(الرسالة الأخيرة) . . إدانة للحروب الهمجية في كل مكان-عدنان حسين أحمد – لندن





ينتمي المخرج ملاك عبد علي إلى السينما الشعرية ومَن يتتبّع أفلامه الروائية القصيرة سيكتشف بَصْمتهُ الخاصة به التي تميّزه عن أقرانه وأبناء جيله على وجه التحديد. فثمة مقاربات جديدة، ومعالجات مختلفة تؤكّد سعيهُ للتفرّد الذي يمكن تلمّسه في فيلم (كاسيت) 2012 الذي يصبح فيه الشريط الصوتي بطلًا يستعيض به عن الشخصيات الأخرى التي تستطيع أن تُجسّد دور البطولة. كما يتفرّد ملاك عبد علي بمعالجاته الفنية لموضوعات غير مباشرة فهو يترك صخب الحرب وضجيجها، تمثيلًا لا حصرًا، ويركّز على نتائجها الكارثية ولعل فيلم (الرسالة الأخيرة) المستوحى من رسالة انتحار الكاتبة البريطانية المشهورة فرجينيا وولف يؤكد صحة ما نذهب إليه حيث انصبّ تركيز المخرج على نتائج الحروب وتداعياتها الخطيرة. فقصة فرجينيا وولف تتمحور على معاناتها الشخصية (وعدم قدرتها على الإنجاب بسبب تأثرها بالإشعاعات الناتجة عن الحرب العالمية الثانية) إضافة إلى إخفاقاتها الأخرى الناجمة عن أوضاعها النفسية مثل الكآبة والتوحّد وأمراض العصر الحديثة. ولعل هذا الأمر ينطبق تمامًا على (صفاء نجم) بطلة (الرسالة الأخيرة) التي تعاني هي الأخرى من العقم جرّاء تعرّضها لليورانيوم المُنضّب بسبب الحروب التي أشعلها النظام الدكتاتوري السابق والردود الوحشية للجيش الأمريكي والقوات الأوروبية المتحالفه معه حيث أسفرت عن عقم وأمراض سرطانية وتشوّهات خَلْقية لا يزال يعاني منها الشعب العراقي بعد مرور أكثر من أربعين عامًا على انطلاق شرارتها الأولى.
ولو تأملنا قصة (الرسالة الأخيرة) لملاك عبد علي لوجدنا تدور حول ممثلة مسرحية عراقية تعاني من مشكلات نفسية مع زوجها الذي بدا ودودًا ومتعاطفًا معها إلى أبعد الحدود ولم نلمس تذمّره من عدم قدرتها على الإنجاب ومع ذلك فإن كآبتها ومرضها ويأسها المُطلق هو الذي دفعها في خاتمة المطاف إلى تنفيذ فعل الإنتحار مُقتفية أثر فرجينيا وولف التي أحبّت هي الأخرى زوجها ليناردو وقررت أن ترتدي معطفها الطويل وتملأ جيوبه بالحجارة لتغوص في قلب نهر أوس بقناعة ثابتة لا تعرف الخوف أو التردّد حيث تركت منسأتها على حافة النهر بينما ستترك بطلتنا العراقية سيرة حياة فرجينيا وولف على سياج الجسر وخاتم الزواج على غصن شجرة عند حافة نهر دجلة.
يحتاج أي فيلم روائي إلى تأثيث سردي وبصري في آنٍ معًا وقد اكتفى المخرج وكاتب النص ملاك عبد علي بصديقها المقرّب (مهنّد ستّار) الذي يحثّها على التشبث بالحياة، ويُوقظ فيها حُب السينما أو الفن بشكل عام، ويدفعها صوب نوافذ الأمل التي بدأت تنفتح أمامها رويدًا رويدا (وأنّ الحياة لا تنتهي بمرض أو انهيار نفسي) لكنها لم تكن ترى غير الانكسار والتراجع والضعف البشري الذي يفضي إلى الهزيمة. فهي ترى أنّ (الحُبّ مات، والحلم توارى، وكل شيء في هذه المدينة التي أكلتها الحرب قد تغيّر، وأنّ الحياة قد أصبحت صعبة ومريرة جدًا، فما هو ذنبكم حتى تتحملون إنسانة منهارة؟).
لغة متقشفة
لقد نجح المخرج وكاتب النص بخلق جوٍ معتم يبعث على الكآبة فعلًا ولقد اختار لغة متقشّفة ومُقتصدة جدًا حيث تقول:( زوجي يعشقني وأنا مريضة؛ وأي مرض؟ كوابيس وعصبيّة وأحلام تموت تباعًا، فلا تجد أحلامها طريقًا للتحقق، ولا تستطيع هي أن تُسعِد زوجها. تُرى، هل هذه هي نهاية الحياة؟). لقد أدخلنا المخرج إلى غابة السؤال الفلسفي حينما يُحاصرنا المرض العُضال ويطفئ إيماضة الحياة الأخيرة التي نتشبّت بها كطوق أخير للنجاة.
لم يكن صديقها المُقرّب فقط هو الشخص الذي يُؤازرها بعد زوجها (يوسف طالب) بل تعاطف معها حتى موزّرع الأدوار الذي وصفها بـ (ممثلة مسرح جيدة) وهو يريد أن يفحص إحساسها في أثناء تقمّصها للدور الذي سوف يسندهُ إليها إذا ما نجحت في الاحتبار.
لا يحتمل فيلم مدته 12 دقيقة أكثر من هذه السردية فلا غرابة أن تُعرِّج على رسالتها التي يمكن أن تتطابق مع رسالة فرجينيا وولف وإن اختلف بعض التعبيرات والصياغات اللغوية هنا وهناك. تؤكد الساردة في مطلع رسالتها بأنها قد عادت إلى جنونها مرة أخرى وأنها موقنة تمامًا بأنها لن تتعافى هذه المرة خاصة وأنها بدأت تسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسها ولم تعد قادرة على التركيز وأنها مُصرّة على تنفيذ ما عقدت عليه العزم ومع ذلك فهي مَدينة له بالشكر والعرفان لما قدّمه لها طوال حياته الزوجية معها حيث تخاطبه قائلة: (لقد وهبتني أعظم سعادة ممكنة. لا أظنُّ أنّ من المعقول لاثنين أن يُصبحا أكثر سعادة منّا حتى أصابني هذا المرض اللعين. لا أستطيع القتال أكثر. أعلم أنني أُفسد عليك حياتك. أنني أخسر كل شيء).
ثمة مواقف كثيرة تشير إلى حالة الكآبة واليأس وبرود العلاقة الجنسية بين الاثنين ففي إحدى اللقطات نرى الزوج نائمًا ووجهه إلى الحائط بينما كانت زوجته تتهيأ لعلاقة حميمة فشلت في إقامتها فلا غرابة أن تزرّر فستانها الليلي لأنها لم تعد تصلح لشيء من وجهة نظرها حيث تطرح علينا، نحن المُشاهدين، عددًا من الأسئلة الجوهرية التي نُعيد صياغتها بلغة فصيحة من بينها: ( لماذا أنا حيّة أُرزَق؟ أنتَ إنسان عظيم لكن ما ذنبكَ؟ امرأة لا تستطيع الإنجاب. الطفل هو الذي يُعطيني الأمل. حياتي أصبح لونها أسود. أنا أبرد من الثلج حتى حينما نمارس الحُب. كفى، لقد تعبت حتى حلمي بأن أكون ممثلة ناجحة قد مات. كل شيء قد مات).
يحاول الصديق المُقرّب أن يبعدها عن هذا الجو الكئيب ويؤكد لها نجاحها في فرصتها العظيمة في الاختبار لكنها تتعالق هذه المرة وتسرد لنا جانبًا من الرسالة التي وجّهتها الكاتبة فرجينيا وولف لزوجها الذي أحبّته وأخلصت إليه فقد كان صبورًا وطيبًا معها بشكل لا يُعقل (والجميع يعلم لو كان لرجل أن ينجح في إنقاذي فستكون أنت هذا الرجل. فقدتُ كل شي يا ليناردو عدا إيماني بكَ وبقلبك. لا أستطيع الاستمرار في إفساد حياتك). وبما أنها نجحت في الاختبار وتألقت فيه فقد أخذ الصديق المقرّب يحثها للعودة إلى البيت وأن تفكر بحياتها من جديد، وأنّ أحلامها قد بدأت تتحقق. ورغم أنّ المخرج يتعمد إظهار الصديق المقرّب وهي يسقي الزرع أو نشاهد النوارس التي تحلّق قريبًا من رؤوس المارة لكننا نراها وهي تمشي فوق الجسر وتترك كتاب السيرة الذاتية لفرجينيا وولف على سياج الجسر وتطأ حافة النهر الموحلة بعد أن تعلّق خاتم زواجها على غصن شجرة محاذية لحافة النهر ثم تلج مياة دجلة من دون تردد لتضع حدًا لحياتها التي لا تُحتمل.
مُخلفّات الأسلحة
المَشاهد الحربية التي تفاداها المُخرج طوال الفيلم تظهر في اللحظات الأخيرة لتتكلم بلسان فصيح عن فظائع الحرب وأهوالها حيث نسمع قصف الطائرات ودويّ المدافع وهدير الطائرات السمتية التي تكشف عن أبعاد الحرب الوحشية وضراوتها التي تتجاوز كل الحدود المعروفة حيث نقرأ على الشاشة: (هدأت المدافع، وسكنت الأسلحة. ودُفن جميع الجنود القتلى لكن التقارير العالمية والمحلية كلها ذكرت بأن عددًا مُخيفًا من حالات الإجهاض والعِقم بين النساء العراقيات سببه مخلّفات الأسلحة التي استُعملت خلال حروب الثمانينيات). ولعل السؤال الأهمّ الذي يثيره هذا التقرير هو: (هل انتهت الحرب حقًا)؟ أم أن مخلّفاتها ما تزال ماثلة أمام أعين الضحايا الذين يقْدمون بين أوانٍ وآخر على الانتحار بطرق مختلفة ويضعون حدًا لحياتهم اليائسة التي انطفأ فيها أي بصيص أمل ممكن؟
جدير ذكره أنّ هذا الفيلم قد حاز على جائزة أفضل فيلم عربي في في الدورة الأولى لمهرجان الكويت للسينما الجديدة، كما حصد الجائزة الثانية محليًا في مهرجان القمرة السينمائي الذي أُقيم بالبصرة عام 2019. وقد تألق فيه الفنانون الأربعة وعلى رأسهم صفاء نجم، مازن محمد مصطفى، مُهند ستّار ويوسف طالب.
بقي أن نقول بأنّ المخرج والسينارست ملاك عبد علي قد تخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد، كما تخرّج في كلية الفنون الجميلة ببغداد أيضًا. عمل مساعد مُخرج أول في فيلم (كرنتينة) للمخرج عُدي رشيد. أنجز خلال مشواره الفني ستة أفلام قصيرة وهي على التوالي: (صور)، (كاسيت)، (سلايد)، (اسمي مريم)، (الرسالة الأخيرة) و (آخر حلم) التي نال جميعها جوائز في مهرجانات محلية وعربية وعالمية.





