دِروبُ الشِـعرِ / جواني عبدال

صديقان كانا يتمشيان عند العصر في بداية فصل الربيع بعد أفول شهور البرد الشتائي الطويل حيث الطبيعة والهدوء, البرد خفيف ونسمة طرية تطير وتلفح الوجوه بنسائمها, يسيران وهما يتجاذبان أطراف الحديث عن الأدب وبخاصة عن الشعر وإبداعه وتجلياته, وعن مدى قوته وتأثيره في النفوس, وتلذذه في الخيال والشعور, وهما يقرأن بنشوة ما استظهرته الذاكرة من أبيات واشطر بالتناوب عن الحسن والجمال, وكل يفصح عن إعجابه بكذا وكذا, اللوحة العامة للمنظر والأصيل والدفء المنحدر عن افقه جميل ورائع، كل يدقق النظر في اللوحة من ناحيته، وينظران إليها من جميع الجهات بتهيب وفضول, وقد استحال المكان إلى ما يشبه الجنة الوارفة.
ابتعدا قليلاً وهما يسيران الهوينى, ونظرا بتفاجئ, كان الدرب غاصا بالزوار من فتيان وفتيات بلباس زاه يأتون ويذهبون بانشراح, تبادلا النظرات التي زاغت للحظات.. ثم تلفتا حولهما بخجل، وبدأا يسترقان النظرات الخجولة ويتلمظان, نخز الأول صديقه وسأل بهمس:
- ما رأيك بالشعر الطبيعي طازجا على الفطرة ..؟
- والله رائع.. ثم محاولا استدراك الحيرة والاضطراب في نفسه مواربا الحياء.
- انظر إلى تلك, أو إلى تلك, الله انهم رائعات, هل تعي شيئاً ؟
-كلا، لا أعي ولم يعجبني شيء أيضاً, آ.. حتى لا أبدو مراهقا متصابيا.
قال الآخر بعد أن جال ببصره في وجوه الرواد المتمشورين: - إن الصورة الشعرية تأتي من هنا, والله لأكتبن ذلك, انظر إلى تلك ذات الشعر المهفهف المنسدل على الأكتاف, انظر إلى ذات الوجه المتورد من لفحة النسمة الغربية الباردة , انظر الصدر الجموح, انظر إلى الخصر الرقيق, والقامة الهيفاء يا ما شأ الله..
- إيه يا رجل, ما هذا التحملق وما هذه البصبصة, انها لا تليق بنا ..
- إيه.. أتخجل من أحاسيسك؟. الجمال لا يخبئ عدا الفسق منه.. لنتبعهم.
- إنها مراهقة مذلة ونحن في حوالي الأربعين حولا يا رجل.
مسح الثاني رفيقه بنظرة سريعة ثم حدق في وجه مستغرباً وهو يشده نحوه: - دعك من هذا الكلام الهراء.. انظر إلى تلك، وأشار إلى فتيات بكر وكاعبات هيفاء يتضوعن عذوبة وسحراً.. وجره من كمه متابعا كلامه:
- هيا.. هيا نتبعهم, ألا انظر يا صديقي وتدعي التلذذ بالشعر, ألا هيا استنشق الشِعَر واستعذبه وأطبعه في شغاف قلبك الولهان سكا..
- نعم هذا صحيح, ولكني لست مضطرا إلى استجدائه من الطرقات, وبمراهقية تعيب.. نعم إني اكتب على شغاف قلبي وفي صفحاته عمليا.. من زوجتي, ومن التلفاز ومن الصور الجميلة الكثيرة جدا, ولست مستعدا شحذه بالضرورة من الفتيات المراهقات اللواتي بعمر أولادنا.. !!
شهق الثاني بعصبية عصية على الوصف وراح يتجاهل صاحبه وبدا يتأمل الوجوه والقامات والصدور والأرداف.. يتملى ذات الشعر المهفهف مبهوراً وابتعد عنه خطوات يسبقه لما أحس بالضيق منه.. فقررا سويا ترك المكان.
رويدا رويدا برد الجو, وبرد اللقاء ومشواره في هذه اللوحة / في هذه اللحظة المتوجة كملكة آذارية .
بمقت ومرارة ألجمت الأفواه غادرا كلٌ إلى مأواه..
قال الآخر: - لا تنسَ الكتابة الشِعرية, وسنوازن ما نكتبه للمقاربة والمقارنة.. أليس كذلك؟ .
- حسنا ..!
–––
.. في مستعر الليل، وبينما الثاني يعيش لحظات مجترة من مشاهداته: كتب بضعة اسطر لتلك ذات الشعر المهفهف:
هذا الأصيل / الشعر المنسدل / كان يطير مع نسمة الريح المجنونة / وتبعثره وتقلبه رأسا على عقب, يا هذه .. أتدرين إن قلبي أيضا / تبعثر خلفك / وانقلب رأسا على عقب.
طالعته بسهولة هذه الكلمات من خلجاته, فكما رأى وصف ما رأى.. فأحس بالزهو وبالعظمة من بلاغته وسبك كلاماته.. وهلل لنفسه وغفا ونام.
––-*-
.. في هداة الليل.. كتب الآخر ما يعتمل في شغاف قلبه بعدما مازح زوجته ولاطفها واظهر وجده واشتياقه, وناما يدا بيد وحضنا بحضن:
قلبي صغير عن حبك الكبير / ماذا افعل يا حبيبتي / غير أن أحب / السباحة في الضحلة ليست سباحة/ وحبك علمني السباحة في العميق بأمواجه العاتية / فالحب الكبير توازى مع القلب الصغير..
احس بضألة الكون والوجود.. هذه, فقال بأريحية معهودة، واستلقى متأملا النجوم ثم وضع يده تحت رأسه وغفى بأحلام وردية.
.13/10/2007



