أشرعة الضوء في عتمة الحصار: قراءة في قصيدة إدريس علوش


القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي – المغرب
يكتب إدريس علوش قصيدة لا تقول فقط، بل تُشير، تُلمّح، وتُجسد لحظة عابرة في الزمان الممتد للمأساة الفلسطينية، لحظة تختزلها سفينة توقفت، لكنّ رمزية هذا التوقف تتجاوز الحدث الإخباري لتصبح مدخلاً إلى استعادة أسئلة التاريخ، وتكثيف المعنى الإنساني في مشهديّة الغضب والمقاومة. في قصيدته القصيرة، المكثفة، يختار الشاعر أن يكون صوتاً ضمن قافلة النور العابرة للحدود، دون أن يفقد شعره عمقه الفني أو حساسيته الجمالية. فبين “غريتا” و”رفاق الرحلة”، يبني نصاً هو في جوهره أداة مقاومة، وبنية رمزية تستحضر العالم، لا لتصفه، بل لتدينه وتحاكم صمته.
القصيدة مكتوبة بلغة مشذبة، تراهن على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى التكثيف بدل الإسهاب. الشاعر لا يقدم خطاباً مباشراً، بل يراكم صوراً تُحيل إلى دلالات سياسية وأخلاقية وإنسانية، مستخدماً تقنيات الحذف والاختزال لتوليد التوتر التعبيري داخل الجملة. فـ”غريتا” ليست فقط شابة مناصرة لقضية عادلة، بل تتحول إلى رمز مركّب: أيقونة بيئية، جسد أنثوي مقاوم، صرخة في وجه السرديات المهيمنة، وهي هنا تدخل القصيدة لا بصفتها الذاتية، بل بوصفها حاملًا دلاليًا لتمرد عالمي ضد قهر استعماري معولم.
القصيدة تبدأ ببنية تركيبية توحي بالافتتاح المسرحي: “بين غريتا / ورفاق الرحلة سفينة”. لا فعل صريح هنا، بل علاقة ظرفية، ترسم فضاء بين طرفين يتوسطهما كائن مركزي: السفينة. لكن هذه السفينة ليست مجرد وسيلة نقل، إنها المحور الرمزي الذي يجمع الذوات، يحولها من أفراد إلى “رفاق”، ومن رحلة عادية إلى “رحلة نضالية”، ويُحيل على جغرافيا من النفي والإثبات. فـ”السفينة” ليست فقط وسيلة للعبور، بل لقول ما لا يُقال، لنقل التضامن من مجرد خطاب إلى فعل رمزي عابر للحدود البحرية والسياسية والأخلاقية.
تأتي الجملة الثانية: “حضارة موقف / بحر أشرعة ومدينة”، لتوسع الحقل الدلالي، وتمنح القصيدة بعدها الجدلي. الحضارة ليست هنا بناءً ماديًا، بل هي “موقف”، تموضع أخلاقي في صراع القيم، وانتصار للإنسان في مواجهة البربرية. البحر، في استعاراته الشاسعة، يصبح ساحة للمواجهة، للأمل، وللإبحار نحو معنى جديد للعدالة. الأشرعة، التي تُمثّل إرادة الحركة رغم كل العوائق، تلتقي بمدينة، لم يُسمّها الشاعر، لكنها تحضر كثقل رمزي لجغرافيا محاصرة: غزة.
باقتصاد لغوي حاد، ينتقل الشاعر من المشهد إلى التحية، حيث يوجه القصيدة لتكون سلامًا للمقاومة، لا باعتبارها فعلاً مسلحًا فقط، بل باعتبارها حالة وجودية: “تحية لحرائر غزة / لقافلة شهداء / لسواعد مقاومة”. هنا تتعدد طبقات الإشارة، وتتنوع مستويات الخطاب، فـ”الحرائر” تحضرن كرموز مزدوجة: نساء في الجبهة، وأمهات في الداخل، ومناضلات في الهامش التاريخي المقموع. أما “قافلة الشهداء”، فهي ليست نعيًا بل إعلانًا عن تواصل المسار، في حين أن “السواعد المقاومة” تحيل على الجسد المقاوم، جسد الفلسطيني الذي يشتغل بالممكن، بالحجر، بالصوت، بالحق في الوجود.
يمضي الشاعر في فتح خطابه نحو كل “أشكال الصمود”، في انفتاح دلالي يروم كسر الاختزال، وتفكيك الصور النمطية للمقاومة. الصمود، هنا، يتعدد ويتشعب: هو صوت الطفل، وهو فتيل الشمعة، وهو انتظار الأم، وهو حتى الأمل البسيط في الغد. من هذا التعدد، يولد التوتر الجمالي في القصيدة، وتظهر براعة الشاعر في جعل النص بؤرة لإعادة تعريف البطولة خارج ثنائيات البطش والتضحية.
لكنّ علوش لا ينسى الطفولة، ولا يسقطها من القصيدة. إن الطفولة، في النص، تحضر عبر صورة “زهرات طفولة”، وهي صورة تمتزج فيها النعومة بالمأساة، الطراوة بالقصف، الضحكة بالبكاء المكبوت. فالأطفال هنا ليسوا خلفية للدراما، بل جوهرها، ورهانها. هم الخاسرون الأكبر في مشهد الاستعمار الوحشي، لكنهم أيضاً – في مفارقة مدهشة – من يحملون “شارات النصر”، يرتقون فوق الحطام، ويعلنون في صمت طفولي هائل، انتصار الحياة رغم كل محاولات الإبادة الرمزية والمادية.
البيت الأخير “شارات نصر تعلو وتخفي / تعب الليالي الحزينة”، يُشكّل ذروة البناء الدرامي للقصيدة. فالنصر لا يُعلَن هنا عبر صور القتال، بل يُرى من خلال قدرة الإنسان على مواصلة الحلم، على تجاوز “تعب الليالي الحزينة”، تلك الليالي التي تحيل على كل لحظات القهر، الجوع، الفقد، الانتظار، الغارات. لكن القصيدة، بذكاء شعري نادر، لا تنهي على نغمة يأس، بل تُخفي التعب تحت رايات النصر، وكأن الشاعر يراهن على الأمل كثابت أخلاقي، لا كمجرد نزوة شعرية.
إن قصيدة إدريس علوش، في هذا السياق، لا يمكن قراءتها دون إدراك خلفيتها النضالية، ولا دون تتبع أسلوب الشاعر في كتابة شعر المقاومة دون الوقوع في شعارية رخيصة أو خطابية فجّة. إنّه يكتب شعراً يُقاوم ليس فقط المحتل، بل أيضاً بلادة العالم، وخذلان الضمير الإنساني. وهذا ما يجعل النص قصيدةً بالمفهوم الجمالي، ووثيقة إدانة بالمفهوم الأخلاقي، وموقفًا إنسانيًا بالمفهوم السياسي.
بهذا المعنى، فإن “بين غريتا ورفاق الرحلة” ليست مجرد لحظة شعرية، بل لحظة تواطؤ بين الشاعر والقارئ لصياغة عالم بديل، عالم لا يُقاس بقوة الجيوش، بل بقدرة الكلمات على زرع بذور المقاومة، في التربة اليابسة للخراب المعولم.





