📰 آخر الأخبار
بين التناص والسرقة/د.ازهر سليمانالتجديد بين الإبداع والهدم:الذكاء الاصطناعي والتراث الإنساني/ياسين احمد خلفWhat We Carry Beyond the Market by Dr Haroon Rashidالبوابة رقم ١٢/بلدوميرو ليلو-ترجمة :ماهر البطوطيالرجل المعلَّب/أنطون تشيخوف-ترجمة أبو بكر يوسفالكاتب المبدع وثورة الناقد: بين سُلطة الحكم النقدي وعبقرية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي/.ا.د حمام محمد - جامعة الجلفة-الجزائر Non- philosophical ideas/By Salim Elias Madaloتعبتُ/ أسامة محمد صالح زامللم انهض باكرا/ عبد الرزاق الصغير-الجزائرسماء الطراوة في قيامة الأسماء / نورالدين قدادة - تونسأخطاء جبرا إبراهيم جبرا في ترجمة رواية الصخب والعنف لفوكنر/إبراهيم أبو عواد / الأردن المقابلة الهاتفية لمندوبة جائزة نوبل  فى الأدب مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026 /ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمThe Chicken's Funeral/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanشعر الحماسة : سلاح الحرب النفسية العربي:الشعر و البروباغندا/أ.مالك بن فرحات أشباهك الأربعون/غدير حميدان الزبونWhat We Carry Beyond the Market By Dr Haroon Rashid ثلاث قصائد سيجو معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالثلاث قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون Anne carson /ترجمة يزن الحاجالشمس لم تعد شمسا/سالم الياس مدالوALEXA/Mouna Zaghdene Abidها هي سفني تعود/عارف عبد الرحمنتخيّل ما لا يمكن تخيّله:مراجعة نقدية لكتاب (نورما الخاطئة ) لآن كارسون/وين جريدي-ترجمة : د.محمد غنيم In A CHURCH IN MADRID by Alan Patrick Traynor(نصوص كتبتها الشاعرة في رثاء أمها)/آن كارسون (نوبل 2026)-ترجمة موزة العبدوليA HALF-FINISHED RUN /Demet Duyuler-Adana, Türkiye
بين التناص والسرقة/د.ازهر سليمانالتجديد بين الإبداع والهدم:الذكاء الاصطناعي والتراث الإنساني/ياسين احمد خلفWhat We Carry Beyond the Market by Dr Haroon Rashidالبوابة رقم ١٢/بلدوميرو ليلو-ترجمة :ماهر البطوطيالرجل المعلَّب/أنطون تشيخوف-ترجمة أبو بكر يوسفالكاتب المبدع وثورة الناقد: بين سُلطة الحكم النقدي وعبقرية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي/.ا.د حمام محمد - جامعة الجلفة-الجزائر Non- philosophical ideas/By Salim Elias Madaloتعبتُ/ أسامة محمد صالح زامللم انهض باكرا/ عبد الرزاق الصغير-الجزائرسماء الطراوة في قيامة الأسماء / نورالدين قدادة - تونسأخطاء جبرا إبراهيم جبرا في ترجمة رواية الصخب والعنف لفوكنر/إبراهيم أبو عواد / الأردن المقابلة الهاتفية لمندوبة جائزة نوبل  فى الأدب مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026 /ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمThe Chicken's Funeral/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanشعر الحماسة : سلاح الحرب النفسية العربي:الشعر و البروباغندا/أ.مالك بن فرحات أشباهك الأربعون/غدير حميدان الزبونWhat We Carry Beyond the Market By Dr Haroon Rashid ثلاث قصائد سيجو معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالثلاث قصائد للشاعرة الكندية آن كارسون Anne carson /ترجمة يزن الحاجالشمس لم تعد شمسا/سالم الياس مدالوALEXA/Mouna Zaghdene Abidها هي سفني تعود/عارف عبد الرحمنتخيّل ما لا يمكن تخيّله:مراجعة نقدية لكتاب (نورما الخاطئة ) لآن كارسون/وين جريدي-ترجمة : د.محمد غنيم In A CHURCH IN MADRID by Alan Patrick Traynor(نصوص كتبتها الشاعرة في رثاء أمها)/آن كارسون (نوبل 2026)-ترجمة موزة العبدوليA HALF-FINISHED RUN /Demet Duyuler-Adana, Türkiye
دراسات أدبية

شعر الحماسة : سلاح الحرب النفسية العربي:الشعر و البروباغندا/أ.مالك بن فرحات 

رجل ذو شعر بني وقميص أبيض، يظهر بابتسامة خفيفة وخلفية غير واضحة.

التزاما بمبادئ الجمالية الشكلانية ، دعا الكثير من الدارسين إلى ضرورة استقلال دراسة النص الأدبي عن كلّ عنصر خارجي و التركيز في دراسته على عناصره الداخلية المشكلة لأدبيته و جماله الذاتي بمعزل عن المعطيات التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية التي ساهمت في إنتاجه ، فصار التركيز منصبا على خصوصية النص الأدبي باُعتباره لغة متميزة تقوم على مجموعة من العلائق خلافا لما كان عليه في الاتجاهين التاريخي أو الماركسي ، حيثُ نظر إلى النص الأدبي أنه نتاج للظروف التاريخية و الشروط المادية المتعلقة بالمرحلة التي ظهر فيها . و لكن ماذا لو كان النص الأدبي مؤثرا في أحداث هذه المرحلة و مساهما قويا في سيرورتها فضلا عن كونه نتاجا لظروفها و شروطها ؟ ألا يكون من الضيم حينئذ أن نحصر قيمته في أدبيته التي لا تعدو أن تكون وسيلة لتحقيق غاية أبعد ؟ هذا هو الإشكال الذي يتبادر إلى أذهاننا حين نقرأ شعر الحماسة الذي لم يكن خطابه حافا بأحداث الحرب و متولدا عنها فحسب ، بل كان في كثير من الأحيان مساهما في صناعة هذه الأحداث و مؤثرا في سيرورتها باُعتباره خطابا مؤثرا في نفوس أبطالها و عقولهم تأثيرا ينشّطُ بعضهم و يثبّط بعضا ، و إذا سلمنا بأنّ الأحداث ينتجها أبطالها و شخصياتها ، فإن الخطاب المؤثر في هؤلاء الأبطال و هذه الشخصيات يؤثر في الأحداث ضرورة ، و إذا كان هذا الخطاب أدبيا  جماليا ، صارت أدبيته وسيلة لتحقيق التأثير المرغوب فيه ، لذلك سيلحظ قارئ هذا المقال أن تناولنا لشعر الحماسة يختلف عن التناول الذي اعتيد مع المختصين في دراسته باعتباره نصا أدبيا ، فلم يكن تركيزنا منصبا على مقومات جماليته الشعرية من إيقاع و صور و معجم و تركيب ، بل كان تركيزا على وظيفته في الحرب و تأثيره في المشاركين فيها ، حتى إننا لم نتردد في أن نصفه بأنه سلاح حرب حين وجدنا بينه و الوسائل المعتمدة في الحروب النفسية و الإعلامية تشابها واضحا ، هذه الوسائل هي ما نفتتح به متن مقالنا متدرجين إلى الحديث عن تأثير الشعر عند العرب عامة ، فإلى الحديث عن شعر الحماسة باُعتباره سلاح حرب ، فكان تدرجنا من العام إلى الخاص ، و نرجو أن يجد القارئ فيما خططنا ما يفيده .

الحرب النفسية و وسائلها

لا يقتصر حسن الاستعداد للحرب على الاستعداد المادي و الاستراتيجي بحشد الجيوش الجرّارة و تسليحها بالآلات الفتاكة و وضع الخطط و التكتيكات للإطاحة بالعدو ، فقد يكون هذا الاستعداد غير ذي جدوى إذا لم يصحبه استعداد نفسي بتحفيز الجنود و تشجيعهم و توحيد نفوسهم و قلوبهم على عقيدة واحدة و هدف واحد و تهيئتهم للمصائب و الأهوال التي ستلقاهم ، و لهذا ، إذا ما وجدت في كتب التاريخ أن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ، أو أنّ جيشا ضعيفا هزم جيشا عرف بأنّه لا يُقهر فلا تستغرب و اعلم أنّ الاستعداد النفسي غلب الاستعداد المادي . و قد أدرك الكثير من القادة و الدول و الإمبراطوريات أهمية الاستعداد النفسي للحرب ، و كانوا على وعي بأنّ القتال المادي يوازيه قتال معنوي أطرافه النفوس و العقول ، بل كانوا واعين بأنّ الهزيمة النفسية في الحرب لا تقلّ خطرا عن الهزيمة المادية ، فجندّوا ما كان بين أيديهم من وسائل التأثير لتحفيز الجيوش و إذكاء عزيمتهم ، و هذه الوسائل التأثيرية كانت هي أسلحة الحرب النفسية . و مثلما تطورت أسلحة الحرب المادية بين الماضي و الحاضر و استُغْنِيَ عن السيوفِ و الرماحِ لصالح الأسلحة الحديثة من قنابل و صواريخ ، تطورت وسائل الحرب النفسية تطورا لم يُستغْنَ فيه عن الوسائل القديمة ، بل دُعّمت هذه الوسائل بوسائل أكثر تأثيرا و نجاعة ، فالخُطبُ و الأشعارُ الحماسية التي كانت تُلقى على الجنود مباشرة من لسان القائد أو الشاعر في الحروب القديمة صارت في الحروب الحديثة تصل إلى الجنود و إلى عامة الشعب و الأمّة بمساعدة وسائل الإعلام و الاتصال كالراديو و التلفاز ، و أشهر من نمثل بهم لذلك النازيون ، فلا يُنكر أنّ آلة الدعاية الحربية النازية التي أنشأها أدولف هتلر بمساعدة وزير دعايته الدكتور جوزيف غوبلز كانت من أهم العوامل المساهمة في انتصارات الجيش الألماني الخاطفة أوّل الحرب و في صموده آخرها و في توحيد صفوف الشعب الألماني و حملهم على مؤازرة الجيش ، و يضاف إلى الخطب و الأشعار التطور الذي شهده استعمال الصورة في العصر الحديث حيث بلغ استعمال الصورة للدعاية ذروته و هو ما جعلها مادة هامة للدعاية الحربية ، و قد اعتمدها النازيون و أثبتوا أنها ناجعة في توجيه النفوس و العقول ، و اعتمدوا بشكل كبير على الصور المعدلة عن الصور الواقعية ، كتلك الصور التي يُلبس فيها القائد حلّة أسطورية تُنسي مشاهدها أنه إنسان عادي بعيد عن الخوارق و الأساطير ، و هذا التطور الذي شهدته وسائل الحرب النفسية التأثيرية لم يُقلل من دور الوسائل القديمة كالخُطب و الأشعار ، فقد سجّلت لنا الحربان العالميتان خطبا كان لها تأثير بالغ في دفع الجنود إلى الجبهات و حملهم على الثبات أمام خطر داهم ، كخطاب الحرْب الشاملة الذي ألقاه جوزيف غوبلز في قاعة الرياضة ببرلين عقب هزيمة الجيش النازي أمام الجيش السوفياتي في معركة ستالينغراد التي كانت حاسمة في تقرير نتيجة الحرب العالمية الثانية ليحفز المقاتلين الألمان على النهوض مجددا ، و خطاب جوزيف ستالين الذي ألقاه عقب اجتياح جيش هتلر للاتحاد السوفياتي و هذا مقتطف منه ” إخوتي و أخواتي ، تهاجمنا ألمانيا النازية بقيادة هتلر ، العدو قاسٍ و عنيد ….. و لكن هل يصح القول إن قوات ألمانيا الفاشية لا تُقهر ؟ جيش نابليون لا يُقهر و لكنه هُزِمَ ….و من الخطب كذلك ما ألقاه إمبراطور ألمانيا فيلهلم الثاني على جيشه عند اقترابه من دخول فرنسا و هذا مقطع منه ” سنُدافعُ عن أنفُسِنا ، حتى آخر نَفسٍ لرجل و حصان ، و سنبقى صامدين حتى ضد عالم من الأعداء ، ألمانيا الموحدة لن تُهْزَمَ أبدا “. و لم يقلّ تأثير الخطب عن تأثير الأشعار الحماسية التي تحول أكثرها إلى أناشيد تحفز الجنود و تجعلهم متأهبين للمخاطر ، كنشيد الحزب النازي المعروف باسم ” نشيد هورست فيسل ” أو ” هورست فيسل ليد ” ، و تضمن هذا النشيد إنذارا بقوة قوات العاصفة الألمانية و تأهبها للحرب

العلمُ ارتفع

الصفوف متراصة بإحكام

كتيبة العاصفة تسير بخطوات هادئة حازمة

الرفاق تحت نيران الجبهة الحمراء و الرجعيين

يسيرون بروح ضمن صفوفنا

الشعر وسيلة التأثير المثلى عند العرب :

لئن تنوعت وسائل التأثير المعدة للحرب النفسية في ما اشتهر من حروب بين العصرين القديم و الحديث ، و شاع توظيف بعضها أكثر من الآخر في فترة تاريخية ما كما شاع توظيف الصورة بمختلف أنواعها في الحرب العالمية الثانية أكثر من الخطب و الأشعار و البلاغة القولية ( رغم أنها لا تقل أهمية عنها هي الأخرى ) فقد كان الشعر و البلاغة القولية عموما وسيلتي التأثير الطرازيتين عند العرب القدامى بلا منازع خصوصا أنه لم يُعرف عنهم توظيف وسائل أخرى كالصور ، و شدة تأثير الشعر في العرب تتعدى نطاق الحرب الضيق ، و الحرب إن هي إلا موضوع من موضوعات الشعر العربي ، فالشعر ذاته مؤثر مهما كان موضوعه و الغرض الذي قيل فيه ، كيف لا و أهله يحتفون بالفصاحة و البلاغة القولية ، و من دلائل تأثير الشعر أنه يرفعُ من قدر الوضيع الجاهِل مثلما يضع من قدر الشريف الكامِلِ ، و أن الشاعر إذا قال شعرا ليمدح أو يهجو أو يتغزل انتشر شعره على ألسن الناس و رسخ في أذهانهم لسهولة حفظه ، و قد يصل الشعر بقوته التأثيرية إلى تأجيج المعارك و الحروب ، فالشرارة الأولى لحرب البسوس التي دامت أربعين سنة في الجاهلية كانت أبياتا ألقتها البسوس بعد قتل كليب لناقتها و هذا بعض منها :

لعمْرُكَ لو أصبحت في دار مُنقذ

لما ضيمَ سعْد و هو جار لأبياتي

و لكنني أصبحتُ في دار معشرٍ

متى يعْدُ فيها الذئب يعْدُ على شاتي

فيا سعدُ لا تغرر بنفسك و ارتحِلْ

فإنّيَ في قومٍ عن الجارِ أمْواتِ

هذه القوة التأثيرية هي ما يجعل الشعر سلاح حرب نفسية و إعلامية فعّالا ، و لعلّ العرب و المسلمين كانوا على وعي بفاعلية هذا السلاح ، و اتخذوه للانتصار في حروبهم النفسية و الإعلامية التي يعزز الانتصار فيها فرصة الانتصار في الحروب العسكرية ،و شعر الحماسة كان نتاجا لهذا الوعي ، و شعراؤه كانوا مشاركين في الحروب التي خاضها الأمراء الذين يوالونهم و الدول التي يحالفونها سواء نووا ذلك أم لم ينووا . لقد كان الشاعر آلة دعاية عند العرب من العصر الجاهلي إلى عصور الخلافة في سلمها و في حربها خاصة ، و إلا لم كانت القبيلة في الجاهلية إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها ، و صنعت الأطعمة ، و اجتمع النساء يلعبْنَ بالمزاهر ، كما يصنعون في الأعراس ، و يتباشر الرجال و الولدان ؟ لأنه كما يقول ابن رشيق القيرواني حماية لأعراضهم ، و ذب عن أحسابهم ، و تخليد لمآثرهم ، و بلغتنا المتدوالة هو وسيلتهم في حروبهم الإعلامية ضد القبائل الأخرى ، خصوصا أنّ العصر الجاهلي كان بؤرة لصراع قبلي لم يهدأ ، و هذا الصراع لم يكن صراعا عسكريا فحسب بل كان صراعا إعلاميا و نفسيا ، و مثلما استعملت القبائل في الجاهلية شعراءها للدعاية بين القبائل الأخرى ، استعمله المسلمون للغرض نفسه لنشر دعوتهم و لنصرة الدين الجديد ، و أصدق ما يدل على ذلك مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الشعراء الذين أجابوا دعوته ، فكان يحرص على أن يشهدوا معه الغزوات لا ليقاتلوا بأيديهم بل ليقاتلوا بألسنتهم العدو ، و لا يجهلُ أحد حث النبي لحسان بن ثابت على أن يهجوَ المشركين بقوله له : اُهجُهم أو هاجِهِمْ و جِبريلُ معك ، و عموما فإنّ إحاطة النبي لنفسه و لدعوته بالشعراء دليل قاطع على معرفته لقدرتهم على نشر الدعوة الإسلامية و حمل الناسِ على اتّباعِها ، إذا أخذنا بعين الاعتبار خاصة تأثير الشعر في العرب عامة ، و لم يفتْ معادي الدعوة الإسلامية أوّلَ ظهورها – أي المشركين – أن يجنّدوا الشعراء في محاولتهم لصد الدعوة الإسلامية ، و لعلهم فاقوا المسلمين في ذلك لعدة أسباب أهمّها أنّ المسلمين امتلكوا بين أيديهم معجزة بلاغية استغنوا بها عن كل بلاغة ، و نعني بهذه المعجزة القرآن الذي كان وسيلة تأثير لا نظير لها ، و بين أيدينا قصة نستدل بها على وعي المشركين القوي بنجاعة الشعراء في الانتصار في الحروب و إبطال الدعوة القائمة ، و هي قصة إسلام الأعشى الذي لم تكتمل ، حيث يروي ابن هشام أنّ الأعشى كان في طريقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليُسلِم بعد أن نظم فيه قصيدة ، فاُعترضه بعض المشركين و حاولوا صده عن عزمته من خلال تنفيره من الإسلام بحجّة أنّه يحرّم الزنا و الخمر ، فعزم الأعشى على أن يمكث عاما يصيب من الخمر ما يشبع حاجته ثم يسلم ، و لكنه مات قبل أن يسلم ، و يُروى أن المشركين عرضوا عليه مائة ناقة مقابل عودته ، و بغض النظر عن إسلامه من عدمه ، نلاحظ حرص المشركين الشديد على ألا يسلم الأعشى ، و لو كان الأمر متعلقا بإسلام جيش أو إسلام كتيبة أو سيد من السادة ذي سلطان لفهمنا سبب هذا الحرص الذي يدفع إلى هبة مائة ناقة ، فما الأعشى إلا رجل منفرد ، و لكنه شاعر من فحول الجاهلية مرهوب اللسان ، مسموع الكلمة ، و انضمامه إلى المسلمين يعني خسارة المشركين لآلة دعائية إعلامية و فوز العدو بهذه الآلة و فوز دعوتهم . من ههنا نفهم سبب احتفاء الخلفاء و الأمراء و الملوك على امتداد تاريخ الخلافة الإسلامية بالشعراء ، و سبب إغداقهم الأموال و الثروات عليهم مقابل قصائدهم المدحية ، إغداقا أبلغ بعض الشعراء الثراء الفاحش و مَلّكهم الضياع و الدواب ، و لو لم يكن ذوو السلطان عالمين بأنّ الشاعر بين أيديهم آلة دعائية تنشر فضائلهم بين رعاياهم و تستر هفواتهم كما تفعل وسائل الإعلام التي تستحوذ عليها السلطة في عصرنا ، لما ضيعوا تلك الأموال الطائلة و الثروة الضخمة على ما قد يراه البعض مجرد كلام يقال فيهم لا يُسمِنُ و لا يُغني من جوع ، و لكنه ليس كذلك ، و كلما كان الشاعر جيدا بارعا قويَ حرص الملوك على أن يكون من نصيبهم ، و هذا شأن أبي الطيب المتنبي الذي كان يتنقل من أمير إلى آخر و كل أمير كان يستقبله استقبال الملوك للملوك ، و لهذا فإنا لا نوافق من يقولون إن العلاقة بين أبي الطيب و سيف الدولة كانت علاقة حب صادق ، بل كانت علاقة توافق مصالح طرفين ، رجل سياسة يبحث عن آلة دعاية قوية ، و شاعر يبحث عن ملك يقدر شعره و يدفع له ثمنه الذي يستحق ، و دليل ذلك أنّ سيف الدولة الذي كان محاطا بغير واحد من الشعراء كان يغضب إذا ما تأخّر أبو الطيب زمنا عن مدحه و كثير من المواقف التي من أهمها عدم انتصاره له حين ضربه ابن خالويه حين اتهمه بأنه لا علاقة له بالعربية لأنه أعجمي . و لعل أبا الطيب و غيره من الشعراء كانوا واعين بهذه الخدمة الدعائية الجليلة التي يقدمونها للأمراء الذين ينتدبونهم ، و عالمين بأنّ الموهبة التي منحوها كفيلة بإعلاء اسم الأمير و إسقاطه ، و لهذا فإن هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي بعد وعوده الكاذبة بمنحه منصبا لم يكن مجرّد تنفيس عن شعور بالخيبة و الخذلان ، بل كان أبو الطيب واعيا بأنه شر يجازي به الإخشيدي الذي انقلبت عليه آلة دعايته بعد أن كانت تعمل لصالحه ، و انقلاب أبي الطيب عليه لا يقل خطرا عن انقلاب رجل من حاشيته يتصيد فرصة إزاحته عن كُرسي المُلك . من هنا نفهم أنّ وظيفة الشاعر دعائية في أساسها ، و قد حافظ الشعراء على هذه الوظيفة في العصر الحديث ، العصر الذي يدعى في التاريخ الأدبي بعصر النهضة الأدبية ، حيث اعتمد رجال السلطة على الشعراء كما فعل أسلافهم ، و من اللافت أن نجد في هذا العصر استحداث خطة تسمى ب “شاعر الأمير” أو ” شاعر الملك ” ، و هي خطة كان يتسابق الشعراء لنيلها ليضمنوا راتبا يضمن لهم معاشا كريما و يجعلهم قريبين من ذوي السلطان مقابل تسخير طاقتهم الشعرية لنشر فضائل العائلة الحاكمة و مدح إنجازاتهم و ستر معايبهم عن الشعب ، و أشهر من تولى هذه الخطة الشاعر المصري أحمد شوقي الذي كان شاعرا للأمراء قبل أن يصير أميرا للشعراء ، و يذكر أنّ الخديوي عبّاس كان قد عين أحمد شوقي رئيسا للديوان العربي ، و هو منصب يعادل منصب وزير الإعلام أو وزير الدعاية . هذا الاعتماد على الشعراء تلاشى بمجرد غزو وسائل التأثير الحديثة للعالم العربي كوسائل الإعلام و السينما .

شعر الحماسة وسيلة دعائية حربية :

قبل أن نفصل في كون شعر الحماسة وسيلة دعاية حربية تتشابه مع وسائل الدعاية التي اعتمدت في الحروب عبر التاريخ ، ينبغي لنا أنّ نعرف شعر الحماسة أولا ، فبين أيدينا مركب إضافي يتكون من مضاف هو كلمة شعر و مضاف إليه هو كلمة الحماسة ، و بما أن حديثنا دائر حول شعر الحماسة في العصر القديم ، فتعريفنا للشعر لن يتجاوز تعريفات القدامى ، فهو الكلام الموزون المقفى الدال على معنى ، على أنّ هذا التعريف يفتح الباب لاعتبار ما لا يصح أن يُعتبر شعرا شعرا ، فلا يكفي الوزن و الدلالة على المعنى ، لأنّ المنظومات التعليمية كألفية ابن مالك مثلا تجتمع فيها هاتان الخاصتان ، و لكنها ليست بشعر ، لذلك سنضيف سمة أخرى قررها ابن خلدون و هو يعرف الشعر ، و هي سمة البلاغة ، فصاحب المقدمة يميز الشعر بكونه كلاما بليغا ، و هذه سمة توافق حديثنا عن الشعر باُعتباره وسيلة تأثيرية ، لأنّ البلاغة أكثر ما يؤثر في العرب قديما ، و بلاغة الشعر تجعله مؤثرا ضرورة ، ثم إن صفة البلاغة تجمع مختلف مقومات الشعر الفنية ، كالصورة الشعرية و أساليب صياغتها من تشبيه و استعارة ، لأنّ هذه المقومات تشكل بلاغة الشعر. و أما كلمة الحماسة فلم نجد لها تعريفا أفضل من تعريف عبد اللطيف شرارة الذي قال : الواقع أنّها معنى غير الشجاعة ، و غير الاستعداد للقتال ، و غير الشدة أو التشدد في الدفاع عن العرض أو الرأي أو العقيدة ……….إنها تحفز نفسي للبذل و الدفاع و الوثوب و الفداء .

و نتبين مما سبق أننا إزاء كلمتين أولاهما تدل على شكل تعبيري أدبي مؤثر، و ثانيتهما تدل على حالة نفسية، فيكون شعر الحماسة هو : الكلام البليغ المنظوم الذي يُقصد منه تحفيز النفس للبذل و الدفاع و الوثوب و الفداء . و إثارة هذه الحالة الحماسية تفرض على الشاعر أن يعتمد تقنيات و أساليب مخصوصة سنحاول رصدها بالاعتماد على ما بين أيدينا من مدونة شعر الحماسة ، و ستلاحظ أنّ الأساليب المعتمدة تتقاطع في جانب كبير منها مع الأساليب التي اعتمدتها وسائل التأثير في الحروب الحديثة . و شعر الحماسة في الأدب العربي قديم قدم الحرب في التاريخ العربي ، و مثلما أنّ الحرب لم تهدأ على امتداد التاريخ العربي الإسلامي إلا في بعض فترات الاستقرار فإنّ الشعر لم ينفكّ عن الحضور في هذه الحروب لتحفيز المحاربين و وصف المعارك و تخليد الانتصارات و الأعمال البطولية ، لذلك فإنّ مدونة هذا النوع من الشعر لا شك ثرية ثراء التاريخ العربي بالمعارك و الحروب ، و هذا الثراء يحتم علينا أنّ نعتمد في بحثنا هذا على أشهر الشعراء في ميدان الحماسة . و شعر الحماسة موضوعاته متشعبة و لكنها تجتمع لتحقيق غرض واحد ، هي إثارة الحالة النفسية الحماسية و شحن المقاتلين بالشجاعة و صلابة النفسية مثلما يشحن السلاح رصاصا ، و يعتمد الشعراء تقنيات مخصوصة لإثارة هذه الحالة ، و ها نحن نعددها و نبين تشابهها مع التقنيات التي تعتمدها وسائل الدعاية الحربية الحديثة بالاعتماد على مواقف تاريخية .

تسليط الضوء على القائد و تقديمه في صورة أسطورية :

أمة بلا قائد هي أمة ضائعة ، و جيش بلا قائد جيش مهزوم ، و مصير الجماعة محكوم بمصير الفرد الذي يقودها ، فنجاحه يعني نجاحهم و فشله يعني فشلهم ، و هو إما أن يكون سبب خلاصهم و إما أن يكون سبب استعبادهم و شقائهم ، هكذا هو القائد عند بعض الأمم التي تسلم قيادها لقائدها في السلم و في الحرب ، و قد نظر العرب المسلمون قديما إلى قادتهم هذه النظرة ، فشاعت عندهم فكرة أنّ القائد هو الأمة ، نصره يعني نصرها ، و هزيمته تعني هزيمتها ، و لهذا فمن الطبيعي أنّ شعراء الحماسة يسلطون الضوء على قادة الجيوش دون غيرهم من الجنود ، خصوصا إذا كان قائد الجيش أمير الدولة نفسه ، و الجيوش في المعركة تعلق آمالها بقائدها حتى إنه إذا قُتل انسحبت و انهزمت ، فموته يعني موتها مثلما أنّ موت الدماغ في الجسم يعني موت بقية الأعضاء ، و في الحرب العالمية الثانية لم يستوعب الألمان أنهم هزموا حرفيا إلا حين سمعوا بموت أدولف هتلر ، فحينئذ علموا أنّ كلّ شيء انتهى ، و كانوا قبل سماع خبر وفاته متشبثين بأسلحتهم للدفاع عن برلين و كانت كل الدلائل تشير إلى أنهم هزموا و لكنهم لم يقروا بذلك و يستسلموا إلا بعد موت قائدهم ، و إذا أدركنا ذلك علمنا لم يسلط الشعراء الضوء على القادة ، و فهمنا مقولة أن حضور المدح في القصيدة الحماسية يخدم الغرض الحماسي ، فعلى الشاعر ليحفز الجيوش أن يقدم لهم قائدهم رجلا قويا لا يُقهر و لا يهزم و لا تقف قوة في طريقه ، و عليه أن يجهد في المحافظة على هذه الصورة ، فما دامت هذه الصورة على حالها دامت نفوس الجند مطمئنة قوية مؤمنة بالنصر لأنّ عقلها المدبّر بخير و قوة ، و مركزية القائد تجعل الشاعر ينسب إليه جميع المآثر و الأعمال التي حقق من خلالها النصْرُ و دُفِع الخطرُ حتى و إن لم تنتسب إليه هذه الأعمال و المآثر و كان الجنود أصحابها ، فهذه المركزية تجعل كل منقبة و عمل بطولي فعله غير القائد ملك القائد ، مثلما يُنسب إلى العقل فضل كتابة بحث قيم مع أنّ اليد هي التي أمسكت القلم و كتبت ، و لكنّ العقل هو الذي حرّك هذه اليد ، و هذا ما يظهر في مخاطبة أبي تمام المعتصم بالله في فتح عمورية :

لقد تركتَ أمير المؤمنين بها

للنارِ يوما ذليلَ الصخْرِ و الخَشبِ

أو مخاطبة المتنبي لسيف الدولة :

نثرتهم فوق الأُحيدب كلّه

كما نُثرت فوق العروس الدراهِمُ

فالأعمال البطولية التي لا يمكن إلا أن تنجزها المجموعة ينسبها الشاعر إلى شخص واحد و هو القائد ، فلا المعتصم وحده أجج الحريق بعمورية و لا سيف الدولة وحده نثر الجنود فوق المرتفع ، و لكنهما العقل المدبر لهذه الأعمال ، و السلك الذي ينظم الجنود حتى إذا قُطع السلك تناثروا :

تدبير معتصم بالله منتقم

لله مرتقب في الله مُرتَغِب

هذا لا يعني أنّ الشعراء يهمشون الجند و يكتفون بتسليط الضوء على القادة ، و لكن ذكر الجند يندرج ضمن تقنية دعائية أخرى نذكرها لاحقا . و لا يكتفي شعراء الحماسة بتسليط الضوء على القادة و الأمراء ، بل يحرصون على أن يرسموا لهم صورة مثالية أسطورية يجعلونهم بها أسوة حسنة لرعاياهم و جنودهم ، صورة تصف أحوالهم في السلم و الحرب ، و حتى تكون صورة القائد مرضية عند شعبه وجب على الشاعر أن يقدمه على أنه شخص يتحلى بالقيم و المبادئ التي يحبونها و يرضونها في السلم و الحرب ، لذلك حرص شعراء الحماسة أن ينسبوا إلى ممدوحيهم كل القيم التي تواضع العرب على استحسانها ، بل جعلوهم أكثر الناس حظا من تلك القيم حتى بالغوا في وصفهم بها ، فالممدوح حسب الشاعر يتحلى بالكرم إلى درجة أنه مستعد لبذل كل ما يملك حتى حياته و نفسه

و لو لم يكن في كفّه غيرُ روحه

لجاد بها فليتقِ الله سائلُه

و يتحلى بالشجاعة إلى درجة أنه يقدم على الموت و المخاطر دون أن يبالي

وقفت و ما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الردى و هو نائم

تمر بك الأبطالُ كلمى هزيمة

و وجهك وضاح و ثغرك باسم

و يتحلى بالقوة إلى حد قدرته على فعل الخوارق و المعجزات ، و هو المتدين حامي حمى الإسلام الذي له خُلق الأنبياء و الصحابة و الصالحين ، و كل أفعاله مباركة من عند الله ، و حروبه مقدسة . و هو مخلّص شعبه من كل المخاطر . و قد ساعد الشعراء على رسم هذه الصورة ما تتيحه اللغة الشعرية من أساليب التصوير الفني كالتشابيه و الاستعارات . هذه الصورة المثالية لا تتوافق لا شك مع شخصية القائد الحقيقية التاريخية التي لا تعدو كونها شخصية بشرية لها محاسنها و عيوبها ، و لكن الشاعر يغض الطرف عن العيوب و يبالغ في ذكر المحاسن و قد يضيف من عنده محاسن لا توجد في الشخصية ، و كلنا يعرف تلك اللوحة الشهيرة التي رسمت لنابليون و هو يرفع مقدمة الحصان على جبال الآلب في هيئة أسطورية ، و لكن قلة منا يعرفون أن نابليون قد عبر جبال الآلب بعسر و هو على بغل يسير بعسر و أن اللوحة إنما تعوض البغل بالحصان حتى لا يخسر نابليون هيبته ، تقديم القادة في هذه الصورة نجده عند رجال الدعاية في العصر الحديث ، حيث قدم وزير الإعلام جوزيف غوبلز المستشار أدولف هتلر رجلا أسطوريا مثاليا يتوافق مع انتظارات الشعب الألماني ، و صوره على أنه العبقري المخلص حامي ألمانيا من كل خطر يهددها ، و معيد كبريائها إليها بعد إذلالها حين هزمت في الحرب العالمية الأولى ، و الحريص على أمن شعبه و سعادته و رفاهيته ، و بنفس الصورة قُدّم زعيما الاتحاد السوفياتي فلاديمير لينين و جوزيف ستالين ، و ما زالت أجهزة الدعاية تعمل لتقديم الرؤساء و رجال السياسة في أبهى صورة ، خاصة في الحملات الانتخابية ، في صورة الرجل النظيف التي لا تعكس في الغالب واقع الشخصية لتعجب الجمهور .

تصوير القوة العسكرية :

لاستعراض القوة العسكرية في الحرب وظيفتان ، أولاهما تخويف العدو ، و ثانيتهما تحفيز الجنود بإفهامهم أنّ لهم قوة عسكرية لا تُقهرُ ، و في العصر الحديث اعتمد رجال الدعاية على تطور التصوير حيث صار في إمكانهم تصوير الفيدوهات فضلا عن الصور الثابتة ، فقاموا بتصوير العروض العسكرية التي تقيمها الدول في الساحات الكبرى و تستعرض فيها عدد جنودها الهائل و دباباتها و مدرعاتها و أسلحتها المتطورة ، و قد وثق لنا المصورون العروض العسكرية التي كانت تُقام في الساحة الحمراء بموسكو حيث يسير الجيش الأحمر ، و في برلين حيث يسير جنود الفيرماخت ، و إلى اليوم مازلنا نشهد هذه العروض التي تقيمها الدول ليُرهِب بعضُها بعضا ، استعراض القوة هذا لم يقتصر على تصوير العروض العسكرية المقامة قبل الحرب ، بل كان التصوير يحدث أثناء الحروب حيث تركز الكاميرات على تحركات الجنود و قتالهم للعدو ، كما كان الطيارون يوثقون غاراتهم الجوية و قد خلد لنا التاريخ صورا لا تُحصى عن ذلك ، و لم يمتلك العرب القدامى كاميرات يصورون بها عدتهم و عتادهم و يستعرضون قوتهم في المعارك ، في المقابل امتلكوا خطابا شعريا مكنهم من وصف كل ذلك بدقة ، فوجدنا في شعر الحماسة استعراضا للقوة العسكرية اتخذت أشكالا متنوعة أهمها وصف العدة و العتاد و تصوير غارات الجند أثناء للمعركة ، فنجد الشعراء يشيدون بعدد الجنود الهائل و قوتهم و صلابتهم ، يقول المتنبي :

دخلتها و شعاع الشمْسِ مُتّقِدٌ

و نورُ وجْهِك بين الخلقِ باهِرُه

في فيلقٍ من حديد لو قذفت به

صرف الزمان لما دارت دوائرُهُ

و يقول :

يهز الجيش حولك جانبيه

كما نفضت جناحيها العقاب

و نجدهم يصفون الآلة الحربية من خيول و مراكب و سفن و سيوف و رماح و دروع و راجمات ، يقول ابن هانئ الأندلسي في وصف أسطول المعز لدين الله الفاطمي :

أما و الجواري المنشآت التي سَرَت

لقد ظاهرتها عُدة و عديد

قبابٌ كما تُزجى القبابُ على المها

و لكنّ ما انضمّت عليه أسودُ

و يقول أبو تمام مشيها الجياد بالصقور لسرعتها :

قُدْتَ الجيادَ كأنّهُنّ أجادِلٌ

بقُرى درولية لها أوكارُ

و تخليد الانتصارات يندرج أيضا ضمن استعراض القوة العسكرية لأنّ فيه تحفيزا للمنتصرين على تحقيق المزيد و تخويفا للأعداء و إنذارا لهم .

و هذا يثبت أنّ الشعراء كانوا واعين بالأثر الذي يحدثه استعراض هذه القوة العسكرية ، فهو يذهب جنود العدو و يحفز الجنود الموالين و يعرفهم قوتهم .

تقزيم العدو و إظهار شره و تهديده :

في إطار حروبه الدعائية ، كان النظام النازي يصور أعدى أعدائه الممثلين في اليهود و الشيوعيين البلشفيين أنهم كائنات شيطانية شريرة لا تنتمي إلى البشر بأية حال من الأحوال ليحرضوا الناس على كراهيتهم و محاربتهم مستقبلا ، و يذكر أنهم كانوا يلقنون هذه الكراهية للأطفال في المدراس حتى ينشؤوا على معاداة أعداء الرايخ ، فكان السوفيات يرسمون في الكتب المدرسية مخلوقات حمراء اللون ذات قرون ، كما هو حال الشياطين ، أما اليهود فكانوا يصورون بأنهم مخربون و أعداء الحضارة البشرية و أنهم عرق متدنٍ و حاول النظام إفهام الشعب أنهم سبب خراب ألمانيا و هزيمتها في الحرب العالمية الأولى و تخلفها الاقتصادي و انتشار الانحلال الأخلاقي في المجتمع الألماني ، و قد رأينا بأعيننا نتيجة هذه الدعاية التي أثمرت سنوات من القتل و التشريد و الاعتقال و النفي . و كان المصورون في الحروب يوجهون كاميراتهم إلى الأعداء عند هزيمتهم ، فيصورونهم و هم ملقون على الأرض جثثا ، أو يصورونهم و هم أسارى يسير بهم الجنود إلى المعتقلات ، أو يصورون انسحابهم و فرارهم لإذلالهم و تقزيمهم في أعين الناس . إن تقزيم الأعداء و تشويههم وسيلة من وسائل التحريض على كراهيتهم و قتالهم ، و لم يُهمل شعراء الحماسة هذه الوسيلة ، ففي مقابل إعلائهم من شأن القادة و الجنود الذين يوالونهم و تصويرهم في أبهى صورة ، حرصوا على أن يرسموا للعدو صورة شنيعة و منفرة و حاملة على الكراهية ، و حتى تعطي هذه الصورة مفعولها من الكراهية و التحريض ، وجب عليهم إظهار العدو مخالفا في أفعاله و معتقداته للنظام القيمي الذي تواضع عليه العرب المسلمون و رضوا به ، في السلم و في الحرب خاصة ، و بما أنّ الشجاعة أهم القيم التي يستحسنها العرب في الحروب ، فقد كان الشعراء يصفون الأعداء بالجبن و الخوف من الإقدام و الفرار من الموت ، يقول أبو تمام توفيل امبراطور الروم :

و لمّا رأى توفيلُ راياتِكَ التي

إذا ما اتلأبَّتْ لا يُقاوِمُها الصُلْبُ

تولّى و لمْ يأْلُ الرّدى في اتّباعِهِ

كأنّ الردى في قصْدِهِ هائِمٌ صبُّ

غدا خائفا يستنْجِدُ الكُتْبَ مُذْعِنًا

عليك فلا رُسْلٌ ثَنتك و لا كُتْبُ

مضى مُدْبِرا شطْرَ الدَّبورِ و نفْسُهُ

على نَفْسِهِ من سوءِ ظنٍّ لها إلْبُ

و يقول في وصف جُبْنِ جُندِ القائد البيزنطي منويل :

فالمشيُ هَمْسٌ و النِداءُ إشارة

خوف انتقامِكَ و الحديثُ سِرارُ

و كان الشعراء يركزون في شعرهم على حال العدو عند انهزامه قصد إذلاله ، فيصفون جنود العدو و هم قتلى متناثرون على الأرض ، يقول ابن هانئ :

أرض تفجر كلّ شيء فوقها

بدم العِدى حتى الصفا و الجنْدَل

و حتى يظهر الشعراء العدو رمزا للشر و يحرضوا عليه المسلمين ، كانوا يستجيشون عواطفهم الدينية بالتركيز على أنّ العدوّ شرّ يهدد ديانتهم و يسعى إلى تدنيس مقدساتهم ، حتى إن بعضا منهم في قصائده يستعيض عن تسمية العدو باُسمه بنعوت تشير إلى كُفره و شركه ، فيدعونه و قومه بالمشركين أو الكفّار ، و يتجاوزن ذلك إلى التذكير بالجرائم التي ارتكبوها في حق أهل الديانة كاُعتراضهم للحجيج في مسالكهم و تقتيلهم و نهبهم ، و قتلهم للشيوخ و الأطفال و اغتصابهم للنساء ، كما كان يفعل الصليبيون في حملتهم على الشرق ، فقد ذكر المؤرخون أنهم حين دخلوا مدينة القدس في بداية حملتهم طفقوا يُقتلون من يعترض طريقهم لا يهمهم جنسه و لا سنه و لا حتى ديانته ، فقد قتلوا فضلا عن المسلمين نصارى و يهودا كانوا يعيشون في القُدسِ ، كما ارتكب أرناط المعروف باسم رينولد دو شاتيون أشنع المجازرِ في حق الحجيج غير مكترث للهدنة التي عقدها صلاح الدين الأيوبي معهم . و إظهار أفعال العدو الشنيعة تقنية دعائية مألوفة في الحروب ، تستغلها الأطراف المتحاربة ليشوه بعضها بعضا ، و هذا ما فعلته الدعاية النازية مثلا حين اقتحم الجيش السوفياتي بروسيا الشرقية و قتل الشيوخ و اغتصب النساء ، حيث قامت بتصوير جرائمهم و عرضها للشعب الألماني لينقموا من العدو و ينهضوا لقتاله ، كما كان الشيوعيون في فيتنام الشمالية يصورون ضحاياهم الذين قصفهم الأمريكان ليظهروا وحشيتهم . و ما نستخلصه مما ذُكِرَ أنّ الشعراء يحرصون على أن يظهر العدو في صورتين ، صورة الدوني الضعيف الهينِ حتى يتشجع الجند على قتاله ، و صورة الشرير الذي يهدد وجودهم و قيمهم حتى ينقموا منه .

قلبُ المفاهيم و تصويرُ الهزيمة نصرا و النصر هزيمة :

بعد خسارة الجيش الألماني أمام الجيش السوفياتي و بموت الكثير من الجنود الألمان و أسر البقية مع قائدهم الماريشال باولوس ، حرص النظام النازي على ألا يدرك الشعب الألماني أن جنودهم هزموا ، و سعوا جهدهم إلى أن يقنعوهم بأنّ الذي حصل ما كان هزيمة بل كان تضحية رغم أنّ الواقع يقر بهزيمتهم ، و هكذا كانوا يتلاعبون بعقولهم و يحولون الهزائم في نظرهم إلى انتصارات ، من أجل المحافظة على معنوياتهم المرتفعة و إيمانهم بالنصر الحتمي ، و في هذا الغرض ، كانت الدعاية النازية تصور كلّ انسحابات الجيش الألماني التي حدثت بسبب تفوق العدو عليهم على أنها انسحابات تكتيكية تدخل ضمن التخطيط العسكري الهادف إلى النصر ، رغم أنّ انسحابهم حدث بسبب الهزيمة ، و بعد أن فشل نابليون بونابارت في حملته على القدس و هزم بعد حصار عكا و عاد إلى فرنسا مغلوبا حرص على إخفاء خبر الهزيمة و نشر في الصحف أن حملته على الشرق قد كللت بالنجاح و أنه عاد منتصرا ، فيوجد بون شاسع بينما تقوله الدعاية و ما يحدث في الواقع ، و هذه هي طبيعة الدعاية فهي كاذبة في أساسها و أعلامها يقرون بذلك ، فقد كان وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز يقول : اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس . و لم تغب هذه التقنية التي تستعمل للمحافظة على المعنويات المرتفعة عن شعر الحماسة العربي ، خصوصا إذا ذكرنا أنّ الشعر في جزء كبير منه يشبه الدعاية في كونه خطابا كاذبا ، بل إنّ الكذب عند أهله علامة على جودته و عذوبته ، و الشاعر ليس مؤرخا يصور لنا الحدث بمنتهى الموضوعية و الحياد ، فهو يكون الحدث لرؤيته الذاتية و يصوغه بما يتماشى مع غرضه و مقصده ، و لهذا ، لم يرد المتنبي أن يعترف بخسارة سيف الدولة لبعض جنوده الذين وقعوا في أسر الروم ، بل جعل وقوعهم في الأسر عائدا بالفائدة على سيف الدولة بحجة أنهم كانوا من الخونة ، يقول في عينيته التي مطلعها :

غيري بأكثر هذا الناس ينخدِعُ

إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا

قل للدمستق إنّ المسلمين لكم

خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا

و كذلك لم يرد المتنبي أن يعترف بأنّ الدمستق انتصر و أسرَ ، حتى إنه في خطاب الدمستق سمّى الأُسارى بالمُسلَمينَ بفتح اللام ، و هو اسم مفعول من أسلم الذي هو فعل من أفعال العطاء ، فكأنّ الأمير هو من أهدى الدُمُستُقَ هؤلاء الأُسارى لخيانتهم بزعمه ، إنه نوع من إحباط معنويات العدو حتى حال نصره ، و تنغيص لذة نصره حتى لا يشعر أنه أصاب غنيمة عظيمة ، و يوقن أنّما حسبه نصرا و تمكينا إن هو إلا خسارة و زيادة في الخذلان و الإهانة ، و محافظة على معنويات الأمير و جنده المنهزمين حتى لا يحسوا هذه الخسارة ، فما هؤلاء الأسارى الخونة حسب المتنبي إلا جيف أُلقيت إلى ضبع لا يأكل إلا الميتة :

لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق

فليسَ يأكُلُ إلا الميتة الضبُعُ

و أكثر القصائد التي نجد فيها قلب الشاعر الهزيمة انتصارا هي المرثيات التي ينظمها الشعراء في الأبطال الذين قتلوا في ساحة المعركة ، و يضمنونها مناقبهم و مآثرهم و بطولاتهم ، و رغم أنّ موت البطل المحارب في ساحة المعركة يعتبر هزيمة في منطق الحرب ، فهو لا يعتبر كذلك في منطق الشاعر ، بل هو لا يعدو أنّ يكون انتصارا لبطل ضحى بحياته في سبيل قومه و أمته ، و إن ذكر الشاعر خسارة فهي خسارة الأمة لهذا البطل المغوار ، و إنك حين تقرأ المرثيات التي ينظمها الشعراء في القادة و الأمراء عقب هزيمتهم و موتهم و يضمنونها مناقبهم و بطولاتهم و مآثرهم تحسب هؤلاء القادة منتصرين لا مهزومين ، فالشاعر مثلما يصور القادة لرعاياهم و جندهم في أبهى حلة في حالي السلم و الحرب كما أسلفنا ، فإنه يسعى جاهدا ليقدمهم كذلك حال انهزامهم و موتهم حفاظا على معنويات الجند و الشعب ، لأنّ الاعتراف الصريح بهزيمتهم من شأنه يحبط المعنويات و يقضي على الأمل في التدارك و العودة و الانتقام ، و لهذا نجد أبا تمام يسمي مقتل القائد العسكري محمد الطوسي نصرا يعوض النصر الذي فاته :

فتى مات بين الطعن و الضربِ ميتة

تقوم مقام النصْرِ إذ فاتَهُ النصْرُ

و يخبرنا الشاعر أنّ بطلهُ هو من اختار الموت و التضحية و الشهادة صونا للشرف و خوفا من العار و هو القادر على النجاة و الفرار ، يقولُ :

و قد كانَ فوْتُ الموْتِ سهلا فردّهُ

إليه الحفاظ المُرّ و الخُلقُ الوعْرُ

و نفْس تعافُ العار حتى كأنّهُ

هو الكُفْرُ يوْمَ الروْعِ أو دونه الكُفْرُ

فأثْبتُ في مُستنقعِ الموت رجلَهُ

و قال لها من تحتِ أخمُصكِ الحشرُ

خاتمة :

نستخلص مما سبق أنّ شعراء الحماسة الذين جندوا طاقتهم الشعرية لرفع معنويات المحاربين و إحباط معنويات العدو لم تختلف طرق تأثيرهم و بلوغهم لهذه الغاية عن طرق رجال الدعاية الحربية ، فمثلما كان رجال الدعاية يحرفون الحقيقة و يسلطون الضوء في أحداث الحرب و ما يتعلق بها على ما يخدم غرضهم لا على الحقيقة كما هي ، حرف شعراء الحماسة الحقيقة و انتقوا من أحداث الحرب التاريخية و وقائعها ما يخدم مقصدهم ، و هو ما يثبت أنّ الشعر الذي عد وسيلة التأثير الطرازية عند العرب القدامى اتخذ سلاحا للحروب النفسية و آلة للدعاية الحربية . و لكنّ تراجع دور هذه الوسيلة حينما وصلت العرب وسائل تأثير أخرى كالصورة بنوعيها الجامد و المتحرك ، تراجعا لم يكن خاصا بالشعر الحماسي فحسب ، بل بالشعر عامة ، فقد برزت على هذا الجنس الأدبي فنون أخرى صرفت الناس عنه إلا قلة قليلة ما زالت تعرف قدره و تقدر جماله و تأثيره .

استغلال تأثير أحمد شوقي و حافظ إبراهيم في دعاية عبد الناصر . 

هل كان أحمد شوقي و حافظ إبراهيم اشتراكيين و هما لا يعلمان؟

سيعترضك و أنت تمضي أشواطا في قراءة قصيدة أحمد شوقي الهمزية النبوية التي كان مطلعها :

ولد الهدى فالكائنات ضياء

و فم الزمان تبسم و ثناء

بيت يقول فيه شوقي عن النبي صلى الله عليه وسلم :

الاشتراكيون أنت إمامهم 

لولا دعاوى القوم و الغلواء

و يعني شوقي أن النبي كان سيكون قائد الاشتراكيين لحرصه على العدالة الاجتماعية و المساواة بين الناس لولا موقف الاشتراكية من الدين و انحيازها إلى الإلحاد 

كما سيعترضك إذا قرأت قصيدة شهيرة نظمها شاعر النيل حافظ إبراهيم في عمر بن الخطاب ” القصيدة العمرية ” بيتان يصرح فيهما الشاعر بأن عمر و الصحابة عرفوا الاشتراكية قبل ظهورها لأنهم كانوا حريصين على العدالة الاجتماعية :

ما الاشتراكية المنشود جانبها

من الورى غير مبنى من مبانيها

فإن نكن نحن أهليها و منبتها

فإنهم عرفوها قبل أهليها 

و تمجيد الاشتراكية في شعر شاعرين إحيائيين من طبقة شوقي و حافظ أمر محير ، بل إننا نميل إلى الشك في أن الأبيات المذكورة من نظم الشاعرين و نرجح إمكانية أن تكون ملحقة من غيرهما ، و لنا من الحجج ما يدعم ما ذهبنا إليه ، فالشاعران عاشا و توفيا في ظل حكم العائلة الخديوية التي أرست نظاما ملكيا و لما تصر مصر اشتراكية أو تظهر حركة الضباط الأحرار ، و هذا النظام كان من أعدى أعداء قيام الجمهورية الاشتراكية التي ستنهي الملكية في مصر إبان ثورة الضباط الأحرار ، و شوقي كان مواليا للعائلة الخديوية و مادحا لها في شعره ، فلا يعقل أن يمجد الاشتراكية و هو كذلك ، و يوجد من الوقائع التاريخية ما يزيدنا شكا ، و نعني ما وقع للمطربة أم كلثوم حين عزمت أن تغني قصيدة الهمزية بمقر النادي الأهلي سنة 1949 ، إذ أرسل إليها الخديوي ليأمرها بحذف بيت “الاشتراكيون أنت إمامهم ” ، و السؤال الذي أثارته الواقعة في أذهاننا هو : لم لم يؤمر شوقي نفسه بحذف البيت من القصيدة و قد توفي قبل هذا التاريخ (1949) الذي يتزامن مع إنشاء حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر ؟ ألا يمكن أن يكون لهذه الحركة يد في إقحام البيت الذي أخاف الخديوي من أن تنتشر دعوة الاشتراكية على لسان مطربة الجماهير فيتأثروا بها و يقبلوها خاصة أن البيت يجعلها من الإسلام و ينسبها إلى النبي ؟ إن هذا غير مستبعد ، فلطالما رأى عبد الناصر أن الاشتراكية لا تتعارض مع مبادئ الإسلام و حاول أن يقنع الجماهير بذلك في خطاباته ردا على الملكيين الذين استعانوا بالدين ليحرموها، فيكون شوقي بريئا من هذا الببت و يكون الاشتراكيون مستغلين لشعبيته ، و هذا ما قد ينطبق على حافظ إبراهيم، صحيح أننا لا نستبعد أن الشاعرين يعرفان الاشتراكية ، فكلاهما مطلع على الثقافة الغربية و الفرنسية خاصة ، و لكننا نستبعد أن يكونا من الدعاة إليها .

الشعر و الإيديولوجيا :

يحضرني جليا مشهد من شريط دعائي من القرن السابق بالأبيض و الأسود ، يلقي فيه النازيون بأمر من وزير الإعلام جوزيف غوبلز كتبا ألفها يهود إلى النار لمجرد أن مؤلفيها يهود دون تمحيص لجيدها من رديئها ، و ما كان يدري هؤلاء النازيين لعلهم إن فحصوها وجدوا فيها ما يستطرف فلا يكون جديرا بالنار ، و أعود بعد أن يحضرني هذا المشهد إلى زمني لأرى المشهد يتكرر و إن كان أقل عنفا من الأول ، أيديولوجيات تتناحر و يميني يرجو الفناء و النسيان ليساري و يساري يرجو أن يصير يميني رمادا ، و الشعر بين هذا و ذاك يتنازع و يتجاذب كل منهما يدعي أنه أهله و خاصته . و في خضم تناحر هذه الإيديولوجيات أصبح جمال الأسلوب مسألة ثانوية بل قل إنها غير ذات جدوى مقارنة بالفكر الذي يتلون به الشعر ، فصرنا نرى نقاد اليسار لا ينصرفون إلا لشعراء اليسار و أدبائه درسا و اهتماما و نقاد اليمين لا يلتفتون إلا لشعراء اليمين ، و الذي يرفع لواء المذهب عند هؤلاء و إن كان ركيك الأسلوب هو مبجل على من لا يحمل هذا اللواء و إن كان يسحر الألباب ، و الشعر الجيد عندهم هو الذي فيه دعوة لما يرتضونه. و صار لا يجمع الشاعر و الناقد إلا الاتفاق في الإيديولوجيا بعد أن كان الجمال و الإبداع عقد الوساطة بينهما . و إنه لمن المحزن أن يوجد شاعر مبدع و ناقد عبقري ثم لا تكون بينهما مصافحة لأن فكر هذا ليس كفكر ذاك ، و أن يعرض ناقد عن شاعر يراه يعلق النجوم في السماء و يزينها لأنه يأبى أن يعلق نجمة الحزب على صدره ، و أن تكون النجمة المعلقة على صدر شاعر يبرع في المحاماة عن الكادحين و عن العدالة الاجتماعية و عن البؤساء سببا في سخط ناقد لا يرى ما يراه ، ناقد أفنى عمره في كليات الآداب و أنهك عينه و هو يجول بها بين مذاهب النقد الأدبي و مدارسه و أدواته ثم ألقى كل ذلك و صار يجيز هذا الشاعر و لا يجيز ذلك لأن الأول على مذهبه و الثاني على ما يبغض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية