البعد الإسلامي في مسرح الدكتور مصطفى محمود – د.علي خليفة

مصطفى محمود
بدأ الدكتور مصطفى محمود أديبًا،فكتب عدة مسرحيات وروايات وقصص قصيرة، ثم رأيناه بعد ذلك يقدم برنامج العلم والإيمان الذي نرى فيه تطورًا ملحوظًا في شخصية الدكتور مصطفى محمود، فصار يرى أن الإيمان هو الدعامة التي تقوم عليها حياة الإنسان، وأن العلم يسير في طريق الإيمان بتأكيده وجود الله ووحدانيته.
وقد رأينا كتب الدكتور مصطفى محمود في تلك الفترة تعكس اهتمامه بالدِّين والإيمان، والدفاع عن الإسلام.
وخلال المرحلة الأخيرة من حياة الدكتور مصطفى محمود رأيناه ناقمًا على كل الكتابات الأدبية التي كتبها، وكان يرى آنذاك أنه لا قيمة لهذا الأدب، وأن القيمة في الإيمان بالله وحده، وفيما تنتجه المعامل ومراكز الأبحاث العلمية.
ولن نناقش هنا أسباب انقلاب الدكتور مصطفى محمود على الأدب، وعلى كتاباته الأدبية – على وجه الخصوص – في أواخر سنوات عمره، ولكننا سنهتم هنا بعرض البعد الاسلامي في مسرح الدكتور مصطفى محمود.
وقد كتب الدكتور مصطفى محمود نحو تسع مسرحيات، وتنوعت بين أن تكون قصيرة من فصل واحد، مثل: مسرحية “أنشودة الدم”، أو طويلة من ثلاثة فصول مثل: مسرحية “الزلزال”، ولكن الغالب عليها قصرها حتى لو كانت من ثلاثة فصول، فهي لا يزيد زمن عرضها عن ساعتين.
وقد كتب الدكتور مصطفى محمود هذه المسرحيات في الفترة التي توهج قلبه فيها بنور الإيمان بعد أن كان شاكًّا مترددًا في فترة سابقة من حياته، وأثر ذلك الإيمان العميق واضح في هذه المسرحيات، وبالطبع مستبعد أن يكون الدكتور مصطفى محمود قد كتب أي مسرحية من هذه المسرحيات خلال الفترة الأخيرة
من حياته التي انقلب فيها على الإبداع والمبدعين.
وكما قلت فالحس الإسلامي عميق الأبعاد في هذه المسرحيات، ومن آثار ذلك أننا نرى الشخصيات في هذه المسرحيات تنقسم فريقين: فريقًا تغريه الدنيا ويتمسك بمغرياتها، وفريقًا آخر يميل للخير، ويرفض الخضوع لمتع الدنيا الفانية، ويتضح هذا – على وجه الخصوص – في مسرحية “الزلزال”، فكل الشخصيات فيها نفعية مادية وصولية تهتم بالمظاهر، وتتكالب على الدنيا، فيما عدا الدكتور أحمد وأطفال جيجي ابنة أخيه مراد، وحين حدث الزلزال الذي يصور نهاية العالم هلك الجميع الذين رأيناهم في هذه المسرحية عدا أطفال جيجي الثلاثة، وكنت أتوقع نجاة أحمد أيضًا، ولكن هذا لم يحدث.
وأيضًا تتجلى الروح الإسلامية في مسرحيات الدكتور مصطفى محمود
في وجود شخصية في أكثر مسرحياته تقوم فيها بدور الوعظ، وغالبًا ما يكون وعظها مباشرًا، ويأتي – على وجه الخصوص – في نهاية هذه المسرحيات، كما نرى ذلك في مسرحية “الطوفان”، ومسرحية “الشيطان يسكن في بيتنا”.
وأيضًا يتجلى الحس الإسلامي في مسرحيات الدكتور مصطفى محمود
في مناقشته قضايا الإنسانية الكبرى فيها من خلال رؤية إسلامية، ومن الأمثلة على ذلك أننا نرى مسرحية “الطوفان” يعالج فيها طمع الإنسان خاصة الإنسان الغربي، وقد أدى به هذا الطمع لرغبته في التخلص من بعض سكان الأرض من الفقراء؛ حتى تبقى خيرات الأرض له وحده، وتصور الدكتور مصطفى محمود في هذه المسرحية أن ذلك سيحدث في المستقبل، وهو يرى في هذه المسرحية أن نجاة البشرية لن تكون إلا بالجمع بين الإيمان والعلم، وأن تتخلص بعض الدول العظمى ذات المطامع من مطامعها في الدول الفقيرة.
وأيضًا رأينا الدكتور مصطفى محمود يرى في مسرحية “الزلزال” أن تَفشِّي الشرور بين كثير من الناس يجعل الأرض بحاجة لطوفان آخر، كطوفان نوح يطهرها من كل الفاسدين، ويُبقي فيها الخيرين فقط.
وفي مسرحية “أنشودة الدم” هاجم الدكتور مصطفى محمود قادة بعض الدول العظمى الذين يتسلون بإشعال الحروب، ويستمتعون بالنظر للقتلى فيها، وهو يراهم قد خلوا من الدين ومن الإنسانية.
وأيضًا من القضايا التي عرضها الدكتور مصطفى محمود في مسرحه قضية تحقيق العدالة، كما نرى هذا في مسرحية “الإنسان والظل”، وفيها يرى الدكتور مصطفى محمود أن تحقيق العدالة لا يُكْتَفَى فيه بالنظر لظواهر الأمور، كما أنه يرى في هذه المسرحية أن من يكون مسئولًا عن تحقيق العدالة في عمله، ويخل بواجبه
في ذلك يعاني جحيمًا في داخله.
وكذلك انتقد الدكتور مصطفى محمود بحس إسلامي بعض القادة الذين صورتهم كتب التاريخ على أنهم فاتحون عظام، كالإسكندر الأكبر في مسرحية “الإسكندر الأكبر”، وصوره فيها الدكتور مصطفى محمود شخصًا منبهرًا بعظمته، وأنه قام بكل حروبه وغزواته لإرضاء رغبته في تمجيد نفسه، وأن يُذْكَرَ على صفحات التاريخ بأنه الفاتح العظيم، ولكنه في سبيل ذلك قتل جنوده مئات الآلاف من الأنفس، وخربوا كثيرًا من البلاد.
وهذه مجرد مقالة سريعة عن البعد الإسلامي في مسرح الدكتور مصطفى محمود، والأمر في حاجة لدراسة موسعة آمل أن تيسر لي كتابتها بإذن الله.





