25. رمضان …رحلة إلى الدار الآخرة – هشام فرجي
خضنا في رمضان رحلة روحية عظيمة بثلاث محطات مميزة: العشر الأولى رحمة، والثانية مغفرة، والثالثة عتق من النار. فرمضان هو انعكاس لرحلتنا الكبرى إلى الدار الآخرة، حيث نمر بمراحل تشبه مراحل الحياة نفسها: بدايةً نحيا، ثم نموت، ثم نُحاسب ونُجزى.
فالحياة قصيرة، والموت مصير حتمي، لكن الحقيقة الكبرى تكمن فيما بعد الموت؛ ففي تلك اللحظة تُكشف الأسرار، وتبدأ رحلة الروح التي كانت مستترة خلف ستار الجسد لتواجه الحقيقة المطلقة. إنها رحلة لا عودة منها ولا مهرب فيها، حيث ينكشف الغطاء عن مصير النفس، كما جاء في قوله تعالى:
“لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ” (ق: 22).
وكما كان رمضان فرصة للعتق من النار والتزود بالإيمان، فإنّ الحياة برمتها هي الفرصة الكبرى لننجو ونرتقي قبل أن نصل إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
وبين الميلاد والممات، يعيش الإنسان فترة قد تطول أو تقصر، لكنها حتمًا تنتهي. في هذه الحياة، ينقسم الناس إلى أصناف مختلفة؛ فمنهم من يجعلها محطة للاستعداد للآخرة، فيجعل كل يوم خطوة تقربه من الله، ومنهم من يغرق في متاعها وينسى أن الرحلة لها نهاية. وهناك من يسير في درب الطاعة، يحمل قلبًا نقيًا، ويرى في كل لحظة فرصة لاستثمارها في الخير، فهو الذي يعيش بالقرآن، ويذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، ويعلم أن هذه الدنيا ليست سوى امتحان.
وهناك من غرق في غفلة الدنيا، يظن أن المال والجاه والعلاقات هي الغاية الكبرى، فيلهث خلفها حتى يواريه التراب. هؤلاء يظنون أن الحياة مستمرة، حتى يفاجئهم الموت، فيُدركون – ولكن بعد فوات الأوان – أن كل شيء كان زائلًا.
وهناك التائبون العائدون، الذين ذاقوا مرارة البعد عن الله، فاهتدوا في منتصف الطريق، وأدركوا أن الحياة بدون قرب من الله سراب. هؤلاء يفوزون برحمة الله، لأنهم أدركوا الحقيقة قبل فوات الأوان.
لكن الموت ليس نهاية بل بداية جديدة.فهو الباب الذي يعبر منه كل حيّ إلى عالم البرزخ، حيث تُفصل الأرواح عن الأجساد، ويبدأ الحساب الفردي الأول. ويصف النبي ﷺ خروج الروح في الحديث الصحيح، موضحًا الفرق بين خروج روح المؤمن الطيبة التي تستقبلها ملائكة الرحمة، وبين خروج روح الكافر التي تُنزع نزعًا شديدًا من جسده.
إنها لحظة يكتشف فيها الإنسان الحقيقة المطلقة التي طالما غابت عن عينيه، ولذا قال الله تعالى عن ساعة الاحتضار: “حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا” (المؤمنون: 99-100).
بعد الموت، تنتقل الروح إلى مرحلة البرزخ، وهي فترة فاصلة بين الدنيا والآخرة، حيث ينال الإنسان قسطًا من جزائه قبل يوم الحساب. ففي القبر، يُسأل العبد عن ربه ودينه ونبيه، وتبدأ لحظات النعيم أو العذاب، حسب أعماله في الدنيا.
عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال عن المؤمن: “فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفتح له باب إلى النار، فيقال: هذا مقعدك لو كفرت بربك، فأما الآن فقد أبدلك الله به مقعدًا في الجنة.” أما الكافر، فيُفتح له باب إلى النار، ويرى مكانه فيها صباحًا ومساءً حتى يوم القيامة.
وإذا كان الموت والبرزخ مراحله تمهيدية، فإن يوم القيامة هو المشهد العظيم الذي تتجلى فيه العدالة المطلقة. إنه يوم يُبعثر فيه ما في القبور، ويُحاسب كل إنسان على أعماله صغيرها وكبيرها. في ذلك اليوم، تُنصب الموازين، وتوزن الأعمال، وتتطاير الصحف، ويقف الجميع أمام الله في موقف رهيب لا مثيل له: “يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ” (المطففين: 6).
وفي مشهد الحساب، يجد البعض صحائفهم تضيء بذكر الله، بينما يفاجأ آخرون بأعمالهم تلاحقهم كظلال سوداء، فيتمنون العودة إلى الدنيا، لكن هيهات!
كم غافلٍ قد كان في دنياهُ
لم يدركِ الرحلةَ ومأواهُ
يا نفسُ هبِّي فالطريقُ طويلٌ
والخطبُ أعظمُ، كيف تلقاهُ؟
وبعد الحساب، يُفصل بين أهل الجنة وأهل النار. الجنة، دار النعيم، أُعدّت لمن عاشوا بقلوب خاشعة، وبعبادة مخبثة، وبأرواح متعلقة بالله. أما النار، فهي دار الشقاء، أُعدّت لمن غفلوا عن ربهم، وتكبروا في الأرض، وظلموا أنفسهم وغيرهم.
وقد وصف الله الجنة بأنها دار السلام، حيث لا موت ولا حزن، بل “وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة: 22-23). أما أهل النار، فيندمون أشد الندم، قائلين: “يَٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى” (الفجر: 24).
وفي الختام فنحن الآن في دار العمل، حيث يمكننا أن نغير مصيرنا الأبدي، قبل أن نصل إلى مرحلة اللاعودة. فلنعدّ العدّة ليوم الرحيل، ولنجعل كل لحظة في حياتنا قربًا لله، عسى أن نكون من الفائزين. (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ) آل عمران: 185.




