مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

عِنْدَمَا اِنْكَسَرَ اَلْكُوبُ – عبد العزيز الخبشي- المغرب

Portrait of a middle-aged man with gray hair, wearing glasses, a navy suit, and a light blue shirt with a polka dot tie.

لم يكن هناك شيء غير عادي في ذلك الصباح. الضوء الذي تسلل من خلف الستائر بدا ناعماً كالمعتاد، وصوت العصافير المرتبكة فوق نافذة المطبخ لم يختلف عن الأمس. ومع ذلك، وقع الحدث الصغير كزلزال داخل البيت، رغم هشاشته.

سقط كوب الحليب من يدها فجأة. انكسر. تناثر زجاجه على الأرض، وتسلل الحليب المسكوب حتى حدود السجادة الصغيرة تحت الطاولة. توقفت لحظة تحدّق في الفوضى البيضاء على الأرض، ولم تقل شيئاً. ارتجفت يدها أكثر من المعتاد، لكن ما جعل عينيها تدمعان لم يكن ارتعاشها، بل صرخة ابنها.

كان صوته قاطعاً كحد السكين:

“أماه! كم مرة قلت لك أن تدعي عنك هذه الأمور؟ لا تقدرين، لماذا تصرين؟!”

غادر الغرفة بسرعة، بابها يهتز خلفه كأنما كان غضبه إعصاراً.

ظلت في مكانها. لم تذهب لتلملم الزجاج، ولم تحاول المسح. اكتفت بالجلوس على كرسيها الخشبي الذي صار يعرف ثقل جسدها كما تعرفه هي. حدّقت في الأرض قليلاً، ثم مدت يدها المرتجفة إلى الدرج الصغير بجانبها، وأخرجت ورقة وقلماً.

كتبت بخطها المتعب، ثم طوت الرسالة بعناية، وأسندتها إلى حجرها. لم تبكِ. هي تعرف أن الدموع أصبحت ترفاً لم يعد جسدها يسمح به. الوقت يمر ببطء، والكرسي صار امتداداً لظهرها المنحني، والرسالة كانت آخر ما بقي لها لتقوله.

عاد ابنها بعد ساعة، أو ربما أكثر. لم يكن يعرف لمَ خرج أصلاً، سوى أنه شعر بثقل غامض يضغط على صدره، فهرب. عندما فتح الباب، لم يسمع صوتاً. لا حركة، لا حفيف. فقط سكون خفيف يخترقه صوت عقارب الساعة في الصالون.

رآها كما يراها كل يوم. نائمة على الكرسي الخشبي، رأسها مائل قليلاً، وعيناها مغمضتان بسكينة.

اقترب بهدوء، ندم يتسلل إلى قلبه كمن يتسلل إلى غرفة مظلمة يبحث عن نفسه. وعندما اقترب أكثر، رأى الورقة في حجرها. التقطها، وقرأ بخفوت.

 “ابني وحبيبي وقرة عيني،

أنا آسفة، فقد أصبحت عجوزاً.

ترتعش يدي، فيسقط طعامي أو شرابي، ولم أعد أنيقة كما كنت، ولا طيبة الرائحة كما تتذكر. لا تلمني يا ابني، فالزمن يأخذ منا أكثر مما يمنح.

لم أعد أقدر حتى على لبس ملابسي وحذائي، وقدماي لا تقويان على حملي حتى إلى الحمام.

امسك بيدي، كما أمسكتُ يدك وأنت تتعلم المشي. لم أملّ حينها، فلا تملّ الآن.

إن نسيت، فذكّرني بلطف، فأنا أنسى كثيراً.

وإن بطأت كلماتي، فاصبر عليّ، فأنا لم أعد كما كنت.

كل سعادتي الآن، أن أكون قربك.

لا تحرمني من ابتسامتك، فقد كانت قهقهتك الصغيرة دوائي في ليالٍ من البكاء الطويل.

أنا ببساطة… أنتظر الموت.

كنتُ معك حين ولدتك، فكن معي حين أودّع الحياة.”

أنهى القراءة ببطء، والورقة ترتجف بين أصابعه كما كانت يدها. شيء ما كسر صمته الداخلي، كأنه يسمع صوتها بين السطور، لا بالحبر بل بأنفاسها المتعبة. نظر إليها. تنفست ببطء. كانت نائمة فعلاً، لكنها نومة غير عادية. تشبه الغياب الطويل.

جلس على الأرض قرب الكرسي، وسند رأسه على طرف ثوبها الصوفي. بكى بصمت. ثم تمتم كأنما يخاطب شيئاً في داخله:

“أنا آسف يا أمي.”

مرت أيام. كثيرة أو قليلة، لا يهم. لكن شيئاً في البيت تغيّر. الكرسي نفسه، لكنه صار خالياً من جسدها. الوردة التي كانت في المزهرية قرب النافذة ذبلت ولم يبدّلها أحد. الحليب لا يُسكب على الأرض بعد الآن، والزجاج يظل سليماً. لكنه بات يشتاق إلى صوت انكساره.

صار يضع الرسالة في درج مكتبه. يقرأها كل مرة يعود فيها من عمله، قبل أن ينام، أو عندما يثقل يومه بصخب الحياة.

ولأنه لم يعرف كيف يكفّر عن لحظة صراخه، قرر أن يفعل شيئاً صغيراً. كتب على صفحة بيضاء:

“لا تذهب إلى سريرك الليلة دون أن تكتب شيئاً في حق أمك.

إن كانت حية، قبلها من جبينها. وإن كانت قد رحلت، فادعُ لها بصمتك، واجعل كل خير تقوم به في حياتك هدية لروحها.

الأم ليست فقط من ولدتك، بل من ظلت تسند روحك حتى وأنت لا تدري.”

ربما لم يكن كوب الحليب هو ما انكسر حقاً.

ربما كان شيئاً أعمق… شيء يُكسر مرة واحدة فقط، ولا يُصلح إلا بندمٍ طويل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading