فنون تشكيلية

أقنعة صامتة . . تتكلّم بلسان فصيح – لندن – عدنان حسين أحمد

قليلة هي الأفلام الوثائقية التي ترصد تجارب الفنانين التشكيليين العراقيين سواء في كوردستان أو في بقية المحافظات العراقية الأخرى في الوسط والجنوب. وفيلم (أقنعة صامتة) للسينارست والمخرج الكوردي الشاب مازن شيرابياني هو من الأفلام النوعية في هذا المضمار. توفّرت للعراقيين جميعًا مساحة لا بأس بها من الحرية للتعبير عمّا يجول في أذهانهم وخواطرهم من أفكارٍ  ورؤى فنية وسياسية واجتماعية لا تخشى مقصّ الرقيب. فلا غرابة أن يجد هذا الفيلم وما سواه من أفلام أخرى أن تقول الحقيقة كاملة وتبوح بكل شيء خاصة وأن زمكان الفيلم هي السنوات التي أعقبت تحرير العراق أو احتلاله من قِبل القوات الأنگلو- أمريكية بعد عام 2003م وأنّ الفضاء المكاني  هو أربيل، عاصمة إقليم كوردستان العراق، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الفنان  برهان صابر هو من مواليد محافظة السليمانية لكنه يتنقل بين محافظات العراق  كلها بسهولة ويسر وكان يقيم معارضه الشخصية والمشتركة سواء ببغداد أو في بقية المحافظات العراقية التي تستقبل نتاجاته الإبداعية بمحبة كبيرة وتحنان غامر يُغبط عليه حقًا.

لم يجد الفنان برهان صابر حرجًا في القول بأن العراق بصورة عامة، وأربيل على وحه التحديد قد أصبحا سجنًا للفنانين العراقيين لأن مساحة الحرية المُتاحة كانت ضيّقة إلى أبعد الحدود إن لم تكن معدومة في زمن النظام السابق.

مَن يُدقق في هذا الفيلم الوثائقي القصير سيكتشف من دون لأيْ هيمنة النبرة التشاؤمية عليه، ليس لأن المُخرج ميّال إلى استدعاء الأحزان والأجواء الكابية التي ألمّت بالعراق في حقبة الثمانينات وإنما لأن محنة (الأنفال) حدثت في 16 مارس 1988م ونتيجة لهذه الفاجعة الكبيرة انهمك النحّات برهان صابر بتنفيذ بعض الأقنعة التي يمكن أن تُعبِّر عن معاناة تلك الحقبة المُفجعة من حياة الناس المٌقيمين في مدينة حلبجة حيث أنجزَ قرابة 50 أو 60 قناعًا يعكس كل واحدٍ منها على انفراد معاناة أهالي هذه المدينة المنكوبة، ويصوّر حجم الضرر الذي لحق بالمدنيين العُزّل الذين لا حول لهم ولا قوة لمواجهة عدوان ظالم من هذا النوع.

وجوه تعكس حجم الألم

لا يُعنى النحّات برهان صابر بنوع الوجوه التي ينحتُها سواء أكانت للنساء أو للرجال أو للأطفال لكن الشيء المهم بالنسبة له أن يعكس حجم الألم وطبيعته. لا ينكر برهان صابر أنّ في حقبتيّ السبعينات والثمانينات كان بإمكان الفنانين أن يأخذوا أعمالهم إلى بغداد ويشاركوا في المعارض الدولية لأنّ بغداد في حينه كانت مركزًا للفنون الإبداعية الجميلة التي تستقطب الكثير من محبيّ الفنون التشكيلية بأجمعها، وكان الكثير من المتلقين يرتادون هذه المعارض الفنية التي انحسرت الآن. ما يريده الفنان برهان صابر أن يتذوّق الناس أعماله الفنية وأن يشاهدوها بمحبة كبيرة لا أن ينفروا منها ويقاطعوها إلى الأبد بحجة أنّ الفن حرام الأمر الذي يدعو إلى نبذ الفن والفنانين في آنٍ معًا.

يكشف هذا الفيلم الوثائقي القصير عن معلومات كثيرة تتعلّق بالفنان برهان صابر؛ فهو ليس نحّاتًا فقط وإنما هو رسّام ينفِّذ لوحاته بالألوان المائية تارة والزيتية تارة أخرى. ولم يقف عند هذا الحدّ وإنما تبنّى وسائل تقنية جديدة. ففي حدود العام 1975 بدأ الرسم على سلايدات فيلمية ونفّذ عليها أعمالًا فنية صغيرة جدًا تنطوي على كثير من التفاصيل المُجهِدة وتحتاج إلى تركيز عال بحيث يتطلب الأمر أن يرتدي نظّارات مُكبِّرة لينفِّذ هذه (المُصغَّرات) التي أنجز المئات منها مثلما أنجز المئات من الأعمال الفنية المُنفذة بالألوان الزيتية والمائية على حد سواء إضافة إلى أعماله النحية الضخمة التي جلبت له شهرة واسعة النطاق قد تتعدى حدود المحلية في كثير من الأحيان.

خلال مشواره الفنيّ الذي يمتد من أوائل الثمانينات من القرن الماضي اخترع الفنان برهان صابر خامة جديدة أطلق عليها اسم (صابر) أو (سابير)، كما يُلفظ الاسم باللغة الكوردية، تيمنًا باسم أبيه، وهذه المادة ليست ثابتة وإنما هي مرنة، مِطواعة وتتغيّر من وقت لآخر ومع ذلك فهو يدعو هذه الخامة ( صابر) التي لم يعد يمزجها مع نوع واحد من الورق وإنما يضيف إليها أشياءَ أُخر مثل التبن الذي يجعلها صُلبة قوية تمنعها من التشقق والانكسار.

هيمنة البصر والبصيرة

تحتاج مُشاهدة أعمال الفنان برهان صابر إلى تآزر الحواس الخمس أو الست تقريبًا وإذا كانت أعماله برمتها تحتاج إلى الرؤية أو (البصر) للتأمل فيها وإطالة النظر فإن الكثير منها يحتاج إلى (السمع) وكأنّ هذه التماثيل والمنحوتات المفجوعة تحتاج لمن يصيخ السمع إلى مآسيها ومصائبها المتلاحقة التي ألمّت بها. كما تحتاج المنحوتات الأخرى إلى بقية الحواس التي تديم آلية التواصل بين الرائي والمرئي إليه.

ربما يتساءل المتلقي عن السبب الكامن وراء اهتمام الفنان برهان صابر بالعين ولماذا تُهيمن على العديد من أعماله النحتية على وجه الخصوص، بل أنها تشكِّل (عين القلادة) بالنسبة لموضوعاته أو أعماله الفنية الأخرى. ففي أحد أيام عام 1984 اصطحب برهان والدته إلى بغداد لكي يُجْرى لها عملية طبية في عينيها وبينما كان يقود سيارته من السليمانية إلى بغداد غفى قليلًا فوقعت له حادثة اصطدام توفيت بسببها والدته التي يمحضها حُبًا من نوع خاص. ولهذا السبب بالذات أخذت العيون تُهيمن على أعماله النحتية. ومع هيمنة العيون والأوجه التي تبدو مشوّهة أو غير متناسقة من حيث النسب والمنظور فإنّ كل عمل يختلف عن الآخر كثيرًا، وقد دأب برهان على المنوال بشكل دائم لأنه يبحث عن صور وموضوعات جديدة مُغايرة تُعبِّر عن مشاعره وأحاسيسه الداخلية. وأكثر من ذلك فهو يشبه (جنّي مصباح صلاح الدين السحري) المسكون دائمًا بالبحث ومحاولة العثور على أشياء جديدة أو اختراع موادَ لم يسبقه إليها أحد من الفنانين. وحينما يواجه بعض المشكلات والعقبات يعتمد على أحلامه الكثيرة وإذا ما صادفته مشكلة ما فإنه ينغمس بها إلى الدرجة التي تدفعه للحُلم بها ولكنه سرعان ما يستفيق من حلمه ليجد لها حلًا. وإذا ما وضعنا جانبًا كل هذه العناصر المُشار إليها سلفًا فإنّ الفنان برهان صابر يعمل مثل المتصوّف الذي يستغرق في عوالمه الخاصة. ففي بعض الأحيان لا يستطيع أن ينجز عملًا فنيًا واحدًا خلال سنتين أو ثلاث سنوات طالما أنه منغمس في المناخ الصوفي.

تتسم معظم الأعمال النحية لبرهان صابر بالألم والكآبة والحزن العميق ومردّ ذلك أنّ الفنان قد عاش حياة مليئة بالذعر والخوف نتيجة الحروب الوحشية المتواصلة وما تخللها من قصف وقتل وتدمير لا يمكن نسيانه أو غضّ الطرف عنه وخاصة عمليات (الأنفال) سيئة الصيت والسمعة. قد يسأل سائل عن السبب الذي يدفع الفنان برهان صابر إلى تجريد غالبية أعماله الفنية من التسميات والعناوين فتأتي الإجابة من الكاتب معد فياض الذي يقول: (لقد تعمد النحّات صابر بعدم وضع عناوين لمجموعته النحتية تاركًا للمتلقي أن يفسِّر الأعمال كما يفهمها مُستفزًا الأسئلة والأجوبة أيضًا في ذات المتلقي، فالعناوين غالبًا ما تحدِّد الرؤية الموضوعية للعمل الفني)([1]). لا بدّ من الإشارة إلى جماعة (أزاميل – نحّاتون عراقيون) الجماعة الفنية المعروفة التي تضم 13 فنانًا من بينهم أكرم ناجي وإيهاب أحمد ورضا فرحان وسميرة حبيب وبرهان صابر، مدار دراستنا النقدية حيث يقول كاتب المقال: (جذبنى عمل للنحّات المعاصر برهان صابر لا لغرابة مظهره كما يوحى لنا كمشاهدين وليس لضخامته مقارنة مع الأعمال الأخرى. العمل مستلهم من بغداد المدينة التى احتــــــضنت برهان صـابر كطـــــــــالب هنــــــــدسة والمشـــــارك بــــــــــــأول مهـــــــرجان فنى كوردى عام 1974 ويعتبر هذا المهــــــرجان نقطة تحول فنى كبير بحياته إضافة إلى مشاركاته الاخرى وأبرزها خطاب المودة . . الذي يجمع بين  بغداد وأربيل والسليمانية. يؤرخ عمله النحتى إلى حقبة مؤلمة من تأريخ بغداد الذى أُصطلح عليه محليًا بـ “وقت الطائفية”)([2]).

لم يسلم الفنان برهان صابر من المتابعة الأمنية والملاحقات المتواصلة منذ دراسته الابتدائية حتى تخرجه في كلية الهندسة الأمر الذي كان يُشعره بأنه مُطارَد ومطلوب من قِبل العناصر الأمنية.

حري بنا أن نستأنس برأي الكاتب گولر غالب الداوودي وقراءته لمعرض (تراوْما) أو (الصدمة) الذي ضمّ 50 عملًا نحتيًا أنجزها برهان بين الأعوام 1988- 2020 (حيث جسّدت الحرب والإرهاب وما خلّفاه على الفرد العراقي من تبعات نفسية وجسدية، إذ شبّهها الفنان بالكتلة الضخمة التي يحملها على رأسه من كثرة الهموم والصدمات النفسية والضغوط المستمرة، والتي لا يتمكن من إزالتها عن رأسه والتخلص منها)([3]).  

الحُب والشَغف والرغبة الصوفية

وعلى الرغم من هيمنة الخوف والحزن والحروب التي تستعر بين آونة وأخرى إلّا أنّ أعماله الفنية الأخرى تتمحور على الحُب والرغبة والشغف والصوفية التي أشرنا إليها توًا. ومع ذلك فإن الفنان برهان صابر يعتقد أنّ العراق قد حطّ من قدر الفن وقلّل من شأنه بحيث أنّ أقرب المقرّبين إليه لا يثمِّنون العمل الفني ولا ينظرون بعين التعظيم إلى الفنان المبدع الذي يقدّم عُصارة روحه وذهنه في خلق أعماله الفنية. وأغرب ما في الأمر أنه لا يستطيع أن يُخبر الآخرين بأنه فنان لأنهم لا يقدِّرون ذلك أبدًا.

يرى برهان صابر أنَّ الهدف من خلق العمل الفني هو من أجل أن يراه الناس لكننا في العراق الآن لا نستطيع أن نُشرِك الآخرين في عملية المُشاهدة والاستمتاع، وأنّ أماكن العرض قليلة. كما أنّ الجمهور لا يذهب إلى الغاليريهات هذه الأيام، فلا غرابة أن يسأل نفسه سؤالًا منطقيًا مفاده: لماذا أصنع عملًا فنيًا لا يراه الناس؟ ويجيب عن هذا السؤال بنفسه: “حقًا، ليس لدي النية بعد الآن لأن أعرض منحوتاتي وأعمالي الفنية الأخرى على الجمهور لأنه ليس هناك من يتأمل هذه الأعمال أو ينظر إليها.

يعتقد برهان أن الناس مهتمون هذه الأيام باللوحات التجارية التي تصوّر المناظر الطبيعية ولا تجسّد الموضوعات الفنية التي ينجزها الفنان المحلي. ومن جانب آخر يرى أنّ تطوير مهاراته الفردية في الفوتوشوب هي التي دفعتهُ لأن يرسم العديد من اللوحات بالألوان المائية التي أثارت إعجاب المتلقين وخاصة أولئك الذين يشاهدونها على صفحات الفيسبوك أو (الفضاء الأزرق) فأحبّوها وأثنوا على تقنياته البارعة ورؤيته الفنية اللافتة للانتباه.

يرى برهان أنّ الفن لا يجب أن يُنجز بالطرق القديمة فقط وعليه أن يعتمد على مختلف الوسائل الحديثة التي أتاحها لنا التقدّم العلمي لكي نعبّر عن مشاعرنا بوسائل مختلفة.

وحدة الفنان وعزلته الروحية

يختم الفنان برهان صابر الحديث عن تجربته الفنية بصراحة بالغة حينما يقول بأنّ الفنان الحقيقي في العراق قد أصبح وحيدًا ومعزولًا وعلى الرغم من هذا النأي والتفرّد بالنفس إلّا أنّ الفنان المبدع عليه أن يسبر أغوار النفس البشرية ولا يتخلى عن الآخرين أو يتركهم لوحدهم يواجهون مصائرهم المتقاطعة في هذا العالم الذي تؤرِّقه الكوارث والحروب التي تندلع هنا وهناك وتبثّ الخراب والدمار في أرجاء المعمورة.

نخلص إلى القول بأنّ ما يميّز تجربة الفنان برهان صابر هو غرابة أعماله النحتية من ناحية الشكل الذي يؤثر في المضمون حتمًا وهي تُحيل إلى أعمال النحّات السويسري ألبِرتو جياكوميتي كما تٌذكر إستطالاته باستطالات الفنان الإيطالي أميديو موديلياني وخاصة الأعناق والخدود والأنوف الطويلة علمًا بأنّ الاثنين (برهان ومودلياني) قد تأثرا بالفن البدائي.

قد تُحيل أقنعة برهان صابر إلى الأقنعة السومرية القديمة وكذلك الأقنعة الأفريقية البدائية بعض الشيء لكن برهان يعلن صراحة بأنّ أقنعته تمثل الناس العراقيين الذين قُتلوا في الحروب الوحشية المتعاقبة.

جسّد برهان صابر ثيمة الخوف أو القلق الذي أصاب العراقيين والناس في مختلف أرجاء العالم جرّاء جائحة كورونا التي ضربت العالم برمته. ينتمي الفنان برهان صابر إلى المدرسة التعبيرية الألمانية التي تركز على المشاعر الداخلية للفنان وتتميز بتشويه الأشكال بدلًا من محاكاة عالمها الخارجي. وتعتمد على الخطوط الحادة والقوية للتعبير عن الاضطرابات النفسية وخير من مثّل هذا الاتجاه هم إرنست كيرشنر وإيغون شله وفان غوخ وكوكوشكا.

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المخرج المبدع مازن شيرابياني قد بذل جهدًا كبيرًا في هذا الفيلم الوثائقي القصير الذي بلغت مدته 13 دقيقة لا غير لكن الراوي أو الكائن السردي قد قال أشياءَ كثيرة من خلال ردّه على أسئلة المخرج الذي فضّل الغياب عن الكاميرا وحضر من خلال أسئلته الذكية المتنوعة التي أثارت هذه الردود كلها وإن انطوى بعضها على التناقض الذي نتفهمه جيدًا.

بقي أن نقول بأنّ المخرج مازن شيرابياني قد أنجز العديد من الأفلام الوثائقية نذكر منها (همسات الجبال)، (أصوات المنسيين)، (دياب)، (زرادشت . . النجمة الصفراء)، (المجهول)، (حفلة آڤيستا) (أقنعة صامتة) و (خطوة) وقد نالت جميعها جوائز محلية وعالمية.


[1] – فياض، معد، أربيل تستضيف جماعة “أزاميل” في معرض للنحت المعاصر، رووداو، 09 / 10 / 2023.

[2] – كمال، يوسف، عمل نحتي لصابر يؤرّخ حقبة مؤلمة من تاريخ بغداد، صحيفة الزمان، 10 / 10 / 2023.

[3] – الداوودي، گولر غالب، في معرض تراوْما منحوتاتٌ بوجوه شوّهتها الحرب، صحيفة الصباح، 11 / 3 / 2022.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading