كتاب صدمة المستقبل لألفن توفلر ، ونهاية التنميط والتماثل الثقافي ، والاتجاه نحو التنوع وحرية الاختيار في الحياة البشرية – محمد جلايدي
تقديم :
• بعد توصيفه ورصده
لطبيعة التغير في علاقة الإنسان بالأشياء ، وبالأمكنة ، والمؤسسات ، وعلاقة الناس
مع بعضهم ، والعلاقة المتغيرة للأفكار والتصورات ..
• وبعد تنبؤاته المرتبطة
بالحقول العلمية : علم البحر ، علم المناخ ، علم الحيوان ، علم الصناعة البيولوجية
، تكنولوجيا النسل ، علم نقل الأعضاء البشرية ، علم الوراثة ، علم صناعة المخلوقات
الآلية .
• وبعد رصده معالم
التغيرات والتحولات الاقتصادية الآتية ، والتي ينعتها بـ ( ثورة ما فوق التصنيع )
. مؤكدا على أن هذا التطور المرتقب ، ليس مرحلة عليا من مراحل المجتمع الصناعي ،
بل هو ثورة عليه ، وتجاوز له . هذا الآتي في الاقتصاد محركه التكنولوجيا الجديدة ،
ووقوده المعرفة . وصانعهما الدماغ البشري المبدع والخلاق .
• وبعد عرضه لفيضان الجدة الذي توشك أمواجه أن
تغمرنا ، سوف يمتد من الجامعات ومراكز البحث إلى المصانع والمكاتب ، ومن الأسواق
ووسائل الاتصال العام إلى علاقاتنا الاجتماعية ، ومن المجتمع إلى البيت ، متغلغلا
إلى أعماق حياتنا الخاصة ، مصيبا الأسرة ذاتها بتوترات لا عهد لها بها .
••••••••
– ينتقل ألفن توفلر في
كتابه « صدمة المستقبل » إلى الإعلان المعلل عن نهاية التنميط والتماثل الثقافي ،
والاتجاه نحو التنوع وحرية الاختيار في الحياة البشرية :
••••••••
إن ثورة ما فوق التصنيع
سوف تزلزل معظم معتقداتنا الحالية عن الديمقراطية ، وعن مستقبل مفهوم « الاختيار
الإنساني » . إن تحقيق الحد الأقصى من حرية الاختيار للفرد في مجتمعات ما فوق
التصنيع ، ليعد بمثابة المثل الأعلى للديمقراطية .
وهناك – على عكس هذا
المنحى – من يرسم صورة قاتمة للمستقبل ، يبدو فيها الناس على هيئة مستهلكين –
منتجين ، لا عقول لهم – محاطون بأنساق من السلع المنمطة . يتعلمون في مدارس منمطة
، يُـلَـقّـنون ثقافة جماعية منمطة ، ويُـجبرون على تبني أساليب منمطة للحياة .
إن من يروج لهذه الصورة
هم كارهو المستقبل ومبغضو التكنولوجيا . وترويجهم لذلك يرتكز على قياس منطقي فج ،
مفاده أن العلم والتكنولوجيا لا ينتجان سوى التنميط ، وبتقدمهما سيكون المستقبل
أكثر نمطية من الحاضر . والنتيجة بالنسبة لهم :
•٬فَقْدُ الإنسان لحرية
الاختيار .
هذا المنطق ليس خاطئا
فحسب ، بل إن الفكرة كلها مبنية على الجهل الواضح بطبيعة ومعنى واتجاه ثورة ما بعد
التصنيع . « إن من سخرية الحقيقة أن إنسان المستقبل قد لا يعاني من انعدام
الاختيار ، بل من كثرته المربكة ، إنه قد يصبح ضحية لتلك المحنة الفريدة التي
سيضعها عصر ما فوق التصنيع أمامه : فائض الاختيار . » ( ١ )
إننا على مشارف نهاية
التنميط والتماثل الثقافي ، والاتجاه نحو التنوع وحرية الاختيار.وسيشمل هذا
الاتجاه نحو التنوع وهذا المنحى نهاية التنميط ، مايلي :
( 1 ) التنوع في إنتاج
السلع :
كل منا يلاحظ ذلك التشابه
بين محطة خدمة السيارات وأخرى ، أو بين مطار وآخر أو التشابه بين زجاجات الصودا ..
وكل منا يلاحظ التماثل الذي يطبع عددا من العناصر في بيئتنا ، كالفنادق ومحلات بيع
المأكولات .. وغير ذلك من السلع المعروضة في المحلات التجارية ، وفي العديد من
الخدمات أيضا . والحال أن إنتاج ملايين من الوحدات القريبة من بعضها على مستوى
التماثل ، هي ذروة إنجازات عصر التصنيع . وما يكتنف السلع والخدمات من تشابه يعكس
الوضع في ظل هذا العصر . والنظر إلى المستقبل بعين مرتبطة بحجاب المجتمع الصناعي ،
تعمي الأبصار عن رؤية المجتمع الذي سيكون : « إننا نسير ليس في اتجاه مزيد من
التنميط للسلع المادية ، بل في اتجاه النقيض الجدلي لذلك . ( ٢ ) إن نهاية التنميط
قد لاحت بالفعل في الأفق . وسرعة إقبال هذه النهاية ، تختلف من صناعة إلى صناعة
أخرى ومن بلد إلى بلد .
إن الشركات تكتشف كل يوم
تنوعا في رغبات المستهلكين ، فتسارع إلى تلبية هذه الرغبات ، وتكيف إنتاجها بما
يحقق ذلك ، إن هي أرادت أن تحافظ على البقاء .
وثمة عاملان اقتصاديان
يشجعان هذا الاتجاه : أولهما أن المستهلكين إن توفرت لديهم القدرة على الشراء ،
يشترون ما يرغبون فيه . أما العامل الثاني ، وهو الأهم ، فإنه كلما تقدمت التكنولوجيا
انخفضت تكاليف التنوع في الإنتاج .
مع العلم أن التكنولوجيا
البدائية هي فقط التي تفرض تنميط الإنتاج . أما التقدم التكنولوجي اليوم ، فعلى
العكس من ذلك « يفتح الطريق إلى تنوع يخطف الأبصار ، ويدير العقل ، ولا نهاية له .
» ( ٣ )
صحيح أننا نلحظ تماثلا في
البناء المعماري للمتاجر ، مثلها في ذلك كمثل محطات الخدمة والمطارات ، ولكن
تشكيلة السلع التي تقدمها للمستهلك هي ، بلا نزاع ، أكثر تنوعا . وهكذا ، ففي
الوقت الذي تشجع فيه هذه المتاجر التماثل المعماري ، فإنها ترعى التنوع في
المعروضات . وسبب التماثل المعماري بسيط . لأن المعمار لم يصل بعد إلى مستوى
التنوع ، وما زال منتسبا إلى مهارات عصر التصنيع . وعندما تصل تكنولوجيا البناء في
تقدمها إلى مستوى تكنولوجيا التصنيع ، فلن نعد نرى محطات الخدمة والفنادق والمتاجر
تبدو وكأنها صُبَّـت في قالب واحد . وعندئذ سيتراجع التماثل في المعمار مفسحا
الطريق أمام التنوع . وقد أُطلق ذلك ، بالفعل : « ففي واشنطن على سبيل المثال ،
بنيت عمارة سكنية مصممة بواسطة الكومبيوتر ، هي عمارة ( ووترجيت إيست ) التي
لايتشابه فيها دوران . ومن بين 240 شقة تحتويها توجد 167 شقة لكل منها تصميم مختلف
. كما لا يوجد بأي مكان بالعمارة استمرار للخطوط المستقيمة . » ( ٤ )
وفي عالم السيارات لم يعد
سوق الاستهلاك عاما . بل تحول إلى أسواق صغيرة ومتغيرة . والمشتري يرغب نوعا يمنحه
وهماً بأنه يملك سيارة وحيدة من نوعها . وإمداد المشتري بمثل هذا الوهم أمر مستحيل
في حالة استخدام التكنولوجيا القديمة . لكن خطوط التجميع الجديدة العاملة بالكوميوتر
جعلت من المستطاع ، ليس إمداد المشترى بهذا الوهم ، بل أثبتت أنه من الممكن – في
وقت قريب – أن تجسد هذا الوهم إلى حقيقة . إن صناعة السيارات قد تصل إلى النقطة
التي تستطيع عندها تكنولوجيتها أن تنتج اقتصاديا من التنويع بأكثر مما يطلب
المستهلك أو يريد .
ومع ذلك مازلنا في بداية
الطريق نحو اللانمطية في ثقافتنا المادية . وأهمية الأشياء المادية ، تكمن في
كونها كرموز ، أنها تعكس الفروق في الشخصية الإنسانية ، ورهافة الصلة بين داخلية
الإنسان وبيئته الخارجية .
إننا نسير – وقد لا
يوافقنا الكثيرون على ما نقول – بسرعة نحو التنوع ، لا في إنتاجنا المادي فحسب ،
ولكن أيضا في الفن ، وفي التعليم ، وفي الثقافة العامة ، والتعبير عن الذات
الفردية، وفي أساليب الحياة .
( 2 ) التنوع في إنتاج
الفنون :
بالإمكان أن نلاحظ
الاتجاه نحو التنوع في التعبيرات الفنية ، من خلال الاتساع المذهل في تعدد مدارس
الإنتاج الفني وفي تعدد أساليب هذه المدارس . وكلها تصب إنتاجها في المجتمع . قد
يهيمن أسلوب على آخر لفترة مؤقتة ، ولكن ليس هناك أسلوب يمكن اعتباره محتكِـراً
للسيادة من بين كل هذه الأساليب . وبما أن الجمهور المستهلك للفنون يتركب من جماهير
مختلفة ، فإن الفنانين لم يعودوا يعملون من أجل جمهور موحد.وذلك استجابة منهم
لتنوع الأذواق داخل المجتمع . وكما يفعل منتجو البضائع والسلع ، فإن الفنانين أيضا
ينتجون ، لا من أجل سوق واحدة كبيرة ؛ ولكن من أجل عديد من الأسواق الصغيرة ، التي
كلما زادت عددا زاد الإنتاج الفني تنوعا ..
( 3 ) التنوع في الخدمة
التعليمية :
منذ بداية عصر التصنيع
والتعليم في الغرب موجَّه نحو الإنتاج الكبير لمستويات تعليمية نمطية . وليس من
قبيل المصادفة أنه في الوقت الذي بدأ المستهلك يطالب بتنوع أكثر ونمطية أقل فيما
يُقدم له من سلع ، ويحصل بالفعل على ذلك ، بفضل التكنولوجيا الجديدة ؛ أن يتزامن
ذلك مع الاحتجاجات التي تجتاح الجامعات رافضة للتنميط . وبالرغم من أن الصلة بين
الأمرين نادرا ما تُلحظ ، إلا أن ثمة رباطا وثيقا بين أحداث السوق وأحداث الجامعة
، المطالِـبة بالتنوع في خدمات التعليم . فالطالب يرفض تجرع ما يُقدم له سواء
أساغه أم مجه. إن الطالب هنا مثله مثل المشتري لبضاعة ما يريد شيئا مصمما وفقا
لذوقه الخاص . وبينما نجد الصناعة سريعة الاستجابة لمطالب المستهلك ، فإن المؤسسة
التعليمية على العكس من ذلك ، قد اعتادت أن تقابل رغبات الطلبة باللامبالاة . في
الحالة الأولى نأخذ بشعار: (المستهلك يعرف أفضل) . أما في الحالة الثانية فنأخذ
بشعار مخالف هو : (الأب – أو بديله التعليمي – يعرف أفضل) . وإذن فإن الطالب –
المستهلك مضطر إلى أن يقاتل من أجل أن تستجيب صناعة التعليم لمطالبه في التنوع .
وعلى الرغم من أن معظم
الكليات والجامعات وسّعت كثيراً من تنوع المناهج التي تقدمها ، إلا أنها مازالت
مستمسكة بنظم نمطية ترتكز على الدرجات والتخصصات وما إلى ذلك ، وترسم هذه النظم
مسالك أساسية تَفرض على الطلبة السير على منوالها . كما أن الأساتذة يضاعفون عدد
المسالك البديلة ، إلا أن سرعة التنويع ليست على أي حال كافية بالنسبة للطلبة .
هذا الوضع النمطي للنظم
التعليمية ، فجر الاحتجاج في بعض البلدان ( فرنسا – الولايات المتحدة الأمريكية )
للمطالبة باللامركزية وتوسيع دور الآباء في إدارة المدارس بشكل أرحب مما يسمح به
النظام البيروقراطي الحالي المتسم بالتحجر . هذه الضغوط الي تمارس من أجل تحقيق
اللامركزية ، تندرج ضمن منحى عام ، يحمل دلالة تحطيم فكرة السياسات المركزية
للتعليم . إنها باختصار جزء من نضال عام أكبر ، هدفه تنويع التعليم في أفق الثلث
الأخير من القرن العشرين .
إن الإخفاق في تحقق
التنوع ( من داخل ) النظام التعليمي ، سوف يؤدي ببساطة ، إلى نمو فرص تعليمية
بديلة ( خارج ) هذا النظام . كإيجاد مدارس جديدة خارج نظم التعليم العامة ومنافسة
لها .
« وهكذا ، نرى هنا ، إحدى
القوى الثقافية الكبرى في المجتمع – التعليم – تُدفع دفعا نحو تنويع تاريخها –
بالضبط كما يفعل الاقتصاد . وهنا أيضا نجد أن التكنولوجيا الجديدة ، في عالم
البناء الثقافي كما في دنيا الإنتاج المادي على السواء ، لا ترعى مزيدا من النمطية
، وإنما تحملنا إلى تنوع عصر ما فوق التصنيع . ( ٥ )
إن الكومبيوتر مثلا ، سوف
يتيح لأي مدرسة ، مرونة أكبر في وضع جداولها ، وتقديم خدمة تعليمية بمناهج أكثر
تنوعا ، وأنشطة أكثر تعددا . وأهم من هذا فإن التعليم بمساعدة الكومبيوتر والدروس
المبرمجة إلكترونيا وغير ذلك من تكتيكات التعليم الحديثة ، سوف تساعد على تعزيز
إمكانية التنوع داخل الفصول الدراسية . كما أن الطالب سيتمكن من التقدم في دراسته
وفق السرعة التي يرى أنها مناسبة له . إنها تسمح له أن يشق طريقه الخاص نحو
المعرفة ، بدلا من أن يُحمل عبر المسلك الضيق الجامد التقليدي ، الذي تتميز به
فصول الدرس في عصر التصنيع . وإن جانبا كبيرا من العملية التعليمية سيتم داخل حجرة
الطالب في منزله ، وفي أوقات من اختياره . وسوف يتحرر بذلك من قيود الزمان والمكان
وغيرهما من المضايقات التي تفرضها عليه حجرة الدرس المغلقة .
وخلال ثلاثين عاما ، سوف
تعرف الكثير من المجتمعات المتقدمة تكنولوجياً ، انهيار التجميع الكبير داخل
المؤسسات وحجراتها . وستدخل بخطى واثقة إلى عصر من التنوع التعليمي مؤسس على القوى
التحريرية التي تتيحها الأدوات التكنولوجية الجديدة .
« ففي حقل التعليم كما في
مجالات إنتاج السلع ، يسير المجتمع قدما نحو التنوع ، لا نحو التنميط . إن المسألة
ليست ببساطة مجرد تنوع في طراز السيارات أو أصناف المناشف والسجائر . إن المسيرة
الاجتماعية نحو التنوع وتوسيع مجال الاختيار الفري تشمل آفاقنا الذهنية وبيئتنا
المادية جميعا . » (٦ )
( 4 ) التنوع في الخدمة
الإعلامية :
من القوى المتهمة بتنميط
العقل المعاصر ، وسائل الإعلام العام . لذلك تتلقى هجوما متواصلا ونقدا مريرا .
فهي متهمة بتنميط الكلام ، والعادات ، والأذواق ، ساحقة كل أثر لتنوعنا الثقافي .
والاتهامات نفسها تطال المجلات والأفلام .
ورغم ما تتضمنه هذه
الاتهامات من بعض الحقيقة ، إلا أنها تغفل الجانب المقابل من عمل هذه الوسائل على
أهميته . ذلك الجانب الذي يولد التنوع لا التنميط .
١- التلفاز :
إن التلفاز – نظرا
لتكاليف إنتاجه العالية وعدد قنواته المحدودة – ما زال يعتمد على الجماهير الواسعة
جدا . أما بالنسبة لكل وسائل الاتصال الأخرى تقريبا ، فإننا نستطيع أن نستشف آثار
تناقص الاعتماد على الكم الجماهيري الكبير . إن عملية « تفصيص السوق » تجري على
قدم وساق في كل مكان .
٢- السينما :
فيما مضى كان رواد
السينما لا يشاهدون سوى أفلام هوليود المصنوعة من أجل اجتذاب ما يسمى بالجمهور
الكبير . أما اليوم فقد انضمت إلى هذا التيار الذي تمثله هذه الأفلام ، تيارات
أخرى تحمل موجات من الأفلام حول الفن ، الجنس ، وغيرها من الأفلام المتخصصة
والمصممة من أجل أسواق محدودة جدا . كأفلام التزحلق على الأمواج ، وأفلام
الموتوسيكلات وما إلى ذلك .
« لقد وصل الإنتاج
السينمائي من التخصص لدرجة أنك تستطيع في نيويورك مثلا ، أن تدخل إلى دار عرض ، كل
جمهورها من المصابين بالشذوذ الجنسي ، لتشاهد أنواعا غريبة من الأفلام التي صُنعت
خصيصا من أجل هؤلاء الشواذ . » ( ٧ )
ولقد ترتب على ذلك ، غلبة
الاتجاه إلى إقامة دور العرض الصغيرة ، في أمريكا وأوروبا . وحسبما ورد في مجلة
الإيكونوميست : – لقد مضت أيام العرض ذات الأربعة آلاف مقعد . وصار الجمهور الكبير
للسينما مجرد ذكرى من ذكريات ماض ذهب إلى غير رجعة .
وبدلا من الجمهور الكبير
، أصبح الآن عديد من الجماهير الصغيرة التي تتركز اهتمامات كل منها في نوع معين من
الأفلام . ومن هذا الاتجاه نجد تفسيرا لإنشاء دور العرض في شكل مجموعات كاملة ، مع
محدودية المقاعد في كل دار من دور المجموعة . نشأ مثل هذه المجموعة الكاملة بلندن
مؤخرا ، تتشكل كل دار من 150 مقعدا . وانطلق كثير من العارضين في التخطيط لإنشاء
دور عرض على هذا المنوال .
ومرة أخرى ، تتبث
التكنولوجيا المتقدمة أنها عامل فعال من عوامل التنوع : فقد قاد التوسع في التنويع
للعروض السينمائية بالطائرات ، إلى ابتكار آلات عرض رخيصة التكلفة بمقاس 16 مللي
الأوتوماتيكية ، التي لا تحتاج إلى عامل خاص لتشغيلها . وآلة واحدة تكفي لتقديم
العرض ، بدلا من آلتين ، كما كان الحال من قبل .
٣- الراديو :
بالرغم من كونه وسيلة
اتصال موجهة أساسا إلى جمهور كبير ، إلا أن هناك مؤشرات تنويع تطاله ، ولا يمكن
إغفالها . فثمة محطات إذاعة تقتصر على الموسيقى الكلاسيكية ، وأخرى تتخصص في
الأخبار .. « ومحطات تختص بموسيقى الروك . وهذه تنقسم الآن بسرعة إلى مستويات ذات
حدود أضيق من التخصص ، كمحطات الروك التي تستهدف من هم دون 18 سنة ، وأخرى لمن هم
أكبر ، ومحطات للزنوج .. » ( ٨ ) بل هناك محاولات الآن لإنشاء محطات ذات برامج موجهة
إلى مهنة واحدة . ويمكن أن نتوقع في المستقبل شبكة كاملة من الإذاعات الموجهة إلى
مجموعات مهنية متخصصة ، كالمهندسين والمحاسبين والمحامين . ثم من بعد إلى مجموعات
ليست مقسمة على أساس مهني ، وإنما على أسس اجتماعية – اقتصادية أو نفسية –
اجتماعية أيضا .
٤- المجلة :
في مجال النشر مؤشرات
التنويع أوضح . فقبل انتشار التلفاز كانت المجلات الكبرى تحتل المركز الأول كأداة
تنميط بين وسائل الاتصال في معظم الدول . وذلك راجع إلى ما تحمله من قصص ومقالات
وإعلانات إلى مئات الألوف بين الملايين من البيوت . وتنشر المودات والآراء السياسية
وغيرها . ولقد كان ناشرو المجلات يسعون – كما تفعل محطات الإذاعة وشركات السينما –
إلى أكبر جمهور . لكن مع منافسة التلفاز اختفت كبريات المجلات . والبعض منها الذي
حافظ على الصدور ، اتجه إلى مجموعة من التقسيمات المتخصصة في المواد وفي الاستهداف
الجغرافي الإقليمية . « إن الثمانين ألف طبيب الذين يتسلمون نسخهم الأسبوعية من
مجلة ( تايم ) ، يتسلمون في الواقع طبعة تختلف عن تلك التي ترسل إلى المعلمين ،
والتي تختلف بدورها عن الطبعة التي ترسل إلى طلبة الجامعات . وما زالت هذه
«الطبعات الديموغرافية » تتجه باستمرار نحو مزيد من التقسيم والتخصص . » ( ٩ )
٥- الكتاب :
وطبقا لدراسة أجرتها
منظمة اليونسكو ، فإن ما حصل للمجلات ، طال أيضا عالم الكتب المنشورة .
٦- الصحيفة :
ينضاف إلى كل ذلك ظاهرة «
الصحف التحتية » : « التي صارت تظهر بالعشرات في أمريكا وأوروبا . إن ما يوجد
بالولايات المتحدة لوحدها من هذه الصحف لا يقل عن مائتين ، كثير منها يلقى عونا
كبيرا في شكل إعلانات من شركات صناعة الأسطوانات الكبرى . وهذه الصحف موجهة إلى
الهيبيين وطلبة الجامعة الثائرين ، وجمهور موسيقى الروك ، قد أصبحت قوة ملموسة في
تكوين آراء الشباب . » ( ١٠ )
( … )
إن هذا الاندفاع نحو
التنويع في وسائل ومواد الاتصال ، لا يرجع إلى الوفرة وحدها ، ولكن إلى
التكنولوجيا الجديدة . أي إلى الماكينات التي قيل بأنها سوف تجانس بيننا وتسحق كل
أثر للتنوع والاختلاف بيننا . إن التقدم الذي تحقق في أدوات الطباعة وماكينات النسخ
المكتبية ، خفّض بشكل ثوري من تكاليف النشر المحدود عدديا . ومن هذه الماكينات ما
يُباع بما لا يزيد على الثلاثين دولارا ، جعل من الممكن إصدار طبعات محدودة ،
لدرجة أن كل واحد منا يستطيع الآن أن يصبح ناشراً ذاتياً لنفسه .
وفي الوقت نفسه ، فإن
الكاميرات الصغيرة ومعدات التسجيل والفيديو ، تحدث ثورة في القواعد المألوفة
للإنتاج السينمائي . لقد وضعت التكنولوجيا الجديدة كاميرات في أيدي الألوف من
الهواة . كما جعلت صناعة « الأفلام التحتية » تـزدهـر بأكثـر مـما ازدهـرت به «
الصحافة التحتية » .
ولقد أحدث التقدم التكنولوجي
تطورات هامة أيضا في وسائل الاتصال السمعية حيث أتاح انتشار أجهزة التسجيل لأي
إنسان أن تكون له « إذاعته الخاصة » . فهناك مغنون يتمتعون بشهرة بالرغم من أنهم
لم يسبق لهم الظهور أمام التلفاز أو المثول خلف الراديو.وإنما انتشرت أغانيهم من
خلال أشرطة التسجيل وحدها .
( … )
ربما التلفاز ما زال
باقيا حيث هو كأداة لتنميط الأذواق . لكن باقي الوسائل الأخرى قد اجتازت بالفعل
هذه المرحلة . وعندما يستطيع التطور التكنولوجي تعديل اقتصاديات التلفاز بإتاحة
قنوات أكثر وتخفيض تكاليف الإنتاج ، فإننا نتوقع للتلفاز أيضا أن يبدأ في تنويع
وتقسيم ما يقدمه بما يناسب التنوع المتزايد في أذواق جماهيره .
( … )
إننا ولا شك على شفا قفزة
لم يسبق لها مثيل نحو التنوع الثقافي . وإنه لمحض هراء إذن ، ذلك الإصرار على أن
ماكينات المستقبل سوف تحولنا إلى مخلوقات آلية . وتسلبنا فرديتنا وتمحو فروقنا
الثقافية . والحقيقة هي أن كل دفعة نحو المستقبل إنما تحملنا بعيداً عن التنميط ،
بعيداً عن السلع المتجانسة ، وعن التماثل في الفن ، وعن أسلوب الإنتاج الكبير في
التعليم ، وفي الثقافة .
أما عن قضية ما إذا كان
الإنسان مهيأ لمواجهة ما سيعرض له من اختيارات متعددة مادية وثقافية ، فهذه مسألة
أخرى . فقد يأتي الوقت الذي يتعقد فيه الاختيار إلى الحد الذي يتحول من عامل تحرير
إلى عكس ذلك . ويتحول فيه
«الاختيار» إلى «فائض
اختيار» . ومن حرية إلى قيد .
———————
( ١ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 274
( ٢ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 275
( ٣ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 276
( ٤ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 278
( ٥ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 286
( ٦ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 287
( ٧ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 288
( ٨ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 289
( ٩ ) – المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 290
( ١٠ )- المرجع : صدمة
المستقبل – ألفن توفلر – المرجع نفسه – الصفحة 291



