مقالات نقدية

بداخلي ألف حكاية: البوح الشعري بين كثافة الحنين وتكثيف الذات عند كريمة الحسيني✒️القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

بداخلي ألف حكاية

وطفلة نضج قمح خدّها

قبل أن تخطو لبابِ غرفتها

بداخلي ألف حكاية

وغيمة وعشب

وبالون على شكل قلب

بداخلي ألف حكاية

وعاشق أنهكه السفر

فغفا على كفِّ الحلم

بداخلي ألف حكاية

ومحطّات وداع

ودمعة امرأة عاشقة

ضاع قلبها بقاعات الانتظار

بداخلي ألف حكاية

ورياح شوق عبثت برسائل الغرام

بداخلي ألف حكاية

ووداع أخير في ليل ماطر

وغيمة بكت لفراق عاشقين تعاهدا على البقاء

بداخلي ألف حكاية

وقضمة عشق

وقارورة عطر

نسيت أن أفتحها منذ آخر لقاء

بداخلي ألف حكاية

ومقهى على الرصيف

وصوت (جوليا ) يقبّل خدي وخدك

ويهمس لنا:

“وَقّف يا زمان”

تأتي قصيدة “صمت الحكايا” للشاعرة كريمة الحسيني بوصفها كتابة شعرية مشحونة بالوجد والانكسار الحميمي، وهي تنتمي إلى ذلك النسق الشعري الحديث الذي يستثمر لغة العاطفة المشبعة بالصور والانفعالات الذاتية، في صوغ مكثف لحكايات الغياب والاشتياق والحب المؤجل، وهي تنسج نصا تَعدديّ الدلالات، ينفتح على التأويل من زوايا مختلفة، وينتمي بوضوح إلى تقاليد الشعر النسوي الحديث الذي يعيد رسم خريطة الداخل الأنثوي بلغة موحية، شفيفة، وسردية الطابع.

منذ العتبة الأولى، تتبدى “الحكاية” كمفهوم مركزي تتكرر عبر استهلال كل مقطع، وكأن الشاعرة توزع أناها المتشظية في دفاتر من الحكي المنكسر أو المؤجل، حتى تغدو ذاتها قصيدة بأكملها مكتوبة على حواف الخسارات. هذا التكرار البنيوي لعبارة “بداخلي ألف حكاية” لا يشتغل فقط على إيقاع النص وتوازنه النغمي، بل يحمل كذلك وظيفة دلالية تقترح أن ثقل التجربة الوجدانية للشاعرة غير قابل للاختزال، بل يتوزع على فضاءات متداخلة من الصور والذكريات والمواقف العاطفية التي لم تكتمل أو التي بقيت رهينة لحظة عابرة.

الحكاية هنا لا تأتي في بعدها السردي التقليدي، بل تنفجر في شكل مقاطع استعارية قصيرة، كل واحدة منها تنسج صورة شعرية دالة تضيء جانبا من هذه الذات المتورطة في الحب والانتظار والخيبة والشوق. تقارب الحسيني في هذه المقاطع البنية التراكمية للقصيدة الحديثة، حيث لا خط سردي أو بنية تراتبية منطقية، بل تشظٍّ دلالي تتجاور فيه الصور، وتولد المعاني من التفاعل بين الحواس والذكريات والأشياء.

تُظهر الشاعرة براعة حسية في استخدام المفردات ذات الطاقة العاطفية العالية: “عاشق أنهكه السفر”، “دمعة امرأة”، “غيمة بكت”، “قارورة عطر”، “مقهى على الرصيف”… وهي استعارات لا تكتفي بدورها الجمالي، بل تؤسس لكون داخلي مشحون بالعزلة والحرمان، وتكشف عن ذات تعيش في ضيق الزمن، تحاول التماسك عبر الكتابة. إنها كتابة النَفَس الخافت الذي لا يُقال عادة، بل يُهمس به بين السطور.

تميل القصيدة إلى الاقتصاد اللغوي مع طغيان المجاز، وهو ما يجعل النص محمّلا بالصور أكثر من الأحداث. فليست الحكاية هنا ما جرى وانتهى، بل هي ما لم يكتمل، ما ظل معلقا على رف الانتظار أو مطويا في قارورة العطر التي “نسيت أن أفتحها منذ آخر لقاء”. هكذا تصبح الأشياء الصغيرة رموزا كبرى: العطر، البالون، الغيمة، المقهى، الصوت، كلها تؤثث هذا الكون الشعري الذي لا ينفصل عن طقس الحنين. والحنين هنا ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل إحساس عميق بالفقد، وبالزمن الهارب، وبما لا يمكن استعادته.

اعتماد الشاعرة على تقنية التكرار، لا يحقق بعدا إيقاعيا فحسب، بل يكشف عن إصرار داخلي على التذكير بأن الداخل العاطفي للمتكلمة ليس أرضا محايدة، بل هو أرض ملغّمة بالقصص التي لا تجد دائما من يصغي لها. إنها كتابة الأنثى التي تعرف أنها غير معنية بصوت البطولات أو الوقائع الكبرى، بل بما يعتمل في غرفها المغلقة، في الرسائل المنسية، في مقاهي الحب، وفي عطور لم تُفتح بعد. هذا ما يجعل النص شبيها باليوميات الشعرية، حيث تعيد الذات استدعاء أشيائها العادية لتمنحها معنى استثنائيا.

من زاوية التحليل النفسي، يمكن قراءة هذا التراكم الوجداني في ضوء فكرة “اللاوعي العاطفي”، حيث تشتغل الحكاية بمثابة وسيلة لاستعادة التوازن الداخلي، ولملمة الذات المتشظية بين الفقد والانتظار. كل صورة هنا تمثل ترميزا لموقف نفسي أعمق: الطفل الذي نضج قمح خدها قبل باب غرفتها، مثلا، ليس فقط دلالة على براءة مفقودة، بل أيضا على تعجيل النضج العاطفي، وربما التورط المبكر في تجربة الحب بوصفها تجربة تتجاوز الطفولة ولا تمنح للأنثى فرصة الاكتمال البريء.

أما التوظيف الذكي لصوت “جوليا” الذي “يهمس” في آخر المقطع، فهو ليس فقط مرجعا ثقافيا، بل أيضا إحالة فنية على صوت نسوي آخر يستنجد به النص ليتم له البوح. حضور “جوليا بطرس” التي تُعرف بأغانيها العاطفية المقاومة، يمنح للقصيدة بعدا تواصليا غير مباشر، ويجعل الحكاية لا تُروى فقط بين الشاعرة وذاتها، بل أيضا بينها وبين القارئ/المتلقي، باعتباره جزءا من ذلك الزمن الذي أمرته الأغنية بالتوقف.

تُنتج القصيدة، في النهاية، شعرا ذا طابع شذري، يتأسس على فكرة تجزئة التجربة إلى لقطات قصيرة، لكنها كثيفة، محملة بذاكرة أنثوية تحاول أن تقول ما لا يُقال، أن تُسمِع ما لا يُسمع. وهذا ما يمنحها خصوصيتها داخل أفق الكتابة النسوية المعاصرة: إنها لا تصرخ، لا تطالب، لا تتحدى بشكل مباشر، لكنها تقاوم بطريقة لينة، ناعمة، عبر استعادة “ألف حكاية” كانت ستُدفن في صمت الغرف، وفي جيوب المعاطف القديمة، وفي قارورات العطر التي لم تُفتح منذ آخر لقاء.

بهذا التكوين الجمالي، تؤكد كريمة الحسيني أنها تكتب من ضوء الداخل، من المسافة بين الذاكرة والحنين، مستثمرة ما تمنحه القصيدة الحديثة من حرية في التشكيل، وقدرة على الاحتفاء بالذات في عنفها الناعم، وبوحها الشفيف، وجرحها الذي لا يُراد له أن يُشفى بقدر ما يُراد له أن يُكتب.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading