مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

هاني شُعيب . . شاعرٌ من نسيج وحده-عدنان حسين أحمد

مجموعة من الرجال يجلسون حول طاولة في اجتماع، مع كتب وماء على الطاولة، وخلفية تحتوي على عناصر تزينية.

لندن:

صدرت عن (دار النسيم للنشر والتوزيع) بالقاهرة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر المصري هاني شُعيب وقد ضمّت هذه الأعمال الشعرية بجزأيها الأول والثاني ست مجموعات شعرية وهي على التوالي: (سراب، تراتيل، الحُب بلا أبعاد، الحُلُم . . مع سبق الإصرار، لوليتا، و ترنيمة الصمت). ويستطيع القارئ الكريم أن يستشف من القصائد المُؤرَخة بأنّ الشاعر قد بدأ النشر منذ عام 1966 واستمرّ حتى الوقت الحاضر ولكن إرهاصات الكتابة تعود إلى وقت أسبق من هذا التاريخ. ولعل الناس المُقرّبين من الشاعر هاني شُعيب يعرفون من كثب أنَّ والده كان شاعرًا مطبوعًا، وأنّ جدّه كان شاعرًا مُجوِّدًا أيضًا، وأنه نهلَ الشعر من هذا المنجم الأُسري الذي يكتظ بالكلام البليغ، والصور الشعرية المُدهشة خاصة بعد أن أهداه الوالد إلى قراءة (الشوقيات) التي فتحت له أبواب المجاز والبلاغة والبديع، وأخذت بيده إلى عوالم الدهشة والغرابة والإبهار.

قد يتساءل القارئ اللبيب عن السبب الذي يكمن وراء شحّة الإنتاج الشعري للشاعر هاني شعيب، وبحسبة بسيطة نعرف أنه أنجز مجموعة شعرية واحدة في كل عشر سنوات، ولعل عمله كاستشاري للطب النفسي في المملكة المتحدة منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي حتى إحالته على التقاعد قد هيمنَ على القسم الأكبر من وقته، ولا أريد أن أسوق هذا العُذر لأبرِّر له شحة الإنتاج الشعري لأن النوع أهم بكثير من العدد، بل أنَّ قصائده الجميلة المُتقنة تُذكّرنا بسبائك الذهب أو باللُقى الأثرية التي تأخذنا إلى أعماق الأزمنة المُوغلة في الأصالة والقِدم. ومَن يتمثل حتى قصائد البدايات الأولى للشاعر هاني شعيب سيكتشف من دون عناء أنه شاعر مُتفرد في إخلاصه للنص الشعري الذي لا يجعلكَ تتردد في القول بأنَّ صاحبهُ ومُبدعهُ هو (من نسيج وحده). وهذه الخلاصة ليست اعتباطية أو عابرة أُريد أن أُسبغها عليه وإنما هو شاعر متفرد حقًا وكما يُقال في الإنگليزية A unique or A distinguished poet.

بحور الشعر الحميمة

تحتاج هذه الأعمال الشعرية الكاملة إلى دراسات نقدية متعددة لدراسة هذه التجربة الشعرية وفحصها بشكل جيد ولكن مناسبة الإصدار وتنظيم الأمسية الاحتفائية التي نظّمتها الجالية المصرية بلندن قد اضطرتني لأن أتناول 25 نصًا شعريًا من هذه الأعمال الشعرية الكاملة لكي نتعرّف، نحن القرّاء والمتابعين الخُلّص، على بحور الشعر الحميمة إلى نفس الشاعر والتي يفضّل الكتابة بها وقد جاءت النتيجة كالآتي: أنَّ الشاعر المُجوِّد هاني شُعيب يكتب في ثمانية بحور شعرية وهي كالآتي: الكامل، والبسيط، والمُتدارك، والرمل، والرجز، والهزج، والمتقارب، والمضارع). والهدف من معرفة البحور الشعرية المُفضلة لدى المبدع هاني شعيب هو معرفة الإيقاعات الخارجية التي تتيح لنا الولوج إلى الموسيقى الداخلية لأي نص شعري يكتبه ويتماهى فيه.

ونظرًا لطبيعة الدراسة النقدية المركّزة واشتراطات وقت المحاضرة الضيّق الذي لا يسمح بالإفاضة والإطناب فقد ارتأينا أن نأخذ 25 نصًا شعريًا من هذه الأعمال الكاملة لنتعرّف على بحور الشعر الحميمة إلى نفس الشاعر والتي يفضّل الكتابة بها وقد جاءت النتيجة كالآتي: أنَّ الشاعر الحاذق هاني شُعيب يكتب في ثمانية بحور شعرية وهي كالآتي: الكامل، والبسيط، والمُتدارك، والرمل، والرجز، والهزج، والمتقارب، والمضارع). والهدف من معرفة البحور الشعرية المُفضلة لدى المبدع هاني شعيب هو معرفة الإيقاعات الخارجية التي تتيح لنا الولوج إلى الموسيقى الداخلية لأي نص شعري يكتبه ويتماهى فيه.

ومن باب المُصادفة ربما فإن الشاعر هاني شعيب يستهل الجزء الأول من أعماله الشعرية الكاملة ببيتين من الشعر اللذين ينتميان إلى بحر البسيط حيث يقول:

(قد تَاهَ فِكري فهلّا زِدّْتِني خَبَرا       من أي جَوهرِ حُبٍّ صاغكِ اللهُ؟

سبحانَ من نَظمَ الدنيا ولحَّنها     بيتًا من الشعرِ في عينيكِ معناهُ)

مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ     مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ

مفتاح البحر

إِنَّ الْبَسِيْط لَدَيهِ يُبْسَطُ الأَملُ     مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُن

أمّا المُصادفة الثانية التي تلي هذا الاستهلال الجميل والمُعبِّر والرصين فهي قصيدة (حوريّة) التي يقول في مَطلعها:

(حوريةٌ هربتْ، والبدرُ عنوانُ     هل فُتِّحتْ عَدْنٌ أم غابَ رضوانُ؟).

وثمة قصيدة ثالثة كتبها على بحر البسيط عنوانها (ملاك الفكر) وقد نسجها على منوال قصيدة لأحمد شوقي يقول فيها:

(داري الجمال عن العَيَان فإنني       بشرٌ  تراب، وهذا الحُسن ربّاني)

بينما يقول أحمد شوقي:

(صوني جمالك عنّا إننا بشرٌ    من التراب، وهذا الحُسن روحاني)

البحر الراقص

يحبِّذ الشاعر هاني شُعيب بحر المُتدارَك وقد كتب فيه خمس قصائد (ضمن عيّنة البحث) وهي (مصباح فوق درب الحزن)، (خمسة أشهر)، (حروف الوفاء)، (أرنستو جيفارا) و (سورة العِشق) سنتوقف عند ثلاث منها اختصارًا للوقت حيث يقول في قصيدة (خمسة أشهر)

(خمسةُ أشهرْ . . أكبرُ مني بخمسةِ أشهرْ

قالت، وهي تخطُّ حروفًا ترسم اسمي

صُورًا . . فوق جبين الدفتر).

ربما تكون قصيدة (أرنستو جيفارا) هي أنموذج آخر للمتدارك الذي أُطلقت عليه أسماءً عدة من بينها (المُحدَث) و (المُخترَع) و (المتسَق) و (الخبب) و (ضرب الناقوس) وما سواها من تسميات وتوصيفات دقيقة مُشتقة من وزنه العذب وإيقاعه الراقص السريع حيث يقول في هذه القصيدة المُشار إليها أعلاه:

(في أعماق الليل المُثقَل بالأشجان

كان القمرُ الطفلُ هناك

يرقبُ من شرفات الغَيمات المُلتفَّةِ بالأحزان).

أمّا القصيدة الثالثة فسننتقي منها هذه الأبيات القصيرة التي يقول فيها:

(والنَسمِ إذا رقْ

والطير إذا زقْ

والقلب إذا دقْ). وهي من مجزوء المُتدارك لأنّ كل شطر يتكوّن من ثلاث تفعيلات وليس أربع تفعيلات.

للمتدارك أو الخبب أكثر من مفتاح مثل:

حركاتُ المحدثِ تنتقلُ      فعلن فعلن فعلن فعل

مفتاح (الخبب):

خببًا ذهبت تمشي الإبلُ     فعلن فعلن فعلن فعل

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإمام علي مرّ ذات يوم براهب وهو يضرب الناقوس فقال لجابر بن عبدالله أتدري ماذا يقول هذا الناقوس فقال الله أعلم. قال: هو يقول:

(حقًا حقًا حقًا حقًا       صدقًا صدقًا صدقًا صدقًا

إنّ الدنيا قد غرّتنا         واستهوتنا واستلهتنا

لسنا ندري ما قدّمنا      إلّا أنا قد فرّطنا

يا بن الدنيا مهلًا مهلًا     زن ما يأتي  وزنًا وزنًا).

كمال البحر وجمال القصيدة

من البحور الشعرية المُحببة لدى الشاعر هاني شعيب هو بحر الكامل ومجزوئه ومفتاحه:

(كَمَلَ الجمال منَ البحورِ الكاملُ  متفاعلن متفاعلن متفاعل)

حيث كتب الشاعر ست قصائد ضمن مجال البحث الذي أعددناه وهي: (لا وقت للحُب)، (نهاية)، (قبل الرحيل)، (عودٌ على بدء)، (إلى اللقاء) و (انتظار). وبالمناسبة أنَّ (بحر الكامل) هو بحر أحادي التفعيلة يرتكز بناؤه على تكرار (متفاعلن) ثلاث مرات في الصدر وثلاث مرات في العجُز. و هو من أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا قديمًا وحديثًا.

في صُورةٍ تمَّتْ وأُكمِلَ خلْقُها *** للنَّاظِرِيـن كصُورةِ التمثالِ

مُتْفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ *** مُتَفَاْعِلُنْ مُتْفَاْعِلُنْ مُتْفَاعِلْ.

مجزوء الكامل.

مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ ** مُتَفَاْعِلُنْ مُتَفَاْعِلُنْ

وكفاكَ ما جرَّبتَهُ *** حسْبُ امرئٍ ما جَرَّبا

مُتَفَاْعِلُنْ مُتْفَاْعِلُنْ *** مُتْفَاْعِلُنْ مُتْفَاْعِلُنْ.

يقول الشاعر هاني شعيب في قصيدة (نهاية)

نحنُ انتهينا يا حبيبي في الهوى أيَّ انتهاء *** لم تعد ذاكَ الحبيبَ يُطيبُ لي بالنجوى عزائي (الكامل)

تتساءلين . . لِمَ انثنى قلبي؟ *** يا طفلتي . . لا وقتَ للحُبِّ (مجزوء الكامل)

ويقول في قصيدة (قبل الرحيل)

منذُ الولادةِ، كانَ وجهُ الحُبِّ – مثلَ ولادةِ الشهداءِ – معصوبَ الجبينْ (الكامل)

ويقول في قصيدة (عودٌ على بدء):

(زُهيرتي البيضاءْ

لرُبَّما – مع المساءِ – تحلمينْ

برحلةٍ بعيدةٍ على قواربِ السهرْ). (الكامل)

ويقول في قصيدة (إلى اللقاء):

(وذهبتِ . . فانتحبَ الفؤادْ

أحسستُ بالحزنِ الشتائيِ القميِء . . وبالسوادْ) (الكامل)

بحر الرقة وحاضنة الموشحات

بحر الرمل: فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ  ***  فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ

مفتاح الرَمَل

رَمَلُ الأَبْحُرِ تَرْوِيهِ الثِّقَاتُ  ***   فَعِلَاتُنْ فَعِلَاتُنْ فَاعِلَاتُنْ

سُمِّيَ بالرَّمَلِ لسرعة النطق به، وهو مأْخُوذٌ من رَمَلَ رَمَلاً، أي هَرْوَلَ هَرْوَلَةً، والهَرْوَلَةُ هي فوق المشي ودون العدو، وهذه السرعة متأتِّية من تتابع التفعيلة فَاعِلاتُنْ فيه. ويشير البستاني ( إلى أنه بحر الرقة ينظم في الأفراح والأحزان وكثير من الموشحات نظمت على وزنه).

من أجمل الأبيات الشعرية التي كتبها الشاعر هاني شعيب قصيدة (عودة) التي يقول في مطلعها:

(أنبأوني . . أنها تسألُ عَنَّي *** ليتَ شِعري . . ما الذي ترجُوه منِّي؟

لن يعودَ الحُبَّ يومًا . . بالتمنَّي *** ها أنا أحيا بقلبِ مُسْتكنِّ)

وفي قصيدة (سراب) يقول الشاعر هاني شُعيب:

(لا تسلها يا فؤادي . . صمتُها فيه الجوابْ

إنْ تناستْ أو تجنَّتْ ليس يجديكَ العِتاب).

وفي قصيدة (ذنبٌ وإله) يقول الشاعر هاني شعيب:

(لمْ أكنْ أعلمُ يومًا *** أنَّ للعينين صوتًا . . وشفاه

لمْ أكن أدركُ يومًا *** أنَّ بالعينينِ . . محرابَ صلاهْ)

وفي قصيدة (النبوءة) يقول الشاعر هاني شعيب:

(بدرُنا ليس جميلًا يا حبيبي، والسماءْ *** لم تعُدْ زرقاءَ . . تُغريني بأحلامِ المساءْ)

وفي قصيدة (أشياءُ قديمة) يقول فيها الشاعر هاني شعيب:

(هي أشياءُ قديمة . . غَافيةْ

أتركيها في هدوءٍ وسلامْ)

الإيقاع السريع

بحر الرجَز: وهو من البحور الشعرية الشهير ويلقّب بـ (حمار الشعراء) لسهولته وكثرة استعماله ويُبنى على تكرار تفعيلة مستفعلن ثلاث مرات في كل شطر (تام) أو مرتين (مجزوء) ويتميز بإيقاع سريع يناسب الأراجيز التعليمية والقصصية.

وزنه التام: مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ / مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ.

المجزوء (الأكثر شيوعاً): مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ / مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ.

المفتاح:

فِي أَبْحُرِ الأَرْجَازِ بَحْرٌ يَسْهُلُ ••• مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

يقول الشاعر هاني شُعيب في قصيدة (رُباعيات الحُب):

(حينما أُصبحُ كالنقشِ . . مصيرًا

في تجاويفِ يديكِ

قبِّلي كفَّيكِ شُكرًا . . وأسمعيني

قصةً تُروى إليكِ)

وفي قصيدة (رحلة الحُب والغضب) يقول الشاعر هاني شعيب:

(تعبتُ يا أميرتي من كثرة السفرْ

سئمتُ يا أميرتي . .

من غُربة التجوال في النجوم والقمرْ)

وفي قصيدة (الحُبُّ والكلمات) يقول الشاعر هاني شعيب:

(وَبَعدُ، إذْ تَمرُّ في دروبِ جَفْنِنا قوافلُ الأرَقْ *** عجزتُ يا حبيبتي، أن أنسجَ الأحلامَ والقلقْ)

بحر المتقارب: يتميَّز بإيقاعه المنتظم القريب من النفس. يتكوَّن بحر المتقارب في صورته التامَّة من تفعيلة واحدة تتكرَّر ثماني مرَّات في البيت (فعولن فعولن فعولن فعولن) في كل من الشطرين. ويُستعمل في التعبير عن الموضوعات الجليلة ويظهر في الكثير من القصائد الملحمية.

ومفتاحه:

عَنِ المُتَقَارِبِ قَالَ الخَلِيلُ  ***   فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ

يقول الشاعر هاني شعيب في قصيدة (همس الجنون):

(أُداري، ويطغى حنيني إليكِ *** فأسالُ نجمَ الليالي عليكِ

وأسكرُ وحدي ومن شفتيكِ *** معَ الذكرياتِ بطيف اللقاءْ)

بحر المضارع: وهو من البحور المشتركة بين العربية والفارسيةووزنه مفاعيلن فاعلاتن غير أن العرب لم تستعمله إلّا مكفوف الجزء الأول أي محذوف النون من مفاعيلن وهو نادر الاستعمال وسمي بالمضارع لأنه ضَارَعَ المُقْتَضَبَ والمُجْتَثَّ، أي شَابَهَهُمَا.

وفقا لنظام الدوائر العروضية:

مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لَاتُنْ مفاعيلن  *** مَفَاعِيلُنْ فَاعِ.لَاتُنْ مفاعيلن

ولكن الشعراء لا تنظم عليه تاما، وهو مجزوء وجوبًا بنظر العروضيين، فيصير الوزن:

مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لَاتُنْ   ***   مَفَاعِيلُنْ فَاعِ.لَاتُنْ

يقول الشاعر هاني شُعيب في قصيدة (خِداع البشر):

دعْ اللومَ عني رفيقَ السَّهرْ *** ولا تتجنَّى فإنّي بشرْ

أُحبُّ الجَمَالَ فكيفَ أكونُ*** أمامَ الجمالِ كصُمِّ الحَجَرْ؟

الخلاصة

نخلص إلى القول إنّ هاني شُعيب هو شاعر بمعنى الكلمة، وليس ناظِمًا على الإطلاق، بل أنه لم يقرب النظم منذ يفاعته الشعرية وحتى يومنا هذا الذي نحتفي به كشاعر عربي كبير تجاوز حدود (أم الدنيا) وبسط شعريته المتوهجة على العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

لقد أشرنا في مقدمة هذه الدراسة النقدية بأنّ الشاعر هاني شُعيب له بصمته الخاصة، وقلنا إنه (من نسيج وحده) لتأكيد فرادته الشعرية وهو لا يختلف عن الأسماء الشعرية البارزة في (أرض الكِنانة) مثل أحمد شوقي، وأمل دُنقل وآخرين، والعالم العربي وخاصة (بلاد ما بين النهرين) مثل السياب والبياتي، وفي فلسطين التي يشمخ فيها محمود درويش. إضافة إلى قامات شعرية أخرى في العالم العربي لا يستع المجال لذكرهم جميعًا.

تمتاز قصائد الشاعر هاني شُعيب في المجمل بموسيقى داخلية مُرهفة وعالية الرنين. ويُذكرنا بعض من قصائده بجمال الموشحات الأندلسية وعذوبتها. ولعله يتقدّم على كثير الشعراء العرب بهذه الموسيقى الحيّة الراقصة التي تنقل القارئ أو السامع إلى فضاء غنائي يبعث على الدهشة والنشوة والإبهار.

تتصف غالبية قصائد الشاعر هاني شعيب، إن لم أقل كلّها، بلغة متوهجة لم تُستهلك كثيرًا، وصورهُ الشعرية جديدة لا تُحيل كثيرًا إلى شعراء آخرين، وإن اشترك معهم في فضاء الصورة الشعرية التي يرسمها غالبًا بكلمات سلسة ومطواعة ونديّة تحيلُ إليه وتعزز تجربته الشعرية التي تتعمّق فرادتها يومًا بعد يوم.

وبالمقابل يتعالق بعض قصائده مع أبيات أو صور شعرية لشعراء آخرين مشهورين جدًا في المَشهد الشعري العربي مثل أحمد شوقي ونزار قباني والسياب والبياتي ويحاول النسج على منوالهم. فهؤلاء الشعراء الكبار لديهم فضاءات خاصة لا يلجها العابرون في المَشهد الشعري ولا يستطيعون مجاراتهم أو الاقتراب من فضاءاتهم الشعرية الحميمة.

يستلهم هاني عناصر الطبيعة ويوظفها في نصوصه الشعرية وهو يُذكِّرنا كثيرًا بالشعراء الرومانسيين البريطانيين أمثال  وليم بليك، وليم وردزورث، صموئيل تايلر كولردج، جون كيتس، برسي بيش شلي، وجورج جوردون بايرون وشعراء آخرين لا بدّ أن يكون الشاعر هاني شعيب قد اطلّع على أشعارهم وقصائدهم الرومانسية خاصة وأنه أتقن اللغة الإنگليزية بعد إقامته وعمله في المملكة المتحدة.

يوظِّف الشاعر هاني شعيب الثيمة الوطنية في شعره ويتماهى مع الشخصيات الوطنية التي تركت أثرها ليس في مصر حسب وإنما في الوطن العربي والعالم بأسره. فكل القصائد عن القائد الراحل جمال عبدالناصر تؤشر على حبِّه وولائه لهذا الرجل الذي تحوّل إلى رمز للبطولة والتضحية والفداء ومات ميتة غامضة لم يتحقق منها المواطن العربي الذي أحبّه ومجدّه بأخلاص وحزن على رحيله الموجع. ومن يقرأ القصائد التي كتبها الشاعر هاني شُعيب سيشعر بهذه الغصة التي أشَرْتُ إليها بشكل عابرًا لأُمجد فيه هذا الإخلاص الإنساني لرجل أحبّ مصر والمصريين وقدّم لهم ما يستطيع تقديمة خلال سنوات حكمه التي لامست شكل الأسطورة الجماعية.

ينوّع الشاعر هاني شعيب على ثيمة الحُب بمعانيه المتعددة مثل حُب الوطن، والحبيبة، والأم، والزوجه، والأبناء، والأصدقاء، والأقارب من الدرجة الأولى وما إلى ذلك. ولم يأخذ هذا الحُب طابعًا رومانسيًا حسب وإنما تعداه إلى الجانب الروحي بما ينطوي من تجليات وإشراقات لا تجدها إلّا عند الإنسان المتأمل الذي ينظر إلى الحياة نظرة جدية تتعالق مع الجانب الرومانسي الحالم من دون أن يفارق اللمسات العلمية والفكرية التي يؤمن بها ويتماهى معها في حياته اليومية المحتشدة بالأوجاع والمسرّات.

يُفترض أن ينتمي الشاعر هاني شُعيب إلى جيل الستينات الذي التمعت فيه أسماء كثيرة أبرزها محمد ابراهيم أبو سُنّة ومحمد عفيفي مطر وأحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور وحلمي سالم وحسن فتح الباب ومن شعراء العامية سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي وما سواهم الكثير لكنه، أي الشاعر هاني شعيب، صدقًا وحقًا ينتمي إلى مدرسة مُستقلة تُشبه تمامًا تلك المدرسة المُستقلة التي انتمى إليها شعراء عراقيون أمثال محمد مهدي الجواهري وأحمد الصافي النجفي وصلاح نيازي وهذا التوصيف النقدي يعود إلى أستاذي الدكتور الناقد جلال الخياط (طاب مثوىً). فالصديق الشاعر هاني شعيب ينتمي إلى هذه المدرسة المُستقلة التي اجترحها بنفسه ولا يزال يقيم فيها على مدى ستة عقود أو يزيد.

ولكي لا يُساء الفهم فإن الشاعر هاني شُعيب يكتب في غالبية بحور الشعر العربي ولا يقتصر فقط على البحور الثمانية التي وردت في متن البحث ومن يتمعن في قصائد أعماله الشعرية الكاملة سيجد استعماله لما تبقى من البحور الشعرية الأخرى مثل (الطويل والوافر والخفيف والسريع والمنسرح والمديد والمُقتضب والمجتث). كما أنَّ موضوعاته متنوعة وعميقة لدرجة أستطيع الجزم فيها بأنه يستطيع الكتابة في أي موضوع يشاء بمجرد أن يضعه نُصب عينيه.

وفي الختام لا أجد بُدًا من القول دعونا نحتفي بهذا الشاعر المتفرد الذي أنجز لنا أعماله الشعرية (غير الكاملة) لأننا ننتظر منه الكثير من القصائد الجميلة المثيرة للمشاعر والأحاسيس الإنسانية المرهفة التي يُتحفنا بها بين أوانٍ وآخر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading