القصة القصيرة

إطار لقلب في الظل – ابراهيم سليمان نادر

رجل في منتصف العمر يرتدي نظارات وقميص بألوان دافئة، يبدو عميق التفكير أو التأمل في بيئة حضرية.

 

جلست قبالتي وخوف يرش جسدها النحيل ، تتأبط حقيبة بنية اللون تحتضنها في إطباقة حانية ، إطباقة تضع فيها كل ما لديها من أسرار وطلاسم خشية الضياع ، إطباقة تنعش فيها كل رغباتها بالدفء والاتصال والتجلي .

على المقعد الحجري ، قرب ( السنتر ) في مدينة ( براغ ) ، جلست ترنو إليّ بأرتجاف ورغبة ، خوف ما يشدها بين البقاء والفرار ، وشوق يصطلي فيه مزيد من التودد نحوي .

إقتربت قليلا وتفرست وجهي بعينيها الخضراوتين ثم سألتني بحنان ودفء :

– أنت تشبهه تماما .

– من ….. ؟

– حبيبي .

– ممكن .

– أنت أجنبي ؟

– نعم ……

– من اين ؟

– من بلاد النخيل والرافدين والحضارات العظيمة .

– أووه ، بلاد الحضارات العظيمة ؟.

 اقتربت مني حتى لامس فستانها ذراعي وعطرها يغسل كل شيء ، يغطي شذاه كل أرجاء المدينة العريضة .

همست لي بدفء ورغبة :

– أطلال حبي نسيتها ، خرائط موتي أجهلها ، وحين لفظني اعصار الزمن الجائر ، حكموا علي أن أذوب تسكعا تحت أشعة الشمس ، وأن أهديهم اسمي بخط يدي في غبش كل صباح .

رسموا لي دائرة وهمية بطبشورة صفراء ، خطوا حدودها ، ثم قالوا لي
( لا تبرحي هذا المكان والا ……. ) .

تركت كل شيء هناك وجئت هاربة ، أشياء قليلة هي التي حملتها معي … صورة لملامح حبيبي ، وسلسلة امي ، وأيقونة من بحر الاغريق
القديم .

كل المدن أصبحت باردة بدونه ، في كل معالم البشر فتشت عنه ، احتضنت كل الرجال بحثا عن دفئه الغائب ، حطمت كل الحواجز والسدود أمامي ، حتى الثلج حلمت أن اتمطى عارية فوق مساماته ولا أرتعش ، جبت كل الارصفة وزوايا الطرق وطفت في المدن ( براغ وبرنو  وكارلوفيفاري وجسكاليبا حتى نوفي بور  وكهوف ماتسوخا  المظلمة ) ، ذرعت ( جيكوسلوفاكيا ) من الشرق الى الغرب .

صرت طفلة يائسة ضالة مازالت تبحث عن هويتها ، فقدت قدرتي على التلذذ بالاشياء . تجولت في الشوارع العريضة ، الصاخبة بالفنادق والمطاعم ومحلات بيع الالبسة وأفخاذ النساء .

يتصلب وجهي على وجه رجل ، أي رجل يومض لي ( في …. سكراسنا ) أي ( أنت حلوة وجميلة ) ، فيتوهج أمامي قليلا ، لكنه يبهت ثم يتلاشى مثل سمكة عجوز في بركة مليئة بالطحالب والفطر وأعشاب الماء .

أركض ، ألاحق هذا الرجل ، أختصر المسافات بيني وبينه ، تجف
حنجرتي ، نظراتي تحتك بوجهه ، يخرج اليه صمتي عواء مبحوحا غامض التقاطيع ، داكن القسمات ، ثم يطل عليّ وجه غريب وعيون مملوءة بالتوجس والارتياب . أتراجع ببلاهة دونما اعتذار . يضحك بوجهي ويقسم بداخله انني مجنونة ، يزلزلني انكسار مفاجيء ، أقف مكتنزة بالاحباط والانهيار ، كل وجوه الناس نحاسية في حدقتيّ ، أجسادهم لامعة ، ملتصقة بعناية ، بين ذاك كله يتنفس التوهج ويسطع الامل على وجه رجل آخر ، أي رجل يبتسم رغم حزني المدمى ، وكعادته يفر مني الوجه ويخبو مرة أخرى .

العالم جريح في داخلي ، نزفه لا ينقطع ابدا ، قمري صامت صار يبلله الخجل والخوف من المجهول . هرولت في كل الدروب الخلفية
لـ ( براغ ) أو ( براها ) كما يسمونها هم . شوارع غاب عنها الضوء ففقدت ملامحها الحقيقية . دخلت في دهاليز قديمة وأزقة سوداء . كان وجهي يضيء لي للحظة على وجه امرأة تبيع الحب ، تطل عليّ من نافذة شحيحة الضوء ، أو من شرفة منسية على بناء عتيق أحاول اصطياده لكي أبقيه في ذاكرتي ولو لرمشة هدب أو رجفة جفن .

تنظر المرأة نحوي ضاحكة بأستخفاف مقيت ( هل تبحثين عن رجل تتدفئين به حتى الصباح ) .

أهرب بعيدا عنها ويفر مرة اخرى كل شيء مني ويبقى بعض الحماس يتنفس وئيدا في داخلي .

في شوارع تلك المدينة ، في الزمن الذي يتقمص فيه الخوف هيئة كائن غبي ، كنت وحبيبي نسير . نتوقف فجأة أقول له بغضب شهي
( قبلني ) يقول لي ضاحكا ( هنا بالذات … يمنع العناق وحمل الكتب والسلاح ). نضحك بصخب ، ثم أميل نحو شفتيه بنشوة وعنف ، فأتنفس فيهما عطر تراب الحقول وصهيل الدم الفائر ، ثم نحترق سويا بهدوء وصمت .

في المدن الاخرى ، رأيت اسمي وصورتي على ملصقات الشوارع وحيطان الازقة الخرساء ( حبيبة ضالة ، لم تنل بعد شرف الشهادة والحب ) .

كان حلما أو لحظة قريبة من الحلم . يطل وجه حبيبي من بين زحام الوجوه وتدفق الاجساد ، قمرا يتوضأ بالبسمة والاحزان ، تتمزق كل الملصقات أمامي وتسقط كل الجدران ، ثم يغور الجميع تحت جلد الارصفة الطابوقية المرصوصة باعتناء وفن مجهول المضامين والالوان .

قلت لها باسما :

– ما اسمك ايتها الضالة ؟

أجابت بابتسامة ماكرة :

– وما شأنك بي .

– معذرة … لعلي اتمكن من مساعدتك في البحث عنه .

قالت :

– عن من ؟.

قلت :

– عن الحبيب الضال .

تنهدت ببعض ارتياح :

– ممكن هذا … جائز … حسنا ، فانا ( روبيرتا …. روبيرتا جوستافا ) طفولتي عذبة ، لكن كآبتي قاسية ، تمنع عينيّ من بكاء الماضي .

   تموت وحشة العالم في حضني وأمتليء بدفق من لهيب يتأجج في المنام ، فيحرق ستائر نافذي . قال لي حبيبي ( لا تقرأي صحف الغد ، ففيها اعلان عن موتي ) . هذا النعي كاذب من أساسه ، يريد فقط الافلات والتملص مني . حبيبي معي طيلة الفصول والازمان .

   مع صهيل ليل الدروب ومدينتي تنزف الضوء والحب والضياع . تغوص قدماي معه في عري الشوارع ، نغرق معا في الليل والتعب .
نتداعى ، نسقط اعياء على أرصفة ( المترو ) ، تتمخض في داخلنا أحلام شديدة التوهج لارض بعيدة وأطفال خضر ، وسنابل قمح بلون الذهب ، حتى ولو كانت حبلى بالشوك والصبار . نذهب الى فندق أو بنسيون صغير . نطلب حجرة بسرير واحد . أوراقنا الثبوتية ذابت بعد ان بللها العرق رغم لسعات البرد . لا نحمل قسيمة زواج . تطردنا الوجوه واقدامنا الخائرة تعود ثانية لتصافح الشوارع من جديد . نعانق الموت والتعب . نسير دونما هدف . حبيبي والحزن وانا وشوارع
( براغ ) يتسرب الليل في جسدها دما اسود . كل المدن قاسية امامنا . فنحن نمارس أصعب مهنة كونية . سرطانات برية تخرج الينا من كل الزوايا والجحور .

قرب ضواحي المدينة ، قرب التلال الداكنة ، طريق تمتد بعيدا . وقفنا
معا ، أقصد أنا وحبيبي . لن أحدد المكان . أنا اعلم جيدا انك لست أجنبيا ، بل من المخبرين القساة . كانت ( براغ ) من بعيد مغموسة بالعتمة والشهوة ، لكنها مع ازدياد التصاقنا كانت تقترب ، تقترب نحونا بفزع مجنون . كان حبيبي مهر جامح يصهل بالفحولة والدفء والانقضاض . مرعبة هي السماء حينما تطل علينا من بعيد . مساحة داكنة ، غريبة الاشكال ، بلا زرقة أو كتل غيوم .

وجوه المخبرين ترعبني ، تثير في داخلي المغص والقيء . كابوس قاتم يلاحقنا اينما نحل . عيونهم تعصرني ، تتقافز حولي في المقاهي والحانات وفي قطار ليل عجوز ، حتى في دورات المياه . أفر بعيدا مع الاجساد المتعبة والسعال ورائحة التبغ الرديء وعفونة الاقدام . يحملني من مدينة لم اعرفها الى مدينة أجهل كل وجه فيها .

تركت كل شيء هناك ، كل شيء يذكرني به . فساتيني الخاصة ، أوراقي ، رسائلي ، سريري ، فنجان قهوتي مازال ساخنا ، لكني أريد حبيبي …. فقط أريد حبيبي ….. هه …. هل رأيت صورته أيها الاجنبي ؟

– أتمنى ذلك .

فتحت حقيبتها ثم أظهرت لي عن بعد صورة لشاب وسيم يرتدي ملابس الطيران .

حين هممت ان ألمسها لا تمعن في ملامحها ، هتفت بخوف وحدة :

– كلا … أيها اللعين … لا تسرق مني ملامح حبيبي .

نهضت السيدة العجوز عن مقعدها الحجري ، تحتضن حقيبتها في اطباقة حانية ، اطباقة غريبة تضع فيها كل ما عندها من قدرة على الدفء والحب والاتصال . اطباقة ينصهر فيها الجسد وتختنق من خلالها مسارات الدم الراكض وتموت الرغبات ، فيحيا في خلاياها العقل ويتجدد الأمل الضال . بقيت وحيدا ألاحقها بنظرات ساهمة وشرود ودهشتي تصفعني حتى اختفت بعيدا بين الوجوه المتلاطمة ، بينما كانت عيناي تجاهدان سدى لحبس دمعتين انفلتتا من محجرين ملتهبين .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading