سرّ القوارير . . حِكمة المرأة الريفية وحُبِّها المكتوم-لندن – عدنان حسين أحمد







أطلق المركز الثقافي العراقي بلندن أولى فعّاليات (نادي السينما) بعرض الفيلم الروائي الطويل (سرّ القوارير) قصة وسيناريو وحوار الروائي عبدالستار البيضاني، وإخراج د. علي حنّون وذلك يوم الأحد المصادف 24 آب / آغسطس 2025. تحدّث فيها، مُقدّم الأمسية الفنان جمال أمين عن (القيمة الفنية والتاريخية لهذا الفيلم) كما شارك المخرج علي حنّون بكلمة مُصوّرة سرد فيها جانبًا من تجربته الفنية والتحديات التي واجهته في تصوير هذا العمل في قريتيّ (البدور) و (العبّارة) الافتراضيتين اللتين تقعان في جنوب العراق في حقبة الخمسينات من القرن الماضي. وبعد عرض الفيلم الذي بلغت مدته قرابة ساعتين ونصف الساعة أثار الحضور الذين تفاعلوا مع أحداث الفيلم عددًا من الأسئلة التي أجاب عليها الفنان والمخرج السينمائي جمال أمين ووعد الحضور بتقديم أفلام سينمائية عراقية جديدة في الأماسي الشهرية القادمة.
يقطع المخرج علي حنّون شكّنا باليقين حينما يُخبرنا بزمان فيلمه (سِرّ القوارير) ومكانه حيث نقرأ على الشاشة: (تدور أحداث الفيلم في أماكن افتراضية جنوب العراق في خمسينات القرن الماضي). أمّا أحداث الفيلم نفسها فهي كثيرة ومُتشعِّبة ومنها ما يصلح لأن يكون ثيمة رئيسة تتمحور حولها قصة الفيلم أو ثيماتٍ فرعيةً تؤازر القصة الرئيسة أو تغذّيها بالمعطيات الفنية والفكرية المطلوبة.
العقل المُدبر لعملية الهروب
ونظرًا لكَثرة الأحداث وطول المدة الزمنيّة للفيلم التي بلغت 145 دقيقة؛ أي قرابة الساعتين ونصف الساعة فإن الثيمات الرئيسة ستزداد وتتضاعف وفقًا لأحداث الفيلم ومساراته المُتعددة التي تنطلق من قرية (البدور) التي تقع فيها جريمتيّ قتل؛ الأولى قتل الفلّاح (مهاوش) والثانية قتل (شاكر) ابن ضامن مزارع وبساتين قرية (البدور) منذ عشرين عامًا أو يزيد. وإثرَ هروب (سالم) مع شقيقته (مناهل)، العقل المُدبِّر لعملية الهروب التي استغرقت ستة أيام مشيًا على الأقدام ووصولهما إلى قرية (العبّارة)، وهي المكان الثاني الذي تدور فيه الأحداث وتتصاعد حتى تبلغ ذروتها بمقتل شقيقها (سالم) الذي وجد فيه (أبو هاشم)، شيخ القرية ضالته المنشودة، فهو شاب ذكي، يجيد القراءة والكتابة، ويُتقِن الحساب، ويمتلك عقلية تجارية لا تجدها إلّا عند التجّار والملّاكين. كما يتسع المكان إلى أبعد من القريتين المُشار إليهما سلفًا فنسمع أكثر من مرة بذهاب (سالم) إلى (الولاية)، أو المدينة الكبيرة التي يُحذِّر منها الملّاكون والضامنون والتجّار لأنها تفتّح أذهان الشباب القرويين وتستدرجهم للانضمام إلى الأحزاب اليسارية مثل الحزب الشيوعي العراقي وما سواه من التنظيمات الوطنية التي تنشر الوعي الحادّ بين صفوف الجماهير وتؤلبهم ضد الإقطاع والرجعية والحُكم الشمولي.
الدم يُورث الدم
يمنح فيلم (سرّ القوارير) الذي كتب قصته وأعدّ السيناريو والحوار الروائي المُبدع عبدالستار البيضاني، وأخرجه د. علي حنّون، مساحة واسعة للمرأة العراقية التي تمتلك حكمة واضحة أو عقلًا راجحًا مثل (مناهل)، الدور الذي جسّدته الفنانة آلاء حسين وتألقت فيه وارتقت به إلى مستوى الفنانات العربيات اللامعات في أقل تقدير وقد لامست في دورها فكرة عالمية مطروقة في مسرحية (مكبث) مفادها (أنّ الدم يورث الدم) (Blood will have blood). ولم تكن تشجّع شقيقها (سالم) أدّى دوره الممثل اليافع (أمير البصري) ونجح فيه وكان مُقنعًا إلى حدٍ كبير في التقرّب من شيخ قرية (العبّارة) حيث أبعدّ الكثير من الشخصيات المتطفلة على حياة الشيخ وعمله كالسركال ورجل الدين وبعض المنافقين الذين يُظهرون له غير ما يبطون. كما يناقش الفيلم ثيمة الحُب من زوايا متعددة، فقد تزوّج الشيخ (أبو هاشم) من دُرّة (نسرين عبدالرحمن)، شقيقة الشيخ صاحب الذي تنازل عن منصبه الاجتماعي (كُباريته) لابن عمه (أبو هاشم) بتحريض منها لكنها ندمت على ذلك بعد أن أشركَ في حياتها الزوجية (سَعدة)، ابنة الفلاح الذي يعمل عنده، وها هو الآن يريد أن يقترن بـجانية التمر أو الطوّاشة (مناهل) التي لا يعرف أصلها وفصلها لأنَّ قلبه هفا إليها وأحبها من دون كل (الطوّاشات) اللواتي يأتينَ لمدة محدودوة لا تتجاوز جني التمر الذي تحمله أعذاق النخيل.
يضعنا كاتب القصة السينمائية ومخرج الفيلم أمام شخصيات مُعقدة أو مُستديرة مثل (أبو هاشم) فهو شيخ القبيلة وكبيرها ومَلّاكها الأوحد الذي يحيا حياتين متناقضتين فهو الرجل الأول الذي تتطلّع إليه عيون الفلاحين جميعًا في قريته حيث يفضُّ نزاعاتهم ومشكلاتهم الكثيرة، ويحدّد مصادر رزقهم، ويقودهم بالعصا إن تمرّدوا أو خرجوا عن طاعته. وبالمقابل فهو يمتلك حياته الخاصة وضعفه الإنساني الذي قد يُبكيه أمام امرأة جميلة كما حدث مع (مناهل) حينما صدّته مضطرة وغادرته إلى الديار التي هربت منها ذات ليلة ليلاء. يكشف فيلم (سرّ القوارير) المخفي والمستور من حياة هذا (الشيخ) الذي يبحث مثل الناس الآخرين عن ملذّاته الشخصية خارج إطار حياته الزوجيّة التي لا تُشبِع غريزته الجنسية فيلوذ بعالَم الغجر الذي يستدرج المسؤولين الكبار في الدولة والأثرياء والموسرين ومُحبّي الرقص والغناء الذي يمزّق نياط القلب ولا غرابة في أن يسهر بصحبة (سركاله) وصديقه المقرّب (ميزر) حتى ساعات الصباح الأولى وهو يستمتع بالغناء والرقص الغجري ثم يعود إلى منزله ليعيش حياة أخرى تنغصّها شكاوى المرأة الأولى وهمومها التي بات يعرفها الكثير من روّاد (المضيف)، فالقصص العاطفية سرعان ما تنتشر في الأجواء مثل انتشار العطر في الهواء.
تعدّد الزوجات بحجج شتّى
لا فرق بين خاصة الناس وعامتهم في القرى إن تعلّق الأمر بالزواج فالكثير منهم يؤمن بمبدأ تعدد الزوجات سواء حلّلتهُ الشريعة الإسلامية أو ضيّقت عليه الخناق ببعض الاشتراطات كأن تكون الزوجة الأولى مريضة أو لا تُنجب وما إلى ذلك. ومع أنّ دفّار (والد مناهل وسالم) الذي جسّد دوره الفنان القدير طه علوان رجل كبير إلّا أنه قرّر الزواج ثانية من (حَسنة) وأثار حفيظة ابنه (سالم) بحجة أنَّ قبر والدته لما يزل أخضرَ ولم يجفّ بعد آخذين بنظر الاعتبار أنَّ التقاليد والأعراف العشائرية تصطف إلى جانب الرجل وتمهّد له الطريق إلى الزواج بحجج شتّى أبرزها أنَّ الرجل حتى وإن كان طاعنًا في السن لا يجوز أن يظل أعزبًا ووحيدًا وإنما يحتاج حاجة ماسة لمن تكسر له وحدته وتفكّ عنه طوق العزلة العاطفية. بل ويذهب البعض منهم أبعد من ذلك حينما يدّعون (أنَّ الرجل يتزوّج بعدد أصابع يده وما مَلَكت أيمانه) وكأنّ حياته مُقتصرة على إشباع رغباته وغرائزه الحيوانية فقط.
تركِّز قصة الفيلم على شاكر (ذو الفقار خضر) ابن الضامن الذي لعِبَ دوره الفنان فاضل خليل وجسّده خير تجسيد وكان أنموذجًا للرجل الملّاك أو التاجر أو الضامن الذي يستغل الفلاحين الفقراء ويعتاش على جهدهم وقوتهم اليومي. وقد ترك هذا الرجل لابنه أن يسرح ويمرح في قرية (البدور) ويلهو مع النساء المتزوجات مثل الأرملة التي حاول تقبيلها أو (مناهل) التي حاول الاعتداء عليها ومزّق جزءًا من ثوبها الأمر دفع شقيقها (سالم) لقتله انتقامًا لشرف العائلة وهروبه مع أخته (مناهل) إلى قرية (العبّارة) التي احتضنتهم لبعض الوقت قبل أن يَلقى مصيره على يد (اسماعيل) الذي تلقّى مبلغًا من المال من ( الشيخ صاحب) الذي تنازل عن منصبه الاجتماعي (كباريته) لابن عمّه الشيخ (أبو هاشم) الذي سيتشبّث بهذه المشيخة حتى الرمق الأخير.
يتواطأ شيخ قرية (البدور)، الذي جسّد دوره بإتقانٍ عالٍ الفنان (سامي قفطان)، مع الضامن من جهة ومع المتصرِّف ومدير الشرطة والطبيب من جهة أخرى حيث تجمعهم سهرات ليلية باذخة يقرِّرون فيها أنّ (أبا شاكر) لا يتحمّل أيّ مسؤولية لقتل (مهاوش) وحتى الطبيب أجزمَ بأنّ الفلّاح قد مات بسبب احتشاء العضلة القلبية ولعل المُشاهد يدرك جيدًا تآمر شيخ قرية (البدور) الذي اختصر جريمة القتل المروِّعة لمهاوش بأنها موضوع بسيط، وطلب منهم أن يعتبِروا (هذه السالفة قد طُويت تحت أَرجُلهم) وأنّ الضامن قد قرّر أن يساعدهم بمبلغ من المال كمساعدة وليس فصلًا أو (دِيّة) عن مقتله لكنّ زوجة مهاوش سوف تُعيد هذا المبلغ لشيخ القرية الذي هدّدها بأن يتبرأ منها ومن عائلتها إن حدث ما لا تُحمَد عقباه للضامن.
القصة العاطفية التي تمزِّق نياط القلب
وإذا ما عُدنا إلى قصة (الشيخ أبو هاشم) مع (مناهل) فسنرى أنها القصة العاطفية الأهم في فيلم (سرّ القوارير) فقد وقع في شَباك حُبها ولم يعد قادرًا على التخلّص من هذا الحُب الذي أخذ بتلابيبه ولا يجد حرجًا في القول بأنه (يودّها، ويستحي منها، ويهابها) على الرغم من الكبرياء الذي يحمله بين أعطافه وجوانبه. ثمة حوار عميق وجميل ورومانسي أشبه بالأضوية الكشّافة التي تفضح أعماق الشخصيتين المتحابتين باطنيًا والمتنافرتين ظاهريًا حيث تؤكد (مناهل) على هذا التباعد لأنها تحمل سرّها معها فهي تقول: (أنا وأنتَ جرفان لا يلتقيان حتى وإن مشينا العمر كله، فلا أنتَ تستطيع أن تنزل وتمسّ يدي ولا أنا أستطيع الصعود إليك وأمسّ يدك أيها العالي في سماك). يعترف الشيخ بأنه لا يستطيع أن ينقذ نفسه من هذا العِشق الذي التفّ عليهما مثل خيوط شِباك الصيد وكبّلهما معًا فلا غرابة أن يرجوها ألّا تتخلّى عنه في غفلة من الزمن وتتركه أسيرًا لهذا الحُب القتّال بعد أن دخلت قلبه واجتاحته من الجهات الأربع. يتصاعد هذا الحُب والولع في قلب الشيخ إلى الدرجة التي يعرض عليها الزواج رغم أنه سمع الشائعات التي تقول بأنها (غجرية) وأنه ترك كل شيء ومشى خلفها حتى أوشك أن يُوقن بأنها حُلم كاذب. وإنها لم تحبهُ وإنما أحبّت فيه الشيخ الملّاك الذي أرادت أن ترافقه مُدة من الزمن ثم تتخلّى عنه. تُثير هذه المكاشفة (مناهل)؛ العاشقة بصمت، وهي تحملُ سرًا لا تريد أن تبوح به لأحد، فيبلغ التصعيد الدرامي ذروته عندما تُزيح الغطاء عن منجم روحها فتطلب منه أن يصمت لتعترف له قائلة: ( أنا أحببتكَ محبة ألف أمٍ لضناها، وألفُ أخت لأخيها. أحببتك محبة ألف امرأة لزوجها، وألف عاشقة لعشيقها. صحيح، وأنا بهذا العمر أنت أوّل منْ طرق عليّ باب قلبي، وأنت أول كلمة عشق حينما سمعتها ارتعش جسدي كله من رأسي حتى قدّميّ. أنتَ القمر، وأيُّ فتاة تلك التي تردّ القمر إذا أطلّ عليها في وحشة عمرها . . أنا امرأة وأنتَ أمنية كل امرأة فكيف بك وأنتَ الشيخ المُهاب فما الذي ينقصك أيها الكامل المكتمل؟ وحينما يسألها عن السبب الذي يمنعها من الاقتران به طالما أنها تُحبّه إلى هذه الدرجة وتتمناه أن يكون زوجًا لها؟ لكنها ترجوه أن يتركها لمصلحته الشخصية لأنّ هناك ألف (مناهل) تتمنى التراب الذي يطأه ويدوس عليه وهي لا تريده أن يفرّط بأخوته وأهله وأعمامه من أجل هذه الزيجة التي لم يُكتب لها النجاح. وحينما يسألها عمّا يفعله بقلبه الهيمان الذي يتأجج بالحب مثل نار الغضى؟ فتجيبه: (أنّ بعض الوقت كفيل بأن يطفئ هذه النار المستعرة فيه والتي لم يبقَ منها إلّا الحروق العالقة بأطراف الروح). هذا الكلام الرومانسي يذكّرنا مرة ثانية بمسرحية (هاملت) لشكسبير حينما يصف هاملت حجم حُبه لأوفيليا قائلًا: (حبُّ أربعين ألف أخٍ لا يُساوي مقدار حبِّي لها!).
لن تغادر (مناهل) قرية (العبّارة) قبل أن توضِّح موقفها من الجميع ولن تسمح لنفسها أن تكون الخطأ الذي يُفضي إلى الإطاحة بالشيخ حيث قالت بلغة رمزية مفادها: ( لم يربّونا أهلنا على أن نخبط الماء الذي نشرب منه، وماؤكم هو الذي روّا عروقنا الذابلة). وعلى الرغم من إلحاح الشيخ على بقائها إلّا أنها أصرّت على العودة إلى ديارها. وقبل أن تشرع بالرحيل جاء خبر مقتل شقيقها الذي سيُدفن في هذه القرية أمانة إلى أن يحين الوقت المناسب لاستعادة الجثمان.
جمالية الخطاب البَصَري
ثمة مساران جميلان ومُعبِّران في هذا الفيلم يكشفان عن معنى ومبنى الخطاب البَصَري للقصة السينمائية المحبوكة التي كتبها الروائي عبدالستّار البيضاني، المتمكن من أدواته الفنية، والمُطوِّر لها باستمرار. وهذان المَساران هما: عودة (مناهل) المفجوعة بمقتل أخيها الوحيد (سالم) ومرافقة اثنين من رجال شيخ قرية (العبّارة) أحدهما السركال (ميزر) أجاد دورهُ الفنان (كامل ابراهيم) الذي قال جُملة شديدة الأهمية لا حاجة لأن نفصِّحها باللغة العربية مفادها: (إيه هنّاس وحچيهم، إيه هنّاس وتهايمهم) مُشيرًا إلى القشبة والقيل والقال الذي يستهدف أعراضَ الناس على وجه الخصوص. فـ (مناهل) التي قيل عنها أنها (كاولية) تبيّن أنها بنت حسب ونسب وأنها خاضت هذه الرحلة المريرة من أجل إنقاذ شقيقها (سالم) الذي فقدتهُ في خاتمة المطاف وتركت جثّته أمانة عند الناس الذين آووها ومنحوها الأمن والأمان. أمّا المَسار الثاني فيتمثّل بعملية الهروب التي استغرقت ستة أيام متتاليات في محاولة جديّة لإنقاذ أخيها من عقوبة قاسية قد تصل إلى السجن المؤبد الذي يلتهم عُمر هذا الشاب اليافع الذي اعتقد في لحظة تهوّر أنه يدافع عن شرفه الرفيع حتى وإن دفعَ حياته ثمنًا لهذا التهوّر.
علامة مضيئة في تاريخ السينما العراقية
لا شكّ في أنَّ (سرّ القوارير) فيلم ناجح وقد أشادَ به النقاد والمُشاهدون على حدٍ سواء ويمكننا الإشارة في هذا الصدد إلى ما قاله الكاتب طه رشيد بأنه (فيلم ناجح ومؤثر استطاع أن يربط المتفرج بكرسيه طيلة ساعتين ونصف . . وهو وقت طويل نسبيًا قياسًا بوقت الأفلام الروائية المتعارف عليها، ومع هذا استطاع فيه المخرج السيطرة على المُشاهد من خلال القصة الجميلة التي كتبها عبد الستار البيضاني . . . (وأخرجها) المبدع د.علي حنون ليقدِّم لنا مع كل كادره الفني فيلمًا ناجحًا يضاف إلى أرشيف الأفلام الناجحة في السينما العراقية)([1]) وفي السياق ذاته تشير الناقدة السينمائية سارة شلبي بأنّ “سرّ القوارير” (يُعدّ أحد الأعمال التي شكّلت علامة مضيئة في أرشيف السينما العراقية الحديثة، فهو فيلم يعيد الاعتبار للفكر الريفي العميق ويطرح تساؤلات عن العدالة، والكرامة، ودور المرأة في المجتمع)([2]). وتذهب أبعد من ذلك حينما تقول: (يؤكِّد النقاد أنَّ حنون نجح في خلق لغة سينمائية خاصة، تجمع بين الواقعية الشعرية والتعبير الرمزي، مستفيدًا من خبراته الطويلة في السينما الوثائقية لتقديم تفاصيل دقيقة تعكس البيئة العراقية بكل صدقها)([3]) وتختم شلبي رؤيتها النقدية حينما تقول: (يبقى فيلم سر ّالقوارير أكثر من مجرد عمل فني، فهو وثيقة بصرية تعكس مرحلة من تاريخ العراق، حين كان الريف مصدر الحكمة والسكينة، والنساء عماد الصبر والبقاء)([4]).
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نجاح هذا الفيلم يكمن في المعطيات الكثيرة التي يتوفّر عليها وأولها القصة السينمائية التي كتبها الروائي المبدع عبدالستار البيضاني. وقد عزّزت، جودة القصة بما تنطوي عليه من سيناريو وحوار، الرؤية الإخراجية للدكتور علي حنون الذي كان يعرف ما يريد ليحقق الثيمات الرئيسة والفرعية كلها من دون التضحية بأي منها. وقد ساعده في ذلك أداء الممثلين الأبطال الذين أُسندت إليهم مهمة البطولة الجماعية المتوازنة وأعني بهم آلاء حسين ومازن محمد مصطفى وأمير البصري إضافة إلى الطاقم النوعي من الفنانين الكبار الذي يبدأ بسامي قفطان وفاضل خليل ونزار السامرائي وطه علوان وكامل ابراهيم وطلال هادي وآسيا كمال ونسرين عبدالرحمن وعبير فريد، ويمرّ بحميد شاكر وذو الفقار خضر وصلاح مونيكا وطارق شاكر وينتهي بأزهار العسلي وحياة الشواك ونور محمد وبقية الفنانين الذين شاركوا في هذا الفيلم وارتقوا به إلى المستوى الإبداعي المتألق الذي جعله يستقر في الذاكرة الجمعية للمشاهدين العراقيين والعرب على حد سواء. ولا ننسى تعالق المخرج مع خبرات بعض التقنيين الإيرانيين أمثال مدير التصوير مجيد گرجيان والمتخصص بالإضاءة أرش ساساني والماكيير محسن ملكي ومساعدته سمية بهروز رضائي الذين تركوا بصماتهم الواضحة على الشريط الدرامي الطويل الذي قارب الساعتين ونصف الساعة من دون أن يتسلل الملل إلى المُشاهدين.
[1] – رشيد طه، سر القوارير- نقطة مضيئة في تاريخ السينما العراقية، الحوار المتمدن-العدد: 4730 – 2015 / 2 / 25.
[2] – شلبي، سارة، (قصة فيلم “سرّ القوارير” وأبطاله . . فيلم عراقي يستمد قيمته من حكمة النساء والريف)، موقع موجز الأنباء السعودي، الأربعاء 12 نوفمبر 2025.
[3] – المصدر نفسه.
[4] – المصدر نفسه.





