الغوث :من وحي الإبريز/هيبتن الحيرش

هو وأنا
أنا-وأعوذ بالله من قولة أنا-العبد الضعيف جدا ابن المبارك السجلماسي اللمطي. تستطيع أن تدعوني ابن المبارك وتترك الباقي، فما هي إلا أسماء سميتموها…
هو-يا هو! -عبد العزيز بن مسعود الدباغ؛ وتذَكر أن اسمه الكامل ينطوي على العز واليمن، فهو ميمون أينما حل، محبوب أينما ارتحل وقليلا ما يرتحل اللهم إلا إذا دعاه داعي الديوان الذي يعقَد بعيدا عن فاس، في غار حراء أو في أسَا بين السوس الأقصى والسودان الغربي، ولا يستطيع له ردا، وهي رحلة على كل حال لا كسائر الرحلات لا نصَبَ فيها ولا وصَب، إذ هي عبارۃ عن سفَر روحاني محض، أو على الأقل سفَر تغلب روحانيتُه جسمانيتَه. ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي وفاطمة، وبالاختصار المفيد، هو حسَني.
بربك، يا أخي أنتَ المرجو إنصافُه، هل تعرف شجرة أعرقَ وأثمرَ وأطيبَ من هذه الشجرة المباركة الزكية ؟ لا أسألك لتجيب، أقدم لك فقط مفتاحا، والمعارف كنوز مفاتيحها الأسئلة كما لا يخفى على أضرابك.
هو وأنا.
أنا القِشر وهو اللب، أنا المنظَر وهو المخبَر، أنا القطرة وهو البحر، هو اللوح وأنا السطر. هو الألْف بل المليون وأنا الصفر المكَور، هو الشجرۃ الوارفۃ وأنا الظل، هو الجد وأنا الهزل، هو الكلمة الفصل، وما أنا إلا همزة وصل.
اتصلتُ به- وما أسعدَ أمي !- في شهر رجب من سنة 1125 ه. كنتُ أسمع منه من الحقائق الربانية الباهرة والأسرار الروحانية الزاهرة ما يسلب الألباب ويهزم الأحزاب، مع كونه أميا –ونحن على كل حال أمة أمية-، وقد عزمتُ ابتداء من رجب الفرد سنة 1129 على أنْ أدون بعضَ درره، أعني ما استطعت أن أختزن منها في ذاكرتي الضيقة، لتستفيد منها الأجيال القادمة، فبعض الكلام-والكلام من الكَلم -يحتاج إلى وقت طويل ليندمل، وإلى تظافر ظروف ومقامات ليستوعَب ويقبَل ويرَوج.
أبوه مسعود، درس العلم على العربي الفشتالي تلميذ محمد بن ناصر الدرعي. كانت للعربي أخت اسمها راضية، لها بنت اسمها فارحة، لما مات زوج الأخت الأول، تزوجها رجل من مكناسۃ الزيتون، فبقيت البنت عند الخال، والخال أب، إلى أنْ كبرت، فزوجها لتلميذه مسعود. دائما ما كان العربي يقول لمسعود وفارحة: يولد لكما ولد اسمه عبد العزيز، يكون له شأن عظيم. ولما كان ما قال، أدرك الجميع أنه علِمه من طريق الكشف.
مات العربي سنة 1090، في الوباء الذي ضرب البلد، ولم تكتحل عيناه برؤية المولود الذي بشر به وأحبه دون أنْ يشهده في عالم الملك، وأحسَب أنه رآه بصورة من الصور في أحد عوالم الإمكان. لما أدركه الموت أرسل في طلب مسعود وفارحة، ولما حضرا أعطاهما طاقية ونعلين وقال لهما:
- هذه أمانة لعبد العزيز، عندما يكبر.
أخذت فارحة الأمانة وصانتها في مكان لا يصل إليه الجن الأزرق. لما ولد عبد العزيز وبلغ الحلم، تذكرتها فأخرجتها وقالت له: - بني، حبيبي، هذه أمانة خالي العربي لك.
وضع عبد العزيز الطاقيةَ على رأسه، كأنه كان ينتظرها وكأنها صممت على مقاسه، ولبس النعلين، فارتفعت حرارة جسمه بشكل غريب، كأنه يعاني من خلل في وظيفۃِ الغدۃ الدرقيۃ، وعرق عرقا شديدا كالخارج من ديماس. ولما أزال الطاقية من رأسه والنعلين من رجليه عاد جسمه إلى حاله، والتوازن إلى نفسه، فقال لأبويه وهو يخص والدته دون والده: - الأمانة فيها رسالة باطنية، تلقيتها واستوعبت ما فيها.
- وما مضمونها، يا ولدي، قالت الأم ببساطۃ تقترب من السذاجۃ.
- ذلك سر لا أبوح به، يا أماه.
- حتى لأمك، حبيبتك التي حملتك وهنا على وهن، ربتك، سهرت هي لتنام أنت، جاعت هي لتأكل أنت، عطشت هي لتشرب أنت، تجردَت هي لتلبس أنت…؟
أطرق عبد العزيز ساعة، يحاول أن يكبح جماح دموعه التي تصِر على تحويل البكاء من الكلمة إلى الشيء. جثا على ركبتيه وأخذ يقبل قدمي أمه، ينتقل من اليمنى إلى اليسرى ويعود إلى اليمنى والدمع شلالُ ماء منهمر. بكت هي الأخرى ومدت يدها إلى رأسه تمررها بلطف على شعره السبط، الأسود، ثم ما لبثت أن قالت بصوت خفيض وابتسامة تشرق على وجهها الأبيض الوضاء: - كبرتَ يا عبد العزيز، وصرتَ من أهل الأسرار!
افتر هو الآخر عن ابتسامة خفيفة وما أجمله من ولد عندما يبتسم!، وردد بصوت مبحوح، وهو يضرب بيده اليمنى ضربا غير مبرح على الجانب الأيسر من صدره، بيتين لزين العابدين النفس الزكيۃ كان قد سمعهما في ظرف خاص، بقيا في حافظته وهاهو يلهج بهما في الوقت المناسب والمناسبۃ شرط:
يا رُب جوهرِ علم لو أبوح به… لقيل لي أنتَ ممن يعبد الوثنا
ولاستباحَ رجال مؤمنون دمي … يرون قبحَ ما يأتونه حسَنا.
الفتح
من اللحظة التي تلقى فيها عبد العزيز رسالةَ خاله، وسرَا محتواها في ذاته حتى استقر في صِفاق قلبه، تحرك في خاطره شوق لا يقاوم إلى الحقائق العلوية، وعلِم بفطرته أن تحصيلها لا يكون إلا بالتحقق بالعبودية الخالصة التي هي العبودة باصطلاح القوم، لهذا ما إنْ كان يسمع بشيخ يشير إليه الناس بالصلاح إلا قصده واتخذه مربيا، إذْ كان قد سمع من غير واحد أن من لا شيخ له فالشيطان شيخه. المشكل هو أنه ما إنْ يأخذ الإذن في الورد من شيخ ويداوم عليه، حتى يضيق صدره به، فيتركه ويذهب إلى غيره، فيحصل له الشيء عينه، فيقصد سواه، فسواه. بقي على ذلك الحال أكثر من عشر سنوات، يبيت كل ليلة جمعة في ضريح ابن حرزهم، يختم البردة، ولما كانت إحدى الليالي، ختمها كعادته وخرج من الضريح، فألفى رجلا آدم اللون، مليحَ الوجه كأنه البدر الأزهر، جالسا في وقار، كأن السكينة تجسدت فيه، تحت سدرة وسط الروضة، فأخذ الرجل الغريب يكاشفه في أمور باطنِه-وأقصد باطنَ عبد العزيز.
خطر له أنه من المكاشَفين، فعن له أنْ يأخذ منه الورد إنْ كان له ورد مأذون. قال عبد العزيز للغريب:
- اعطني الورد يا سيدي…
سكت عنه الرجل، ففهم أنه يريد التأكد من صحة عزمه، ثبت وبقي معه كذلك إلى طلوع الفجر وعندئذ قال له: - لا أعطيك الورد إلا إذا أخذتُ منك موثقا غليظا بالمداومة عليه في كل الأحوال.
رد عبد العزيز دون تردد: - لك العهد بذلك.
وإذا بالورد لا يشبه الأوراد التي أخذ من سابقيه.
قال الرجل: - قل كل يوم سبعة آلاف من: اللهم اجمع بيني وبين محمد بن عبد الله في الدنيا والآخرة.
قبل افتراق الرجلين، وافاهما عمر الهواري، قَيمُ الروضة، فأوصاه ذلك الرجل خيرا بعبد العزيز. مرت الأيام والأعوام، ولما أدرك الموتُ قَيمَ الروضة، سأل عبدَ العزيز: - أتدري من الرجل الذي لقنك الورد عند السدرة؟
أجاب عبد العزيز: - لا.
رد القيم: - ذلك الخضر.
داوم عبد العزيز على ورده الذي لا يشبه الأوراد المعتادة، ثقل عليه في اليوم الأول فما أتمه إلا عندما جن أخضر الجناحين، لكنه خف مع توالي الأيام وصار يتمه عند الزوال، ثم عند الضحى، وفي آخر المطاف، مع طلوع الشمس.
بقي على ذلك الحال إلى سنة 1125، في صحبة عمر الهواري، ولما حانت وفاة هذا قال له: - أتدري من كان شيخي في الطريق، يا عبد العزيز؟
أجابه: - لا.
- هو خالك العربي الفشتالي.
كان ذلك آخر عهده به. مات عمر الهواري، فاحتوى عبد العزيز على كل ما عنده من أسرار وزاد عليه، وذلك مما ورثه من العربي الفشتالي الذي كان من أهل الديوان. وقع الفتح لعبد العزيز بعد وفاة عمر الهواري بثلاثة أيام، وبذلك عرف حقيقة نفسه (اعرِف نفسَك بنفسك!)، وكان ذلك في الثامن من رجب الخير سنة 1125. في ذلك اليوم، خرج لشراء سمك، ولما عاد إلى الدار قالت له زوجته: - اذهب إلى ضريح ابن حرزهم واحضر لنا زيتا لقلي السمك، فما عندنا زيت.
لما وصل إلى باب الفتوح، اعترته رعشة قوية مفاجئة وتخدرت قدماه، عالج السير إلى أن بلغ قبر يحيى بن علال، غير بعيد من ضريح ابن حرزهم، اشتد عليه الحال، أخذت فرائصه ترتعد، فظن أنه الموت، ثم ما نشَب أنْ خرج من ذاته ما يشبه البخار، فخيل إليه أن ذاته تتطاول حتى صارت أطول من كل طويل، وانكشفت له أعيان الأشياء فهي بين عينيه، وإذا هو يرى القرى والمدن والأرياف والبحار والسموات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، حتى أنه رأى الولدَ في حِجر أمه تلقِمه ثديها والحيةَ تخرج من جلدها وأنواعَ الأسماك والنبات، والنحلَ والطيرَ وخشاشَ الأرض…
رأى كأنه فوق السماء وإذا نور ساطع يأتي من كل الجهات، يصيبه بردُه، فاستلقى على وجهه لكيلا يخطف بصره، إلا أن ذاته أصبحت كلها عيونا، فالعين تبصر، والرأس يبصر والرجل وجميع الأعضاء، فأدرك أن الاستلقاء لا يفيد فتيلا، وأن إغماض العين لا يجدي، مكث على ذلك الحال ساعة فعاد إلى ما كان عليه. - يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف…
توجس خيفة وقرر الرجوع إلى داره، إلا أن الحال عاوده ساعة وذهب، وأخذ يأتيه بين الفينة الأخرى إلى أن ألِفه، فصار لا يفارقه في الليل ولا في النهار. في اليوم الموالي، ذهب لزيارة ضريح إدريس الأكبر فلقي به الحاج أحمد الجرندي، مقدم المقام الإدريسي، وحكى له ما حصل له. قال له هذا: - انطلق معي إلى داري.
رافقه وكانت داره بقرب السقاية التي بجوار الغسالين في حي الصفارين. لما وصلا إلى الدار، جلسا، فقال الجرندي: - أعِد علي ما وقع لك.
أعاد عليه القصة من أولها إلى آخرها، فأخذ الجرندي يبكي مثل طفل صغير. لما هدأ، قال: - سبحان الله والله أكبر. منذ أربعمائة سنة، انقطع ذكرُ مثلِ هذا! الحمد لله الذي أحياني إلى أن قابلتُ أحدا من أهله. الآن، أموت راضيا. يا مرحبا بالموت بعد ما سمعت.
أعطاه شيئا من المال لعله خمسة مثاقيل، وقال له: - اقضِ بها حوائجك، وإذا انقضَت، ارجع إلي ولا تذهب إلى غيري في حاجة.
أوصاه بأن يذهب في أول فرصة إلى شخص اسمه التاودي، وأكد له أنه يصيب عنده خيرا كثيرا. لم يره بعد ذلك، لأنه مرض مرضه الذي مات فيه، لكنه عمل بوصيته إكراما لذكراه وإشباعا لفضوله المعرفي الفطري.
ذهب عبد العزيز إلى التاودي، ولما بلغ باب الجيسة، إذا برجل أسود ينظر إليه، فقال في نفسه: - ما يريد هذا؟
لما بلغه، أمسك الرجلُ بيده وقال له: - ارجع معي إلى الجامع، أريد التحدث إليك.
أجابه: - حبا وكرامة.
رجعا إلى جامع الجيسة، جلسا، فأخذ الرجل الأسود يلاطفه ويكلمه في أمور خاصة، يقول له: - رأيتُ كذا، وقع لي كذا وكذا…
ارتاح عبد العزيز لحديثه العفوي الصادق، وعلم أنه من القوم يريد مواساته. قال الرجل: - اسمي البرناوي، جئت من برنو إلى فاس خصيصا لرؤيتك.
فرح عبد العزيز أشد ما يكون الفرح بلقاء البرناوي، وصحِبه بقيةَ رجب وشعبان ورمضان وشوال وذي القعدة، إلى العاشر من ذي الحجة، يأخذ عنه، وكان البرناوي يرشده ويوجهه ويؤازره ويمحو الخوفَ من قلبه فيما كان يشاهِد وما أجل ما كان يشاهد!
بعد عيد الأضحى بيومين، رأى عبد العزيز النبي في رؤيا صادقة، جاءت كفلق الصبح، فقال له البرناوي بعد أن حكاها له: - قبل اليوم، كنتُ أخاف عليك من تلبيس إبليس، أمَا وقد رأيتَ النبي، فقد اقتحمتَ العقبة، واطمأن قلبي عليك. تمت مهمتي، أستودعك الذي لا تضيع ودائعه.
تركه وعاد من حيث أتى، فمجيئه كان لحاجة قضاها، وهي مرافقته إلى أنْ يجتمع بمن أوتي جوامع الكلم، فقبل اجتماعه به كان يُخشى عليه من دخول الظلمة عليه من نوافذ النفس المشرعة على المجهول، إذ الفتح، كما هو معروف، على صورتين، صورة نورانية وصورة ظلمانية، وبين الصورتين تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها. جرت أمور للدباغ مع البرناوي، الذي كانت له القدرة على التصور في أي صورة شاء. ومنها أنه، ذات يوم، تصور في هيئة امرأة بالغة الحسن، أخذت تراوده عن نفسه. وتفاصيل القصة كما يلي:
كان عبد العزيز في جزائر ابن عامر، يسير وحده في صمت، يستنشق الهواء العليل، ينظر في الآفاق كعادته، كأنه يتحين ظهور علامة، فالظواهر عنده آيات وإلا لكان الوجود ضربا من العبث، ظاهرا بلا باطن، جسدا له خوار بلا روح، صوتا بلا كلام، مبنى بلا معنى، فصادف امرأة، في لحاف أسود، بيضاء وضيئة من أجمل ما تكون النساء. اقتربت منه وهمست في تدلل: - أريد أن أخلو بك وأتحدث إليك.
- من أين خرجت هذه؟ قال في نفسه.
نفر منها وابتعد عنها لا يلوي على شيء. ذاب في المارة ظانا أنه تخلص منها، فبينما هو في الرصيف إذا بها معه تفعل الفعل ذاته، هرول كالفار (بتشديد الراء) من قسوَرة إلى أن بلغ الشراطين (كذلك بتشديد بالراء) وقال يحدث ذاته: - الآن ما بقي لها مطمع.
تثاقل في سيره كالمطمئن على حاله، فإذا بها من جديد تسير معه، تراوده بشتى الأساليب، ففر حتى بلغ الشماعين (بتشديد الميم)، وإذا هي كذلك، فحث الخطى حتى بلغ شرقي جامع القرويين، فقال على سبيل التسلية: - نجوت منها بأعجوبة !
وإذا بها ملتصقة به مثل ظله، ففر بجلده إلى أن بلغ الصفارين، وهكذا إلى الشماعين مرة أخرى، فإلى جامع القرويين، فأحس أنه يدور في حلقة مفرغة لا يعرَف أولها من آخرها. دخل المسجد يستنجد بحرمته، وقال: - الآن نجوت حقا.
لما وصل الثريا الكبرى، إذا بها واقفة معه، فغلبه الحال، وهو من أرباب الأحوال، وهَم بالصراخ (آخر الدواء الكي)، ليجتمع الناس عليه وعليها ويحكموا بينه وبينها، لكنها تحولت قبل أن يرتد إليه طرفه من صفة امرأة حسناء، رعناء، إلى صفة رجل وقور اسمه البرناوي.
قال البرناوي: - فعلتُ ما فعلت معك اختبارا لك لما أعلم من ميل الرجال الطبيعي إلى النسوان الحِسان، فوجدتك كما أحب وأرتضي. إني أراك من الفائزين.
مات البرناوي سنة 1126 وورث الدباغ ما كان عنده من أسرار.
مِن جملة مَن لقي عبدُ العزبز منصور بن أحمد، وكان من أكابر الصوفية، بل ومن الذين بلغوا مرتبة القطبانية. كان اجتماعه به قبل كسوف الشمس، الذي حدث في التاسع والعشرين من شهر محرم سنة 1118، بحوالي شهر. وللاجتماع قصة طريفة:
ذلك أن منصورا كان نساجا، وقد ذهب عبد العزيز بأخيه علال يبحث له عن معلم ليتعلم على يديه الصنعة. قصد أحدَ النساجين واتفق معه على موعد الشروع في العمل. لما أراد مغادرة الدكان، صاح به أحد الحاضرين ولم يكن يعرفه: - أريد التحدث إليك.
أجاب عبد العزيز: - على الرحب والسعة.
وانطلق الحديث على هذا الشكل: - من أي الناس أنت؟
- أنا حسَني من أهل الدباغ.
- أخيار وأبرار. بيت لا تذروه الرياح، ما اسمك؟
- عبد العزيز.
- خير الأسماء ما عبد. وأبواك؟
- ماتا.
- لك زوج وأولاد؟
- نعم.
- لك شيء من متاع الدنيا؟
- لا.
- خذ هذه البركة (ثلاثون موزونة)، حلال عليك.
كانت هذه ظروف لقاء الدباغ بمنصور، وهو من جبل حصَب من الفحص، لم يفترقا بعدها إلى أن توفي الأخير سنة 1129 وورث الأول ما عنده، أي أنه بذلك يكون قد صحبه مدة اثني عشر عاما. كان منصور قطبا، كما كان البرناوي قطبا، ولا يخلو الزمان من قطب، تدور رحى الوقت عليه، إلا أن البرناوي كان أعلى درجة من منصور. ذلك أن للمفاضلة أبوابا وأن لها عند المفضل أسبابا، والعبارة ليست من عندي، إنما أنا ناقلُ علم أتحرى الأمانة فيما أنقل ما استطعت، فاعلم ولا تستهِن ولا تهَول وابتغِ بين ذلك سبيلا.
مِن جملة مَن لقي أيضا محمد اللهواج، وهو من ضواحي تطوان، وقصة لقائه به لا تقِل طرافة عن سابقتها.
لما مات الأب، ذهب العم بعبد العزيز وأخيه العربي (سَمي خاله) إلى طَراز (بتشديد الراء) ليتعلما الصنعة، وكان محمد اللهواج، الذي كان يرتاد دكان الطراز، فهو من أقاربه، يقصد عبد العزيز خاصة، لعله لمس فيه ما لم يلمسه في غيره-والقلوب تتراعى وتتراءى-، يحادثه حتى نسِجت بينهما علاقة متينة بخيوط من حرير أو لعلها من ذهب أو من حرير مُذَهب.
اجتمع به قبل اجتماعه بمنصور، وذلك سنة 1112، وكانت وفاة اللهواج بعد وفاة منصور بأيام معدودة. ورثه هو الآخر مثلما ورث الخضر، الهواري، البرناوي، ومنصورا.
عندما دخل الدباغ الديوانَ لأول مرة، لم يسمع مِن أهله- أعني أهلَ الديوان- شيئا أكثر من التوكيد على كتم السر، إذِ الأمر مضنون به على غير أهله، وقد جاء هذا التوكيد في شكل حكايات، على سبيل ضرب المثل، بلغَت نحو المئتين، أحصي منها سبعا عددَ أبواب الجنۃ حاشَا واحدا-والأعداد، أيها القارئ المفترض إسعافه، كما الحروف، أمة من الأمم.





