السرد الأدبي

مكتبة شكسبير الباريسية ✍️إيمان البستاني

A historical black and white photograph of the Shakespeare and Company bookstore in Paris, with a person browsing the display window.

ليست مكتبة «شكسبير» في باريس مجرّد مكانٍ لبيع الكتب، بل أسطورة من ورقٍ وحبرٍ وحلمٍ أمريكيٍّ تفتّح في قلب العاصمة الفرنسية.

في هذه الصفحات تروي لنا سيلفيا بيتش مذكّراتها كما لو أنها تسرد سيرة كتابٍ تحدّى العزلة والضيق ليصير منارةً ثقافية يقصدها الأدباء والرحّالة وعشّاق الكلمة.

كانت امرأةً تحمل شغفاً أكبر من رفوفها، أرادت أن تهدي باريس مكتبةً تتنفس الأدب الإنجليزي، فواجهت العقبات كما تواجه السفن العواصف، حتى أضاء اسمها في سماء الثقافة.

بين جدران مكتبتها مرّ جيشٌ من الأدباء والكتّاب والموسيقيين؛ فرنسيين وأمريكيين، لكلٍّ منهم حكايةٌ وعطرُ حضور.

تطلُّ غيرترود شتاين في المشهد كطفلةٍ صاخبةٍ تقود سيارتها وتُصلح إطارها المعطوب وهي تدخّن، في حين يلوح جيمس جويس بوجهه المتعب وعينيه المريضتين، يكتب يوليسيس كمن يكتب آخر ما تبقى له من البصر.

كان المرض والفقر يلاحقانه، حتى أجرى له طبيب عيونٍ أمريكيٌّ تدرب في فيينا عمليةً جراحيةً بدا بعدها جويس بعصابةٍ سوداء تغطي عينه اليسرى، بينما اليمنى لا تقلّ وهناً عنها.

ومع ذلك، واصلت سيلفيا بيتش المضيّ في مغامرتها الكبرى: نشر يوليسيس.

وسط عراقيلَ لا تنتهي وحظٍّ عاثرٍ “كفيلٍ بإغراق التايتنك سبع مرات”، كما تقول، قررت أن تهدي جويس في عيد ميلاده نسخة الرواية الأولى؛

غلافٌ أزرق يونانيّ، واسم المؤلف بالأبيض، وسبعمائة واثنتان وثلاثون صفحةً مليئة بالأخطاء الطباعية، حتى ليبدو الكتاب كأنه معركةٌ بين الكلمات والمطبعة.

كان جويس يرتّب الطرود بنفسه، يغرق بالصمغ حتى شعره، بينما تحاول سيلفيا انتزاع بقايا الحبر من أصابعها لتلحق بمواعيد البريد.

وحين صودرت نسخ يوليسيس في ميناء نيويورك، استعانت بصديقها إرنست هيمنغواي، “الزبون الأفضل”، الذي نقل الرواية نسخةً نسخة، مختبئةً تحت بنطال رسّامٍ صديق، لتعبر الحدود خلسةً نحو قرّائها الأمريكيين.

أُتلفت النسخ في لندن، وغرقت في طريقها إلى أمريكا، لكن باريس احتضنتها مجدداً، حتى صارت رواية يوليسيس عنواناً للعزيمة قبل أن تكون روايةً للتيه.

أما جويس، فغضب من الطبعات ذات الغلاف الأبيض، وعدّها تشبه زيّ النادل، غير مدركٍ أن كلماته كانت قد بدأت جولتها في العالم — من الهند إلى اليابان إلى الصين.

كانت سيلفيا بيتش الطاهيَ والقبطانَ معاً، تدير المكتبة وتنشر وتترجم، وتُعرّف الفرنسيين بالأدب الأمريكي، وتجمع بين ضفّتين من الحلم واللغة.

في مكتبتها الصغيرة اجتمع أدباء وشعراء وموسيقيون كأنهم في صالونٍ مفتوحٍ على الأبد.

هناك، بين رفوف الكتب والدفاتر العتيقة، كانت تنبض باريس الأدب بأجمل صورها.

فكن مستعدّاً، أيها القارئ، لأن تفتح الباب الخشبي العتيق وتدخل مكتبة شكسبير الباريسية… حيث كل كتابٍ يهمس باسمٍ من زمنٍ جميل

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading