الُصورة الجمالية ووظيفتها الدلالية في “ديوان حطام الوردة” للشاعر سيف رسام/زياد السالمي

صدر ديوان حطام الوردة للشاعر الأنيق المتألق المبدع سيف رسام عبر مطابع مؤسسة عبادي للطباعة والنشر في عام 2006م والذي يعد من أنضج وأجد التجارب وأكثرها جدية وحرصا على التفرد والتميز وفي سياق ذلك نجد أن الشاعر قد كان موفقا جدا من خلال بناء معرفي واعي في عمله الشعري ما يجعل المتلقي يلحظ خصوصية ظاهرة من عدة أساليب شعرية ومنها الاشتغال على الصورة الشعرية وما تحمله من تداخلات وأبعاد وأنماط توحي بالجمالية المتقنة والتميز الوظيفي للدلالة ومن هذا المنطلق،نؤكد أن الصورة الشعرية تعد من أبرز الوسائل التي تتشكل بها خصوصية اللُغة الشعرية؛ إذ لا تنحصر وظيفتها في نقل المعنى إلى القارئ، وإنما تتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيله، وإقامة علاقات جديدة بين الأشياء، وتوسيع إمكانات اللغة في التعبير عن التجارب التي يصعب استيعابها في العبارة المباشرة، فالشاعر لا يكتفي بأن يخبرنا عن الحزن أو الفقر أو الوطن أو الحب، بل يصوغ هذه التجارب في صور تجعلها قابلة للرؤية والتأمل، وتمنحها وجودًا لغويًا يتجاوز معناها المألوف، في ديوان حطام الوردة للشاعر اليمني سيف رسام، بوصفها مكوّنًا بنائيًا يسهم في تشكيل الرؤية الشعرية، وتكثيف التجربة الوجدانية والاجتماعية، وإنتاج المفارقة الدلالية، وتنطلق من أن الصورة لا تقتصر على تزيين العبارة أو نقل المعنى، بل تستطيع أن تعيد بناء العلاقة بين الأشياء والمفاهيم، فتحوّل المجرد إلى محسوس، والمعنوي إلى كيان فاعل، والتجربة الخاصة إلى دلالة إنسانية واجتماعية أوسع، كمقاربة نقدية تجمع بين التحليل الأسلوبي، ونظرية الاستعارة المعرفية، والنقد الثقافي، مع إعطاء الأولوية للنصوص الشعرية وشواهدها، وتبحث في صور الوطن والفقر والذات والحب والحزن والموت، وفي آليات التشخيص والمفارقة والتكثيف والانزياح، وصولًا إلى تقويم الوظائف الجمالية والدلالية للصورة في نصوص الديوان ، ومن هذا المنطلق، تتصف الصورة الشعرية في ديوان حطام الوردة أهميتها من الشواهد التي تكشف عن ميل إلى بناء صور مكثفة تقوم على المفارقة، وتشخيص المعاني المجردة، وإقامة علاقات غير مألوفة بين الحقول الدلالية، ففي عبارة وطني لا يلمع فيه سوى الأحذية، لا يقدّم الشاعر وصفًا مباشرًا للواقع، بل يبني صورة تختزل موقفًا نقديًا من اختلال القيم؛ وفي قوله الفقر ديكتاتور بليغ، يمنح الفقر هيئة السلطة القادرة على فرض حضورها والتعبير عن نفسها، أما قوله الفراغ الذي يحتلني هو أنت، فيقيم مفارقة بين الفراغ والاحتلال، وبين الغياب والحضور، ليجعل النقص قوةً فاعلة في الذات،كونها بناء لغوي يقدّم التجربة في هيئة حسية أو تخييلية أو مفهومية، ويعيد تنظيم العلاقة بين عناصرها بما يتيح دلالة لا تتحقق بالطريقة نفسها في التعبير المباشر، وهي ليست مرادفًا للاستعارة وحدها؛ فقد تتشكل من تشبيه أو استعارة أو كناية أو مفارقة، كما قد تنشأ من تركيب كامل تتضافر فيه المفردات والعلاقات النحوية والإيقاعية والسياقية،وتكمن أهمية الصورة في أنها لا تنقل المعنى فحسب، بل تسهم في إنتاجه، تتجاوز بعض الصور حدود التجربة الفردية لتلامس العلاقات الاجتماعية والسياسية و تقترح علاقة نقدية بين الانتماء الوطني والواقع الاجتماعي الذي يعيشه الإنسان، غير أن تحديد دلالتها السياسية بدقة يتطلب مراعاة القصيدة كاملة، لا الاكتفاء بالعبارة المفردة، وبالتالي فإننا نتناول جمالية الصورة الشعرية ووظيفتها الدلالية في الديوان إلى في بنائين كالآتي:
أولًا:أنماط الصورة الجمالية ووظيفتها
أ-الصورة الاستعارية وإعادة تشكيل المعنى
تقوم الاستعارة على إقامة علاقة بين مجالين مختلفين، بحيث يكتسب أحدهما خصائص من الآخر، وفي الشواهد المتاحة من الديوان، تبدو الاستعارة وسيلةً لنقل التجربة من مجال مألوف إلى مجال أكثر قدرة على كشف تناقضاتها، يقول الشاعر في تعريفه للفقر:
الفقر ديكتاتور بليغ،
تتأسس الصورة على نقل الفقر من كونه حالة اقتصادية إلى كونه سلطة سياسية، فالديكتاتور يفرض إرادته، ويضيّق مجال الاختيار، ويخضع الأفراد لقوة تتجاوز رغباتهم، أما وصفه بالبلاغة فيضيف بُعدًا آخر؛ إذ يجعل هذه السلطة قادرة على التعبير عن نفسها، أو يجعل آثارها أبلغ من كل خطاب، وتنبع قوة الصورة من الجمع بين صفتين لا تجتمعان عادةً في تعريف الفقر: القهر والبلاغة، فالفقر هنا ليس نقصًا صامتًا، بل قوة تفرض حضورها وتكشف نفسها من خلال آثارها، ويمنح التركيب الموجز المفهوم الاقتصادي هيئةً سياسيةً وتعبيريةً في آن واحد ومع ذلك، فإن قيمة الصورة لا تكمن في غرابة الجمع وحدها؛ بل في قدرتها على اختزال خبرة اجتماعية في علاقة واحدة، وهي صورة ذات كثافة واضحة، على أن تحديد امتدادها داخل رؤية الديوان يتطلب مقارنتها بصور الفقر والحرمان الأخرى في النص الكامل.
ب- التشخيص وهو منح غير الإنسان صفات إنسانية أو أفعالًا ترتبط عادةً بالكائن الحي، وتظهر هذه الآلية في عدد من التعريفات التي تجعل المفاهيم المجردة فاعلةً داخل العالم الشعري، يقول الشاعر:
الزمن كاهن يشتعل بين أصابعه العمر
تقوم الصورة على تشخيص الزمن وإسناد هيئة الكاهن إليه، ثم ربطه بصورة الاشتعال والعمر، فالزمن لا يظهر بوصفه مقدارًا محايدًا أو تعاقبًا للساعات، بل كيانًا يمارس فعلًا تتصل به حياة الإنسان، ويأتي الاشتعال ليمنح العلاقة توترًا حسيًا؛ فالعمر يبدو مادةً معرضة للاحتراق أو النفاد في يد الزمن، وتجمع الصورة بين مجالين: المجال الديني الذي يستحضره لفظ كاهن، والمجال الحسي الذي يستحضره يشتعل، وينتج عن هذا الجمع تصور للزمن بوصفه قوةً تتجاوز الإنسان، فيما يصبح العمر شيئًا يمر عبرها ويُستهلك في حضورها، لكن الصورة تظل مفتوحة على احتمالات متعددة؛ فقد يتصل الكاهن بالطقس والسر، وقد يتصل الاشتعال بالفناء أو التطهر أو التحول، ولا يجوز ترجيح أحد هذه المعاني نهائيًا دون الاستناد إلى سياق القصيدة، وفي تعريف آخر يقول:
الموت قصيدة مؤجلة
تتأسس الصورة على نقل الموت من مجال الحدث الوجودي إلى مجال الكتابة، فالقصيدة المؤجلة شيء لم يكتمل ظهوره بعد، لكنه حاضر بوصفه احتمالًا ينتظر زمنه، وبهذا لا يُقدَّم الموت نهايةً مفاجئة فحسب، بل احتمالًا مؤجلًا يتصل بالزمن وبفكرة الكتابة والاكتمال، وتكمن المفارقة في أن القصيدة تُنتظر عادةً باعتبارها تحققًا إبداعيًا، بينما يُنتظر الموت بوصفه نهايةً للحياة، ويجعل الجمع بينهما النهاية نفسها قابلةً للتخييل والصياغة، من غير أن يلغي ما فيها من قلق.
ج- تحويل المجرد إلى محسوس
من وسائل الصورة الشعرية تحويل المفاهيم التي لا تُرى مباشرةً إلى أشياء يمكن تخيلها أو الإحساس بها، ويظهر ذلك في قول الشاعر:
اللحظة كبوة جرح،
تربط الصورة اللحظة بالكبوة، ثم تجعل الجرح حاضرًا في قلب هذا التعثر، فاللحظة لا تبدو وحدة زمنية عابرة، بل حادثةً يتعثر فيها شيء مؤلم أو ينكشف من خلالها، ويمنح لفظ كبوة الصورة حركةً مفاجئة، بينما يحيل جرح إلى أثر يتجاوز زمن وقوع الحادثة، وتتولد الدلالة من عدم استقرار العلاقة بين الطرفين: أهي لحظة يتعثر فيها الجرح، أم لحظة تنكشف فيها إصابة كامنة، أم أن الزمن نفسه يصبح تعثرًا في تجربة الألم؟ إن هذا التعدد يمنح العبارة طاقة إيحائية، بشرط أن يسنده السياق الشعري،
وفي قوله:
المغادرة رجع صلاة،
تتحول المغادرة من فعل الانفصال والابتعاد إلى صدى روحي، فكلمة رجع تحمل معنى العودة الصوتية أو الأثر المتردد، بينما تستحضر صلاة مجالًا من الدعاء والتضرع والتوجه، ويجمع التركيب بين حركة الابتعاد وإمكان بقاء الأثر، كأن المغادرة لا تنهي العلاقة تمامًا، بل تترك وراءها صوتًا يتردد،
وتنبع فاعلية الصورة من اختزالها تجربةً مركبةً في تركيب قصير؛ إذ تجمع بين الحركة والغياب والصوت والبعد الروحي، إلا أن تحديد طبيعة هذا البعد يتوقف على السياق الذي وردت فيه العبارة،
د- المفارقة
تُعدّ المفارقة من الآليات البارزة في الشواهد المتاحة؛ لأنها تجمع بين عنصرين يبدو بينهما تناقض، ثم تجعل هذا التناقض وسيلةً لإنتاج معنى أعمق من المعنى المباشر،
يقول الشاعر:
الفراغ الذي يحتلني هو أنت،
تبدأ الصورة بمفارقة لغوية ودلالية؛ فالفراغ يوحي بالغياب أو الخلو، بينما يوحي الاحتلال بالامتلاء والسيطرة والاستحواذ، ويضيف ضمير المخاطب أنت إلى هذه العلاقة بُعدًا وجدانيًا، إذ يصبح الآخر حاضرًا في الذات من خلال غيابه أو من خلال ما خلّفه فيها،
ولا تُختزل الصورة في وصف الاشتياق؛ فهي تعيد تشكيل العلاقة بين الحضور والغياب، وتجعل ما يبدو عدمًا قوةً تملأ الذات وتسيطر عليها، وبذلك يتحول الفراغ من حالة سلبية إلى حضور فاعل، وتتحول العلاقة العاطفية إلى تجربة تتجاوز اللقاء المباشر،
وتتوقف دقة تفسير الصورة على سياقها؛ فقد يكون أنت محبوبًا غائبًا، أو شخصًا ترك أثرًا عميقًا، أو مرجعًا وجدانيًا آخر، غير أن التوتر بين الفراغ والاحتلال قائم في بنية العبارة نفسها، وهو مصدر قوتها الأساسية، ومن صور المفارقة أيضًا قول الشاعر:
وطني لا يلمع فيه سوى الأحذية،
لا تُبنى الصورة هنا على التشخيص وحده، بل على التناقض بين الوطن بوصفه قيمةً جامعةً، واللمعان بوصفه علامةً مرئية، والأحذية بوصفها أشياء يومية قد تستحضر، بحسب السياق، الحركة أو الخدمة أو التبعية أو التملق، وتوجّه عبارة (لا يلمع فيه سوى) الانتباه إلى اختلال ما يستحق الظهور وما يظل غائبًا، وقد تُقرأ بوصفها نقدًا لواقع تُهمَّش فيه القيم ويعلو فيه شأن المظاهر أو أصحاب النفوذ، لكن هذه القراءة تظل احتمالًا تفسيريًا ينبغي تثبيته في ضوء القصيدة كاملة؛ فالصورة القوية لا تبرر إطلاق تأويل سياسي محدد دون قرينة، وتكمن فاعليتها في أنها لا تقدم اتهامًا مباشرًا، بل تجعل القارئ يرى الوطن من خلال تفصيل يومي صغير، فتتولد المفارقة بين اتساع الدلالة وضيق الشيء الذي يحملها، كما نجد المفارقة الجمالية من خلال التعريفات الشعرية التي يضمها نص (توصيف) مجالًا خاصًا؛ إذ تقوم على تقديم المفاهيم في تراكيب موجزة تشبه التعريفات الفكرية، لكنها تنحرف عن التعريف المعجمي إلى بناء علاقة تخييلية،ومن هذه التعريفات:
الكون وجود أنثوي،
لا يشرح الشاعر الكون شرحًا علميًا أو فلسفيًا، بل يقدمه من خلال صفة أنثوية، وتنقل العبارة الكون من المجال المحايد إلى مجال تتصل به الأنوثة، بما قد يستحضره ذلك من دلالات الولادة والخصب والاحتواء والجمال، غير أن هذه الدلالات ليست متساوية الحضور بالضرورة، ولا يمكن الجزم بأن الشاعر يقصدها جميعًا، والأدق أن نقول إن الصورة تفتح المجال أمام تأنيث الوجود، وتعيد صياغة العلاقة بين الكون والأنوثة في عبارة مكثفة، ويقول:
القصيدة روح تكتملني،
تقوم الصورة على جعل القصيدة روحًا، وعلى إسناد فعل الاكتمال إليها في علاقتها بالمتكلم، ولا تظهر القصيدة هنا منتجًا لغويًا منفصلًا عن صاحبه، بل قوةً تدخل في تكوينه، ويكشف ضمير المتكلم في تكتملني عن علاقة تبادلية محتملة: فالقصيدة تُمنح روحًا، والشاعر يجد فيها ما يحقق اكتماله، وتكمن أهمية الصورة في أنها تجعل الكتابة فعلًا وجوديًا لا مجرد ممارسة فنية؛ غير أن الحكم على مدى حضور هذا التصور في الديوان كله يحتاج إلى مقارنته بمواقف الشاعر الأخرى من اللغة والكتابة، أما قوله:
القبيلة أنثى لموت واحد هو الوطن،
فيجمع بين ثلاثة حقول دلالية: القبيلة، والأنثى، والموت، ثم يجعل الوطن خاتمةً للتعريف، ويخلق هذا التركيب علاقةً مشحونة بين الانتماء القبلي والانتماء الوطني، ويجعل الوطن مركزًا لصورة الموت، وقد توحي العبارة بتناقض الولاءات أو بتضحية الفرد داخل بنية اجتماعية أوسع، لكن هذا المعنى لا ينبغي حسمه دون سياق النص،ويقول أيضًا:
الوطن شاعر يتسول موته،
تُشخَّص صورة الوطن بإسناد صفة الشاعر إليه، ثم يُنقل الشاعر إلى فعل التسول، ويرتبط التسول بالموت، وتقوم المفارقة على أن الشاعر، الذي يُنتظر منه أن ينتج الكلام ويمنح الأشياء معنى، يظهر هنا في هيئة من يستجدي نهايته، ويكتسب الوطن من هذه العلاقة صورةً مأزومة، كأنه فقد القدرة على تقرير مصيره، أو صار موته موضوعًا يتوسل تحقيقه، وتجمع الصورة بين الشعر بوصفه إنتاجًا رمزيًا، والتسول بوصفه حالة افتقار، والموت بوصفه نهاية، ومن شأن هذا التركيب أن ينتج دلالةً تتجاوز الرثاء المباشر إلى تصوير اختلال العلاقة بين الوطن والفاعلية والكرامة،وتكشف هذه التعريفات عن ميل إلى صياغة الصور في هيئة أحكام موجزة، وهي تقنية تتيح تكثيف الدلالة، لكنها تنطوي كذلك على مخاطرة: فقد تصبح العبارة لافتةً في ذاتها من غير أن تتطور إلى تجربة شعرية ممتدة، ولذلك ينبغي التمييز بين قوة التعريف المفرد وقدرته على الإسهام في بناء القصيدة أو المجموعة.
ﮪ- صورة الوطن بين الرمز والنقد الاجتماعي:
تحتل صور الوطن مكانًا لافتًا في الشواهد المتاحة، ولا سيما في عبارتي وطني لا يلمع فيه سوى الأحذية والوطن شاعر يتسول موته، وكذلك في التعريف الذي يربط القبيلة بموت الوطن، وتتعدد وسائل تشكيل هذه الصور، لكنها تلتقي في تحويل الوطن من مفهوم مجرد إلى كيان تتجسد فيه أزمات الواقع، ففي الصورة الأولى يتشكل النقد من خلال تفصيل حسي صغير، وفي الثانية يتشكل من خلال تشخيص الوطن وإسناد فعل التسول إليه، أما الثالثة فتقيم علاقةً رمزيةً بين الانتماء القبلي والمصير الوطني، ولا يعني هذا التلاقي أن الصور متطابقة؛ فلكل منها آلية مختلفة في البناء، الأولى تعتمد على المفارقة بين الوطن والأحذية، والثانية على التشخيص وتراكب الاستعارات، والثالثة على علاقة رمزية تتطلب سياقًا أوسع لتحديد مرجعيتها، ومن الناحية الفنية، تكتسب صور الوطن قوتها حين لا تتحول إلى شعارات مباشرة، بل تجعل التناقض الاجتماعي قابلًا للتخيل، فالصورة لا تكتفي بأن تقول إن الواقع مختل، بل تقدم هيئةً لهذا الاختلال، ومع ذلك، فإن قوة الموقف الأخلاقي لا تعني تلقائيًا نجاح الصورة فنيًا؛ إذ يظل نجاحها مرتبطًا بجدة بنائها ودقة علاقاتها وقدرتها على تجاوز التقرير.
و- الذات والكتابة:
تظهر علاقة الذات بالكتابة في قول الشاعر:
القصيدة روح تكتملني،
وتكشف هذه العبارة عن تصور يجعل الشعر جزءًا من تكوين الذات، لا مجرد تعبير يصدر عنها، فالقصيدة تؤدي وظيفةً تتصل بالاكتمال، ويبدو الشاعر في علاقتها محتاجًا إلى فعل الكتابة كي يعيد ترتيب وجوده أو يحقق جانبًا منه، وتكتسب أهميتها من تحويل العلاقة بين الشاعر والقصيدة إلى علاقة داخلية، فالقصيدة ليست شيئًا خارجيًا يملكه الشاعر فحسب، وإنما حضور يدخل في تكوينه، ويمنح فعل تكتملني العبارة خصوصيتها؛ إذ لا يقال إن القصيدة تكملني فحسب، بل يُصاغ الاكتمال في فعل متعدٍّ إلى الذات، فيتحول الشاعر إلى مجال تتشكل فيه القصيدة، أما قوله (الموت قصيدة مؤجلة،) فيقيم علاقة أخرى بين الكتابة والمصير، وإذا وضعت الصورتان في مقارنة، أمكن ملاحظة أن القصيدة تظهر في الأولى قوةً تكمل الذات، وفي الثانية صيغةً لتخييل النهاية، لكن اعتبار ذلك ثنائيةً مركزية في الديوان يحتاج إلى اختبار شواهد أخرى، ولا يكفي ورود عبارتين لإثبات نسق شامل.
ز- أداةً المعرفة الشعرية:
لا يقتصر دور الصورة على إحداث المتعة أو المفاجأة، بل يمكن أن تكون وسيلةً لفهم التجربة، فعندما يصور الشاعر الفقر ديكتاتورًا، فإنه يغير زاوية النظر إلى الحرمان، ويجعله قوةً تمارس القهر، وعندما يجعل الوطن شاعرًا يتسول موته، فإنه يقدم تصورًا مأزومًا عن العلاقة بين الوطن والكرامة والفاعلية، وتعمل الصورة هنا بوصفها معرفةً شعرية؛ لأنها لا تقدم تعريفًا منطقيًا مكتملًا، بل تتيح رؤيةً تتكون من التوتر والإيحاء، وهي لا تحلّ التناقضات التي تعرضها، بل تجعلها مرئيةً وقابلةً للتأمل.
ح- الموقف الوجداني:
تتصل صور الفراغ والجرح والمغادرة والموت بتجارب وجدانية، لكنها لا تعرض هذه التجارب في صيغة اعتراف مباشر، فالصورة تمنح الشعور هيئةً يمكن للقارئ أن يتخيلها، وتجعل التجربة الخاصة قابلةً للمشاركة،كما في قوله:
الفراغ الذي يحتلني هو أنت
يظهر كيفية تحويل الغياب إلى احتلال؛ وفي اللحظة كبوة جرح، تتصل اللحظة بالألم والتعثر؛ وفي المغادرة رجع صلاة، يصبح الانفصال أثرًا مترددًا، وتختلف الصور في طبيعة علاقاتها، لكنها تشترك في نقل التجربة من التعبير المباشر إلى التشكيل التخييلي، ولا ينبغي افتراض أن هذه الصور تعبّر جميعًا عن حالة نفسية واحدة أو عن سيرة شخصية محددة؛ فالنص الشعري بناء فني، ولا يجوز اختزال دلالته في حياة الشاعر دون دليل.
ط- النقد الاجتماعي:
تكتسب صور الوطن والفقر والقبيلة بُعدًا اجتماعيًا لأنها تربط المفاهيم العامة بأشياء وأفعال تكشف التناقض، فالأحذية والتسول والديكتاتور والقبيلة ليست مفردات محايدة داخل هذه التراكيب، بل عناصر تنشئ علاقات رمزية قابلة للقراءة في ضوء الواقع الاجتماعي، وتتميز الصورة الشعرية في هذا السياق بقدرتها على ضغط الموقف النقدي في عبارة موجزة، بدل تقديم خطاب تفسيري طويل، غير أن اختزال الواقع لا يعني الإحاطة به؛ فالصورة تنتقي جانبًا منه وتعيد تشكيله، وتظل قراءتها مفتوحة على السياق التاريخي والثقافي،
ثانياً: البنية الفنية للصورة الشعرية
تتجلى البنية الفنية للصورة الشعرية عند التأمل في جماليتها ووظيفتها الدلاليتين من عدة أوجه كالآتي:
أ- التكثيف الدلالي:
يظهر التكثيف في عدد من الشواهد التي تبني صورة كاملة في تركيب قصير، مثل الفقر ديكتاتور بليغ والموت قصيدة مؤجلة والمغادرة رجع صلاة،
ولا يعني التكثيف مجرد قلة الألفاظ؛ بل يعني أن يؤدي التركيب المحدود وظائف دلالية متعددة، وأن تنشأ بين كلماته علاقات تتيح توسيع المعنى دون الحاجة إلى الشرح المباشر، ففي الفقر ديكتاتور بليغ يتكثف المعنى الاقتصادي والسياسي والتعبيري في ثلاث كلمات، وفي الموت قصيدة مؤجلة يتداخل الوجودي بالأدبي والزمني، وفي المغادرة رجع صلاة تتقاطع الحركة والصوت والبعد الروحي، ومع ذلك، لا يكون الإيجاز نجاحًا في ذاته؛ فقد يكون التركيب القصير غامضًا دون أن يكون عميقًا، أو لامعًا دون أن يكون مؤثرًا، ومن ثمّ فإن معيار التكثيف الحقيقي هو مقدار المعنى الذي ينتجه التركيب، لا عدد الكلمات التي يحتويها،
ب- الانزياح وإنتاج الدلالة:
يقوم الانزياح على خروج التعبير عن النمط المألوف في استعمال اللغة، سواء أكان ذلك في إسناد الأفعال، أم في العلاقات بين الكلمات، أم في ترتيب المعنى، وتنبع أهميته الشعرية من قدرته على إيقاظ العبارة وإعادة توجيه انتباه القارئ،
في “الفراغ الذي يحتلني هو أنت” ينشأ الانزياح من إسناد فعل الاحتلال إلى الفراغ، ثم من مساواة هذا الفراغ بالمخاطب، وفي الزمن كاهن يشتعل بين أصابعه العمر، ينتج الانزياح من تشخيص الزمن، وإسناد هيئة الكاهن إليه، ثم جعل العمر شيئًا يشتعل بين أصابعه، ولا يكفي وصف هذه التراكيب بأنها غير مألوفة؛ إذ ينبغي تحديد أثر الانزياح في المعنى، فالانزياح الناجح يخلق ضرورةً داخلية تجعل العلاقة الجديدة أقدر على التعبير من العبارة المباشرة، بينما قد يبقى الانزياح الآخر مجرد غرابة لفظية إذا لم يضف إلى التجربة شيئًا.
ج- المفارقة بوصفها آلية بنائية:
تتكرر المفارقة في الشواهد، سواء في اجتماع الفراغ والاحتلال، أو في تصوير الفقر بالديكتاتور، أو في جعل الوطن شاعرًا يتسول موته، وهي ليست مجرد تناقض لفظي، بل آلية تنشأ من التوتر بين ما نتوقعه من الشيء وما تسنده إليه العبارة، فالوطن يُنتظر أن يكون موضع الانتماء والكرامة، لكن صورته تتصل بالأحذية أو بالتسول والموت، والفقر حالة حرمان، لكنه يتحول إلى ديكتاتور بليغ، والفراغ حالة غياب، لكنه يحتل الذات، وتنبع قوة هذه المفارقات من أنها تجعل المعنى ينشأ عبر صراع بين تصورين، غير أن نجاح المفارقة يتوقف على إمكان فهم العلاقة بين طرفيها؛ فإذا كان التناقض منتجًا للدلالة اكتسبت الصورة عمقًا، أما إذا تعذر بناء علاقة مقنعة بين الطرفين فقد تتحول إلى تركيب مصطنع.
د- المعجم الدلالي للصورة:
يمكن رصد عدد من الحقول الدلالية الآتية:
1- حقل الوطن والانتماء: “الوطن، القبيلة”
2- حقل السلطة والحرمان: “الفقر، الديكتاتور، التسول”
3-حقل الوجود والنهاية:”الكون، الزمن، العمر، الموت، الفناء”
4- حقل الكتابة: ” القصيدة، الشاعر”
5- حقل الوجدان والعلاقة: “الروح، الفراغ، أنت، الصلاة”
6- حقل الجسد والحس: “الأصابع، الجرح، الأحذية، الاشتعال”
وتتولد بعض الصور من تداخل هذه الحقول، فالفقر ينتقل إلى حقل السلطة، والوطن ينتقل إلى حقل الشعر والتسول، والموت ينتقل إلى حقل الكتابة، واللحظة تتصل بالجرح، ويُظهر هذا التداخل قدرة الصورة على تجاوز التصنيف الموضوعي المباشر، وبناء علاقات بين مجالات مختلفة من الخبرة،لكن هذه الحقول ليست متساوية في حضورها، ولا يمكن اعتبارها بنية معجمية شاملة للديوان دون فحص نصوصه كاملة، والأدق أن تُعامل هنا بوصفها حقولًا أولية تكشفها الشواهد المدروسة،
ﮪ- علاقتها بالإيقاع:
لا تنفصل الصورة الشعرية عن إيقاع العبارة، حتى في النصوص القصيرة التي لا يتوافر فيها ما يكفي للحكم على الوزن أو البناء العروضي، فقد ينتج الإيقاع من التوازن التركيبي، أو التوازي، أو التكرار، أو التدرج في العبارة، أو من العلاقة الصوتية بين الكلمات،وتقوم عبارات مثل الفقر ديكتاتور بليغ والموت قصيدة مؤجلة على اقتصاد تركيبي واضح، يجعل الانتقال من الموضوع إلى الصورة مباشرًا، كما أن صيغة التعريف تمنح هذه العبارات نبرة تقريرية، بينما تعمل المفارقة على زعزعة يقين هذا التقرير، أما العبارة الزمن كاهن يشتعل بين أصابعه العمر، فتتسع بنيتها مقارنةً بالتعريفات القصيرة، وتنتقل من تسمية الزمن إلى تشخيصه، ثم إلى صورة الاشتعال، ثم إلى العمر بوصفه موضوعًا لهذا الفعل، وينشأ أثرها من التتابع التصويري وتراكم العلاقات، ومع ذلك، لا يصح إصدار حكم تفصيلي على الإيقاع الصوتي أو الموسيقى الداخلية للديوان اعتمادًا على هذه العبارات وحدها؛ فذلك يتطلب الرجوع إلى القصائد كاملة، ومراعاة تقطيع الأسطر، والوقفات، والتكرارات، والعلاقات الصوتية في سياقاتها.
و- الصورة المفردة والصورة الكلية:
من الضروري التمييز بين الصورة المفردة التي تكتسب قوتها داخل عبارة محددة، والصورة الكلية التي تنتظم أجزاء قصيدة أو مجموعة في بنية مترابطة،
فعبارة الفقر ديكتاتور بليغ تقدم صورة مفردة مكثفة، بينما قد تتشكل الصورة الكلية من تتابع صور مترابطة في قصيدة واحدة، بحيث تكتسب كل صورة معناها من علاقتها بما قبلها وما بعدها،
أخيراً يشير ديوان حطام الوردة إلى حضور الصورة الشعرية بوصفها وسيلةً أساسية لتشكيل المعنى، لا مجرد عنصر زخرفي، وتظهر أهميتها في نقل المفاهيم المجردة إلى مجالات حسية واجتماعية ووجدانية، وفي إقامة علاقات غير مألوفة بين الكلمات، بما يتيح توليد المفارقة وتكثيف التجربة، كما بيناه سلفاً
قائمة المراجع
أولًا: المراجع العربية
1، فضل، صلاح، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، القاهرة: دار الشروق،
2، فضل، صلاح، أساليب الشعرية المعاصرة، بيروت: دار الآداب،
3، المسدي، عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب، تونس: الدار العربية للكتاب،
4، مصلوح، سعد، الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية، القاهرة: عالم الكتب،
5، الغذامي، عبد الله، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
6، أبو العدوس، يوسف، الاستعارة في النقد الأدبي الحديث: الأبعاد المعرفية والجمالية، عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع،
ثانيًا: المراجع الأجنبية المترجمة إلى العربية
1، لايكوف، جورج، وجونسون، مارك، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، الدار البيضاء: دار توبقال،
2، كوهين، جان، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، الدار البيضاء: دار توبقال،
3، سلدن، رامان، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، القاهرة: دار قباء،



