النثر الفني
مديح العتمة/عارف عبد الرحمن

كان المساء يجرّ ظله الأخير فوق المدينة،
وفي داخلي شيءٌ يتعلّم ببطء لغة الموت.
مشيت نحو الضواحي الأخيرة،
حيث ينتهي الطريق ويبدأ الفراغ،
وكان فجرٌ بعيد يصعد من أعماق الزمن،
حاملاً وجوهًا وأسماءً لم تعد تعرفني.
تذكرتُ الكتب التي أخاف فتحها،
والأبواب التي أغلقتها الذاكرة،
والذين عبروا التاريخ قبلي
وتركوا شيئًا من دمهم في دمي.
سألتُ نفسي:
هل أنا كل هذه الأشياء،
أم أنها مفاتيح سرية
لبابٍ لن أصل إليه؟
لم يبقَ من الفردوس
إلا طعمه في الذاكرة،
ولا من الانتظار
إلا ذلك الصوت البعيد
الذي أعرفه دون أن أسمعه.
الآن لا أنتظر خلاصًا،
ولا تفسيرًا.
يكفيني أن أمضي
إلى نهايتي بهدوء،
كمن يعيد كتابًا إلى رفّه الأخير.
وعلى قطعة الرخام
سيبقى تاريخان فقط:
يومٌ دخلتُ فيه العالم،
ويومٌ خرج فيه العالم مني.



