بين ممثلين بريطانيين وفلسطينيين إضافة إلى الممثل التونسي ظافر العابدين فقد فجّرت ثيمة هذا الفيلم طاقات الجميع بغض النظر عن أصولهم العِرقية أو القومية فلا فرقَ كبيرًا بين أداء النجم البريطاني الحائز على جائزة الأوسكار جيرمي آيرونز والفنان صالح بكري أو الأداء المُعبِّر للفنان التونسي ظافر العابدين، فلقد عمل الجميع بروح الفريق الذي كشف عن طاقات الجميع بغض النظر عن أعراقهم أو هويتهم الجندرية. تجدر الإشارة إلى أهمية التقنيين وعلى رأسهم فريق التصوير الذي تقوده مديرة التصوير هيلين لوفارت، والمونتيرة المُبدعة تانيا ريدين، والموسيقى التصويرية التي وضعها المؤلف بن فروست الذي يقترن اسمه بفيلم (الجميلة النائمة) لجوليان لي، وكل من ترك لمسة فنية على هذا الفيلم الذي لا يغادر ذاكرة المتلقين العضويين الذين يتفاعلون مع هذا الفيلم، ويشاركون فيه ذهنيًا وروحيًا بقدر أو بآخر.



