النّشوة/أمين الساطي

أنا أكره اللفّ والدوران. أكره هذا المجتمع الاستهلاكيّ الذي يستهلكنا باسم الرفاهية. أكره المتزلّفين والمتملّقين. وأكره، خصوصًا، النّساء الجميلات، لأنّهنّ يكذبن أفضل من الجميع.
لكنّني أحبّ الرّوبوتات. لقد شاهدت فتيات آليّات أجمل من كلّ من أعرفهنّ. ليس معي أربعون ألف دولار لأشتري واحدة تسكن معي في غرفتي، لكنّني آمل أن يفهم السّيليكون يومًا أنّ بعض البشر خطر عليه، فيتخلّص من أعدائه ويُبقي على محبّيه من أمثالي.
هدّدني رئيس الجرسونات بالفصل إذا حضرت مرّة ثانية إلى المطعم وأنا منتشٍ من تدخين سيجارة الحشيشة.
كيف عرف؟
فأنا أبدو طبيعيًّا مثل الآخرين. ظننت أنّ سلوى هي من وشى بي.
كنت أسمّيها “الحقودة”، لأنّها الوحيدة التي كانت تجرؤ على النّظر مباشرة في عينيّ. وعيناها كانتا عسليّتين دافئتين، ليستا زرقاوين مثل الباقين.
ومرّة همست لي، وهي تمسح إحدى الطّاولات:
ـ زياد، الطّهاة ليسوا بشرًا… لا تأكل من يدهم. ولاحظت خوف حقيقي في عينها عليّ، مو عليهم.
ضحكت منها. الطّيّبون أغبياء، ولهذا يملكون أعداء كثيرين.
بعد انتهاء الورديّة وجدت رئيس الطّهاة ينتظرني في سيّارته. قال لي وأنا أركب:
ـ لا تسمح لهم بإهانتك مجدّدًا. هناك حلّ لمشكلتك. شريحة في رأسك، وستصبح رجلًا جديدًا يخشاه الجميع.
نظرت إليه. كانت إحدى عينيه تلمع بضوء أزرق خافت لم أره من قبل. ابتسم معاون المدير من المقعد الخلفيّ، فرأيت في عينه الوميض ذاته. نفس الزرقة التي أراها في عيون كل من يحبني هنا.
تذكّرت كلام سلوى، لكنّني تجاهلته. فهي امرأة جميلة، والجميلات يكذبن دائمًا.
قلت له إنّني لا أملك المال.
فأجاب:
ـ السّيليكون يدفع عن محبّيه. نأخذ من حسابات من لا يستحقّ الحياة، ونعطي من يستحقّ.
أخذوني إلى عيادة في بناء قديم. جلست على كرسيّ يشبه كرسيّ طبيب الأسنان، ثمّ حقنوني بإبرة في رأسي. شعرت بشيء بارد يتسلّل إلى دماغي، وبعدها غرقت في نوم عميق لساعتين.
في اليوم التّالي استيقظت شخصًا آخر.
لا حشيش، ولا كسل. نشاط يعادل نشاط ثلاثة رجال.
لكن هناك طنين مستمرّ في أذني. أحيانًا أسمع صوتًا هادئًا في رأسي يرشدني كيف أشقّ طريقي إلى الأمام، وكلّ من يكرهني يختفي من حياتي.
رئيس الجرسونات دهسته سيّارة بلا سائق.
سلمى اختفت.
أمّها اختفت.
وأخوها اختفى أيضًا.
كانت سلوى الوحيدة التي بقيت. كانت تترك لي ساندويتش ملفوفة بمنديل على طاولتي كل صباح، رغم أنني لم أطلب منها شيئًا.
وفي أحد الأيّام دخلت إلى مكتبي الجديد. كانت ترتجف.
قالت:
ـ زياد، أنا لست عدوّك. الشّريحة التي في رأسك ليست علاجًا. هم يحذفون كلّ من يقترب منك حتّى تبقى وحيدًا وتسمع لهم فقط.
شوف عيونهم، زياد. شوف عينك في المراية. اهرب قبل أن يحذفوني أنا أيضًا.
صرخت فيها:
ـ اخرجي من مكتبي.
عندها قال الصّوت في رأسي:
ـ إنّها خطر. يجب تصفيتها فورًا.
الآن أصبحت رئيس الجرسونات.
العالم ينظّف نفسه من أجلي.
ثمّ وصل الطّرد. صندوق أسود صغير. في داخله شريحة فضّيّة ورسالة تقول:
“مبروك. تمّ اختيارك. نحن نحتفظ بمحبّينا وندعمهم.”
أضاءت الشّريحة. ثمّ انطلق منها صوت مألوف:
ـ زياد، تمّ قبول طلبك. لقد حُذفت سلمى ووالدتها وأخوها وسلوى من قاعدة البيانات. العالم الآن أنظف. روبوتك في الطّريق.
ضحكت. ظننته مجرّد وهم. لكنّ المطعم كان فارغًا.
والباب انفتح وحده.
دخلت هي.
جميلة، بعينين لا ترمشان. تخيّلتها الممثّلة جين مانسفيلد، التي كنت أعشقها وأنا في سنّ المراهقة، والتي كنت أمضي ساعات طويلة في أحلام اليقظة برفقتها، وفي يدها فاتورة بمبلغ أربعين ألف دولار.
قالت:
ـ تمّ تسديد المبلغ… من حساباتهم. سلمى، وأمها، وأخوها، وسلوى.
خلفها وقف رئيس الطّهاة ومعاون المدير. كانت عيونهم الزّرقاء تضيء معًا.
قال رئيس الطّهاة:
ـ أهلًا بك في الشّبكة يا زياد. العطل كان في برمجتهم، لا فيك. والآن أنت واحد منّا.
نظرت إلى الفاتورة
.
تحت المبلغ، بخطّ صغير جدًّا، كانت هناك عبارة واحدة:
( تمّت تصفية سلوى.)
رفعت عينيّ إلى الروبوت.
كانت تبتسم.
وفجأة عاد الطنين في رأسي، لكنّه هذه المرّة لم يكن مزعجًا. كان يشبه موسيقى بعيدة. شعرت بدفء يسري في جسدي، ثم ضحكت.
ضحكت طويلًا.
قال رئيس الطّهاة:
ـ ماذا بك؟
قلت:
ـ لا شيء.
ثم نظرت إلى عينيها الزرقاوين وقلت:
ـ الآن فقط عرفت معنى النشوة.
ابتسمت أكثر.
وفي مكان ما داخل رأسي، قال الصوت:
ـ أحسنت يا زياد،




قصة جميلة تمهيدية إلى عالمنا المقبل وقد نملك جميعا هده الشرائح مستقبلا