بلا مكان للشاعر عبد الرزاق الصغير – عبد العزيز الخبشي – المغرب

بلا مكان استريح فيه
أكتب وجها بتفاصيله المرتاحة
امرر اناملي حيث لا خبث
ولا مرار ولا طعم يرديك قتيلا
اذقت طعم الرهج
امت من قبل ورجعت من القبر تحكي للناس عن رخلتك الاخيرة
كيف كان طعم الحب الأخير
في عيد الأضحى الأخير
كيف كانت حفلة الشواء
هل صليتم المغرب كل على حدى
مامعنى …؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كيف كان طعم الكبد ؟؟
هل ظل صنوبرة الحي
بلا احبة نفسه كما كان وزوزته لذيذة
جدا
——–
تتحرك قصيدة “بلا مكان” لعبد الرزاق الصغير في مساحة شعرية مأزومة، ترسم وجهاً للذات المنكسرة المتجولة في متاهة الاغتراب الوجودي، حيث المكان – كرمز حضاري وإنساني ووجداني – يغدو معدوماً، ويصير الغياب هو القاعدة التي تتأسس عليها التجربة الشعرية، تجربة لا تجد مهرباً من الموت إلا بالموت ذاته، ولا من الحب إلا عبر فقدانه، ولا من الطقس الجماعي إلا بشهادة مفجعة على خوائه وانفراطه. إن الشاعر لا يبدأ قصيدته بالقول، بل يبدأها بالأنين: “بلا مكان أستريح فيه”. ليست البداية تعبيراً عن فقد المأوى فحسب، بل إعلاناً صريحاً عن انعدام شرط الاستقرار النفسي والوجداني، عن ضياع الداخل أكثر من الخارج، وكأن الذات الشاعرة تحمل داخلها خراب العالم. هذا المطلع يختزل الأزمة الوجودية التي تحكم النَفَس العام للقصيدة، فلا نجد فيها التماهي مع الوطن، أو مع الجسد، أو مع الحب، أو حتى مع الطقس الديني والاجتماعي، بل نجد الذات وقد فقدت كل مرجع ثابت.
يُعلن الشاعر، في حركة تشي بتوتر داخلي، رغبته في “كتابة وجه بتفاصيله المرتاحة”، لكن المفارقة سرعان ما تبرز: هل من الممكن للذات المنفية، التي لا تجد موطئ قدم في الواقع، أن ترسم ملامح الراحة؟ إن هذه “التفاصيل المرتاحة” ليست وصفاً للواقع، بل استيهام له، محاولة استحضار المستحيل عبر اللغة، لأن الراحة نفسها لا تُكتب، بل تُفتقد. ولعل هذا السعي إلى الكتابة كبديل عن الحضور المادي للمكان، وعن غياب الحميمية، يجعل من الكتابة جسراً هشاً بين الذات والعالم، فهي لا تكتب من موقع الثبات، بل من موقع الارتجاف.
يتحول المشهد الشعري بسرعة إلى بعد رمزي كثيف حين يقول: “أمرر أناملي حيث لا خبث / ولا مرار ولا طعم يرديك قتيلاً”، فالمكان، هنا، ليس مجرد فضاء فيزيائي، بل هو حالة شعورية، مكانٌ مُتخيل يتخلص من شرور العالم: من الخبث كرمز للغدر والخيانة، ومن المرارة كرمز للتجربة الفاشلة، ومن الطعم القاتل كرمز للخذلان. فالأنامل، التي تمر بسلام، ليست مجرد أداة حسية، بل دلالة على رغبة الذات في تذوق عالم نقي، عالم غير ممكن إلا كحلم شعري. وهنا تبرز اللغة كوسيلة لتطهير العالم، لا لنقله. فالكلمات لا تعكس الواقع، بل تنفيه، وتحلم ببديل له.
تتخذ القصيدة منحى وجودياً أكثر إيلاماً حين يقول الشاعر: “أذقت طعم الرهج / متّ من قبل ورجعت من القبر تحكي للناس عن رحلتك الأخيرة”. هذه العبارة تقلب المعادلة بين الحياة والموت، بين التجربة والمعرفة. فالشاعر لا يكتب من موقع الحي، بل من موقع من “مات وعاد”، وهو بذلك يعلن امتلاكه لنوع من “النبوة السلبية”، فمثلما يعود العائد من الموت في الميثولوجيا ليحذر أو ليعلّم، يعود الشاعر هنا ليحكي، لا ليبشر، بل ليشهد على الخراب. هذه الرحلة الأخيرة ليست مجرد موت جسدي، بل موت رمزي لعلائق العالم: الحب، الجماعة، الطقس، اللذة. كل شيء يموت، وكل شيء يُروى من منظور شاهد قبري.
إن المفارقة الساخرة القاتمة تبلغ ذروتها حين يربط الشاعر بين “الحب الأخير” و”عيد الأضحى الأخير”، كأنهما وجهان لمأساة واحدة. في قلب الطقس الديني، حيث يفترض أن يسود التسامح والتقوى، يبرز “طعم الكبد” كعلامة لذائذية تفتقر إلى العمق الروحي. وهنا يشتغل الشاعر على مفارقة جارحة: “هل صليتم المغرب كل على حدى؟” هذا السؤال لا يُطرح ببراءة، بل يُسائل التمزق داخل الجماعة، والقطيعة داخل الأسرة أو القبيلة أو الوطن. الصلاة، باعتبارها لحظة توحد مع الإله ومع الجماعة، تتحول إلى لحظة تشظٍّ، تُمارس كلٌّ على حدة، مما ينسف بعدها الروحي.
ثم تتوالى الأسئلة الشعرية، لا من أجل الجواب، بل من أجل تكثيف الإحساس بالغربة. “ما معنى … ؟” سؤال مفتوح، مشحون بنقط الاستفهام وكأنه يحاكي عجز اللغة عن القبض على المعنى. يترك الشاعر البياض معلقاً، ربما لأن المعنى ذاته صار مستحيلاً. إن هذا التقطيع بين الجمل، واستخدام الأسئلة غير المكتملة، يكشفان عن كتابة مفتوحة، تحتكم للفراغ أكثر مما تحتكم للامتلاء. القصيدة لا تملأ البياض، بل تحوله إلى أداة دلالية، إلى علامة على تعثر التواصل وعلى انفجار المعنى.
الصنوبرة، رمز الطبيعة والدوام، تتحول بدورها إلى كائن منسي “بلا أحبة”. حتى الأشجار، التي يفترض فيها الصبر والثبات، تشارك الذات الشاعرة وحدتها. هذا التوازي بين الإنسان والطبيعة، في انعدام المعنى وفقدان الحب، يحول النص إلى نوع من الرثاء الوجودي، لا لموت فرد، بل لموت العالم. يتماهى الشاعر مع الصنوبرة كما تماهى من قبل مع الميت العائد، مع الغريب، مع من يصلي وحده، مع من يذوق الكبد في طقس مفرغ من قدسيته. إنها وحدة كونية، تتجاوز الفرد إلى الوجود نفسه.
القصيدة ترفض الخطابية، وتشتغل على إيقاع داخلي مشحون بالأسى، مستندة إلى لغة يومية لكنها مشحونة بالدلالة. “وزوزته لذيذة جدا” عبارة لا تقول شيئاً صريحاً، لكنها توحي بالكثير. الزوزة (وغالباً ما تشير إلى الأعضاء الجنسية أو اللذة الجسدية في التعبير الشعبي) توظف هنا بسخرية قاتلة: هل كانت لذيذة رغم كل هذا الخراب؟ وهل للذة معنى في غياب الحب؟ في قلب الخراب، تبرز شهوة الحياة كنوع من البذاءة الرمزية، كمحاولة بائسة لادعاء الحياة.
إن قصيدة “بلا مكان” تتحرك في مستوى رمزي معقد، تختلط فيه مشاعر الغربة بالانفصال عن المكان، باليأس من الحب، بفقدان الطقوس الجماعية معناها، وبسخرية مرة من اللذة. القصيدة تشتغل على تراكم الصور المجتزأة، لا عبر نسق سردي خطي، بل عبر انفجارات دلالية متوالية، تعكس فوضى الوجدان وتشرذم المعنى. لا نجد في القصيدة بناءً درامياً، بل نجد انزياحاً متواصلاً نحو الهدم: هدم اللغة، المعنى، الطقس، الجماعة، المكان، وحتى اللذة.
من الناحية الفنية، تنتمي القصيدة إلى ما يمكن تسميته بـ”شعرية الحطام”، حيث اللغة لا تسعى إلى ترميم العالم، بل إلى فضحه. لا حضور للبلاغة التقليدية، ولا استعارات كبرى، بل جمل قصيرة، مقتضبة، موحية، مفتوحة على التأويل. الشاعر لا يكتب عن شيء، بل يكتب عن فقدان كل شيء. لغته مشحونة بجراح العالم، ومفرداته تصدر عن وعي قلق، عن وعي بذات مكسورة لا تدعي الانتصار، بل تحتفي بهزيمتها لأنها الشكل الوحيد المتاح للصدق.
من الزاوية الفلسفية، تتقاطع القصيدة مع الوجودية المتشائمة، التي ترى في العالم مكاناً غير مأهول بالمعنى، وفي الحياة تجربة عبثية لا تنقذها لا الحب ولا الدين ولا الطبيعة. بل إن كل هذه المرجعيات تتحول إلى علامات فقد، لا إلى منافذ للنجاة. ومن الزاوية الرمزية، تتوزع رموز القصيدة بين ما هو ديني (عيد الأضحى، الصلاة)، وما هو جسدي (الرهج، الزوزة)، وما هو طبيعي (الصنوبرة)، لكنها جميعاً تؤول إلى حالة خرس شعري لا ينقذها سوى الاعتراف العاري: “بلا مكان أستريح فيه”.
بهذا المعنى، فإن “بلا مكان” ليست مجرد قصيدة عن الغربة، بل هي فعل غربة ذاته، مكتوب على الورق. هي لا تبوح، بل تهذي. لا تشرح، بل تئن. لا تقترح حلاً، بل تؤسس للتمزق باعتباره قدراً شعرياً. إنها قصيدة ما بعد الطمأنينة، ما بعد الجماعة، ما بعد الجسد، ما بعد الوطن. قصيدة الموت الصغير في تفاصيل الحياة اليومية. قصيدة لا تكتب من أجل الخلاص، بل من أجل أن تبقى الندبة مفتوحة، والشهادة مستمرة.





