سينما ومسرح

ظاهرة العقاب في مسرح أوجست استرندبرج🖋️ا.د/علي خليفة

صورة بالأبيض والأسود لرجل ذو شعر مجعد وعيون زرقاء، يرتدي ملابس رسمية مع ربطة عنق، يبدو عليه الجدية.

يبدو واضحًا في كثير من مسرحيات أوجست استرندبرج وجود ظاهرة العقاب بها، ففي كثير من مسرحياته توجد شخصيات ترتكب أخطاء وأحيانًا خطايا، ولا تهنأ هذه الشخصيات بحياتها بعد ذلك، بل إنها تعاقب، وتعاني خلال عقابها، وقد يصل بها هذا العقاب للجنون، وقد يصل بها أيضًا للموت، وفي أحيان أخرى يتم التطهير لهذه الشخصيات بعد أن تم عقابها على أخطاء ارتكبتها، وتنعم بالهدوء بعد ذلك.

وغالبًا ما نرى المرأة هي التي تقوم بعقاب الرجل في كثير من مسرحيات أوجست استرندبرج، ويكون عقابها له حين يحاول أن يتمرد عليها ويخرج من سلطتها، كما نرى في مسرحية “الأب”، ويصل عقابها له في هذه المسرحية بأن توصله للجنون ثم للموت.

وقد يكون عقاب المرأة للرجل مستمرًّا حتى بعد موتها، كما نرى في مسرحية “مواجهة الموت”، فالزوجة في هذه المسرحية قد شوهت سمعة زوجها، وأفسدت حب بناته الثلاث له، وظل الرجل يعاني من هذا التشويه حتى بعد موتها، ولم يجد حلًّا لهذا الأمر سوى بأن يواجه الموت، ويتخلص من حياته.

وفي مسرحية “سوناتا الشبح” تعاقب المرأة الرجل الذي أحبته وأحبها في الماضي بأن تجعله يدخل الدولاب الزجاجي الذي كانت تجلس فيه لسنوات تكفيرًا عن ذنوب ارتكبتها؛ وذلك حتى يستوفي نصيبه من العقاب، فقد كان ذلك الشخص سببًا في كثير من المآسي التي حدثت لأسرة هذه المرأة.

وفي بعض مسرحيات أوجست استرندبرج يكون عقاب الرجل لخطأ ارتكبه بسبب غوايته بامرأة تخلى عن العالم من أجلها، ثم اكتشف أنها ليست سبب نعيمه في الحياة، بل إنها سبب شقائه، فيسعى بكل ما أوتي من قوة ليتخلص منها، عسى أن ينجو من العقاب الذي حل عليه بدورانه حولها، كما نرى هذا في مسرحية “جرائم وجرائم”.

وفي بعض مسرحيات استرندبرج يقوم الرجل بعقاب المرأة، بتعذيبها وإيلامها، وقد يسلمها للموت في النهاية، كما نرى في مسرحية “الآنسة جوليا” التي يشعر شاب خادم عند أبيها بفوارق طبقية كبيرة بين طبقته وطبقة جوليا وأبيها، ويرغب في تدميرها من أجل ذلك، فيستغل سكرها في إحدى الحفلات، ويبادلها الشهوة برغبتها، وحينما تفيق من سكرها ومن عبثها تشعر بهول ما فعلته، في حين يتلذذ هو بآلامها، ويظل يحاصرها حتى يجعلها تنتحر في النهاية.

وفي مسرحية “الدائنون” نرى الزوج الأول يعاقب طليقته بعد عدة سنوات من انفصالهما؛ لأنها هربت منه، وتسببت في فضائح له في الماضي، ويكون عقابه لها بأن يتقرب من زوجها الحالي، ويفسد عليه هناءه الزوجي، فيشككه في سلوك زوجته، ويسلمه للموت في النهاية، ولا يكتفي بذلك، بل إنه يشوه سمعتها هي أيضًا، فيكون بهذا قد بالغ في عقابه لها، وانتقم لنفسه انتقامًا شديدًا منها.

وفي بعض مسرحيات استرندبرج نرى الرجل والمرأة يعاقب كل واحد منهما الآخر، ويدمران خلال ذلك نفسيهما، ويتسببان أيضًا في عقاب الأطفال الذين بينهم، كما نرى في مسرحية “الرباط”.

وكما رأينا فقد يكون العقاب شديدًا في بعض مسرحيات استرندبرج، وينتهي بالجنون وبالموت أيضًا، ولكننا نرى العقاب – في بعض مسرحيات استرندبرج – ينتهي بالتطهير، فبعد أن عوقبت الشخصيات في هذه المسرحيات على جرائم ارتكبتها بأنواع مختلفة من العقاب، يكون هذا العقاب بمثابة التطهير لها، وتستطيع بعد ذلك أن تشعر بالطمأنينة والهدوء، كما نرى حال البطل في مسرحية “جرائم وجرائم”، فبعد أن ارتكب خطأ كبيرًا بتناسيه لابنته غير الشرعية وأمها التي وعدها بالزواج – تموت ابنته هذه في ظروف غامضة، ويتهم مع عشيقة له بقتلها، ويعاني كثيرًا، وتسد كل الأبواب في وجهه، وبعد أن يتجرع مزيدًا من الألم يتم تطهيره، ويحصل على خلاصه، وكذلك الحال في مسرحية “عيد القيامة”، ففيها نرى أسرة تعاني نتيجة أخطاء ارتكبها الأب فيها، ودخل السجن، وتظل هذه الأسرة تتجرع الألم حتى يطهرها هذا الألم من الخطايا التي ارتكبها الأب، وحملتها عنه، وتحصل على خلاصها في النهاية، وفي هذه المسرحية يمزج المؤلف بين معاناة هذه الأسرة ومعاناة المسيح – كما يعتقد النصارى عنه في العقيدة المسيحية – وتظل معاناتها مستمرة في أسبوع الآلام حتى تتطهر، وتحصل على الراحة والهدوء بعد ذلك.

وهكذا نرى أن ظاهرة العقاب واضحة في مسرحيات استرندبرج، وتؤثر على الأحداث والشخصيات بها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading