مَاذَا أَكْتُبُ؟ بِقَلَمِ / حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

تَسَاؤُلٌ شَحَذَ ذِهْنِي، وَجَالَ بِخَاطِرِي، واسْتَرْعَىٰ فِكْرِي حِينًا؛ حَيْثُ حَيَّرَنِي عَقْلِي بإجَابَاتٍ شَتَّىٰ مَا بَيْنَ شُهْرَةٍ فَائِقَةٍ ، وَمَالٍ وَفِيرٍ، وَذَيَاعِ صِيتٍ بِمَحَافِلَ دَوْلِيَّةٍ، وَبِعَرْضِ ذَاكَ التَّسَاؤُلِ عَلَيٰ قَلْبِي لَمْ أجِدْ سِوَىٰ إجَابَةً وَاحِدَةً قَاطِعَةً، وَخِيَارًا وَحِيدًا لِشَوَاهِدَ سَاطِعَةً؛ حَيْثُ أقَرَّ قَلْبِي مَا ارْتَاحَ لهُ بِالنِّهَايَةِ عَقْلِي، فَأنَا لمْ أكتُبْ؛ لِيُذَاعَ صِيتِي، ويَشْتَهِرَ اَمْرِي بينَ الوَرَىٰ؛ فَيُشَارُ إليَّ بِبَنَانِ المَعرِفَةِ، ويتردَّدُ اسْمِي بأنْدَىٰ الألْسِنَةِ، وإنْ كانَ الاشْتِهَارُ غَايَةً مَشْروعَةً ، وقَصْدًا مَحمُودًا، وَلمْ أكتبْ؛ لأصبحَ بينَ الأثرياءِ، وَعِلْيَةِ القومِ ، وصفوَةِ المجتمعِ ، وإنْ كانَ الثَّرَاءُ وسيلةً لا تَقْدَحُ بصاحِبِهَا، ولا تُسيءُ لِفَاعِلِهَا ؛ فالمالُ عَصَبُ الحياةِ ، وأساسُ المعيشةِ، لَٰكِنَّهُ ليسَ غايةٌ في حَدِّ ذاتهِ، وإنَّما وسيلةً لمآربٍ عِدَّةٍ، وأهدافٍ كُثُرْ، إنَّمَا أكتبُ؛ لأنَّ الكتابةَ أحبُّ هُوَايَاتِي، وَكُلُّ غَايَاتِي، وأسعدُ أمْنِيَاتِي؛ فمنتهيٰ سعادَتي حِينَ أمسكُ بقلمي، وأضعُهُ بإدَاوَةِ حِبْري؛ لأتَرجِمَ مَا يَعِنُّ بصدري، وما يَدورُ بعقلي لَا يَحُدُّني حَدٌّ، ولا يحولُ بينَ قلمي، وعُصَارَةُ فِكري تَكَاثُرُ عَدٍّ؛ فأحَلِّقُ بآفاقٍ واسعةٍ ، وأجولُ بحدودٍ شاسعةٍ بجناحينِ أحَدُهُمَا فِكري، والآخَرُ ضَميري، ولا تعارضَ بينهُما؛ حتَّي أعلُوَ بسماءِ أدَبي، وارتفعَ بآفاقِ كَلِمِي، فالفكرِ المُنْسَجِمِ معَ الضميرِ ، والقيمِ ، والأخلاقِ؛ يَسمُو بقَرِيحَةِ صاحِبِهِ ، ويعطيهِ بصمةً بينَ أقرانهِ ، ومِيزَةً بينَ أترابهِ، وأجملَ مَا في الأمْرِ أنْ تكونَ صادِقًا معَ نفسِكَ، ومُخلصًا بينَ أحرفِ كَلِمِكَ .
ــ أكتبُ لأنِّي مُتَيَّمٌ بالكتابةِ أهواهَا، ومَا أرضىٰ بديلًا سِواها، حُبٌّ لدرجةِ الهُيَامِ مُتَجَذِّرٌ بنفسي آخذٌ بتلابيبِ عقلي، ومتربِّعٌ بشِغَافِ قلبي لا استطيعُ منهُ الفَرَّ، ولا أقوىٰ علىٰ استعدائِه بِكَرٍّ.
ــ أكتبُ لأحسَّ بنبضاتِ قلبي الواقعةِ، وسريانِ حياتي الساطعةِ ؛ فأرىٰ السعادةَ التي تغمرُنُي بينَ ثنايَا أحرُفي، ونظمِ عِبَارَاتِي فَوْقَ أسطُرُي ،وتناغُمِ جُمَلِي بينَ دفاتِري كحدائقَ غَنَّاءَ تأسِرُ العينَ بجمالِ حَالِهَا، وحُسنِ مَا بِهَا، وطيبِ عِطرِهَا.
ــ يَنْبُعُ قلمي منْ مدادِ قلبي مُفعمًا بقناعاتِ عقلي فمَا يُحَرِّكُ قلمي سِوَىٰ نبضاتِ قلبي المُحَاطُ بِسِيَاجٍ منْ عقلٍ ، ونتاجٍ من فكرٍ ، فمَا أجملَ منْ أنْ يفيضَ المدادُ بكلماتٍ صادقةٍ نابعةٍ من سويداءِ القلبِ ! فمَا يخرجُ منَ القلبِ يصلُ للقلبِ دونَ واسطةٍ ، أوْ برهانٍ فأنتَ حِينَما تذهبُ لمطعمٍ؛ لتناولِ الغَذاءِ لا تطلبُ إلَّا مَا يهواه قلبُكَ، ومَا تشتهيهِ نفسُكَ مِمَّا لَذَّ وطابَ من طعامٍ ، وشرابٍ ، وحِينَما ترغبُ في الزَّواجِ لا تطرقُ بابَ إلَّا منِ استراحَ لهَا فؤادُكَ، ودَقَّ لهَا قلبُكَ، واستقرَّ عليها اختيارُكَ هَٰكَذا الكتابةُ ينبغي أنْ تَنْبُعَ منْ نهرِ مَحَبَّةٍ؛ فتفيضَ علي قارئِها عُذوبةً، وارتِواءً، وَرِيًّا.
ــ أكتبُ؛ لأعيشَ بينَ أفكاري التي اعتقِدُهَا ، واتَقَلَّبُ بينَ خِبراتي التي مَرَرْتُ بها، وأُصَوِّرُ واقِعًا عايشتُهُ حِينًا، أوْ أنتقدُ ألمًا ذُقته، أو مُرًّا تجرَّعْتُه ، أو قهرًا عاينْتُه، أو ظُلمًا أحسستُه، أو حُبًا عاصرتُه ، أو وَجْدًا سَمِعْتُهُ، أوْ ألقي الضوءَ علي نماذجَ مُثْلَىٰ يُحتذَىٰ بها، وأخلاقياتٍ، وقيمٍ حسنةٍ صارتْ بعصرِنَا منَ النوادرِ كمنْ يَنْفُضُ الترابَ مِنْ دُرَرٍ، ولآليءَ؛ فيعيدُ لها بريقَهَا معَ أنَّهُ لمْ يَزِدْ من قِيمَتِها الغاليةَ، وأثمانِها العاليةَ كَغَوَّاصٍ بأعماقِ البِحَارِ يبحثُ عن الؤلؤِ داخلَ مَحَارِهِ،ثُمَّ ينتفعُ بأثمانِهِ .
ــ اكتبُ لأحِسَّ بذاتي المُنْصَهِرَةَ في الأدبِ، واشعُرَ بكياني الذائبِ بينَ أرفُفِ القِصَصِ، والقصائِدَ بالكُتبِ.
ــ أكتبُ لأحيَا؛ فأستنشقُ هواءَ بقائي من مَقالاتي، وقِصصي، ورُواياتي، وأشعارِي، فمنْ يحولُ بيني، وبينَ قلمي، كمنْ يقذفُنِي بِدَرَكٍ عميقٍ ، وحَفْرٍ سحيقٍ ، ثُمَّ يُهِيلُ عَليَّ الترابَ ؛ فأموتُ وأدًا عَلَي عَينِ حياتي.
ــ لكلِّ كاتبٍ قاموسُه الخَاصُّ بهِ، والمُمَيِّزِّ لهُ عن غيرهِ ، الغَنِيُّ بمفرداتهِ ، الثَرِيُّ بألفاظهِ ، النَّدِيُّ بعباراتهِ، فإذا ما خَطَّتْ يداه كَلِمًا استعارَ منْ مخزونِ قاموسهِ ما يَكفُلُ لهُ قَدَمًا راسخَةً بصفوفِ الكُتَّابِ ، واستساغةً لطعمٍ شهيٍّ بموائدِ الأدباءِ ، وبصمةً فريدةً عزَّ لها مثيلٌ بِسِجِلِّ المبدعينَ .
ــ مَا أجملَ أنْ تكتبَ بلغةٍ راقيةٍ فصيحةٍ، ذاتِ دلالةٍ بَيِّنَةٍ مريحةٍ، بعيدةٍ عنِ الرَّكاكةِ، والتَّقَعُّرِ ، والتَّنَمُّرِ ، والتشدُّقِ! ، فأجملْ بلغةٍ ساميةٍ تنأىٰ عنْ سفاسفِ الكَلِمِ، وغرائبِ اللفظِ ، وسطحيَّةِ التعبيرِ، وعمومِ ما شاعَ، ودرجَ من ألفاظٍ مسيئةٍ، وكلماتٍ قميئةٍ!
ــ ما أجملَ أنْ تكتبَ بلغةٍ سهلةٍ معَ الاحتفاظِ بجزالتِها، ورصانتِها، وقوةِ مغزاها، وشدةِ مَرمَاهَا، بأقلِّ صياغةٍ، وأخصرِ عبارةٍ، كالسهلِ الممتنعِ بلغةٍ بليغة، لكنَّها سهلةٌ، ورقيقةٌ يستحسنُها المُتَعَلِّمُ، ويستوعبُها الأمِّيُّ، فَلا هيَ بالصعبِ الصادحِ، ولا بالمُبْتَذَلِ القادِحِ. ؛ فالنبيُّ ــ صليٰ اللهُ عليهِ وسلمَ ــ كانَ أفصحَ الخَلْقِ، وكانَ يُعَدُّ كَلامُهُ عَدًّا !
ــ حَقًّا إنَّ الكتابةَ نِعمَةٌ غاليةٌ، وقِيمَةٌ عاليةٌ، وقامةٌ غَيرُ دَانِيَةٍ، والأدَبَ فَضْلٌ عَمِيمٌ، وخُلُقٌ قَوِيمٌ لا يُحِسُّ بقيمَتِهِمَا إلَّا مَنْ تَذَوَّقَهُمَا، وأحسنَ إليهِمَا؛ فَجَنَىٰ بإحسانِهِ إحسانًا دائِمًا.



