📰 آخر الأخبار
 الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردن
 الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائرالمسكوت عنه/أمين الساطيالفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبناناحرف من الفضة البيضاء/سالم الياس مدالومن يداوينا من هيمنة الوقت؟ نهى ابراهيم سالم/جمهورية السودانThree poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردن

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

بودلير والغنائية الحديثة/سوزان برنار-ترجمة راوية صادق 

قصيدة النثر

(١) مفهوم «سأم باريس». القصيدة «الحديثة» وتأثير «سانت-بوف». النثر شكل لشعر حديث.

(٢) الإنجاز:

  • (١) أرابيسك القصائد. قصائد «فنية» وقصائد «رابسودية».
  • (٢) حداثة وجِدَّة النغمات. من السخرية الغنائية.
  • (٣) النثر البودليري الشعري: ثلاثة أنماط من الجُمل تتوافق مع «حركات الروح الغنائية، وتموجات أحلام اليقظة، وانتفاضات الوعي» الأنساق الإيقاعية. قصائد نثر وقصائد نظم.

(٣) حساب بودلير الختامي. جِدَّة وأهمية المحاولة. الإخفاقات وأسبابها ميراث بودلير.

***

(١) مفهوم «سأم باريس»

ذات يوم، حدد «بودلير» الفن — في صيغة مدهشة — بأنه «سحر إيحائي يحتوي الشيء والموضوع في آنٍ واحد، العالم الخارجي للفنان والفنان نفسه».١ ويلاحظ «دانييل-روبس» أنه يمكن تطبيق هذه الصيغة على القصائد النثرية الصغيرة في «سأم باريس»،٢ مثلما على «أزهار الشر»: بل ربما نجد — أيضًا — في «سأم باريس» تأكيدًا أشد على الشعور بالانصهار، بالتطابق بين الشيء والموضوع: «كل هذه الأشياء — كما يقول «بودلير» — أمام مشهد يجري، تفكر من خلالي أنا، وأنا أفكر من خلالها».٣ هذا التشتت (أو هذا التوسع) ﻟ «أنا» سوف تساعد عليه أجواء المدينة الكبرى: ففي «المشهد» المديني، وفي قلب الحشد المتنوع في أشكاله، يحس الشاعر بشخصيته تتضاعف، وهو ثمل من «المشاركة الكونية»،٤ وتصبح روحه المنبسطة «روحًا جمعيةً تبكي، وتأمل، وتتنبأ أحيانًا».٥ وعلى نحو متبادل، فعندما يعبر عن شخصيته الخاصة، وصداماته وشكوكه، ومتطلباته المتناقضة، فإنه يعبر عن الروح الحديثة بكل تعقيدها، كما صاغتها الحياة المحمومة، اللاهثة والمصطنعة، للعاصمة.

ويقترح «بودلير» على حبيبته — في «دعوة إلى السفر» (نثر) — الذهاب إلى هولندا، ليتملَّى في «توافقها الخاص بها»،٦ وبالمثل، فإن أشعاره الباريسية (لا سيما المكتوبة نثرًا) تقدم لنا مظهرين متشابهين و«متوافقين»، يلخصهما «تيبوديه» بأنهما «تعرية روح في مدينة كبيرة»، و«تعريةُ روح مدينةٍ كبيرة».٧ وما يجب التأكيد عليه هو الأسلوب الشديد الوعي — والقصدي تمامًا — الذي استهدف «بودلير» تحقيقه في «سأم باريس»، هو شعر العاصمة. فأرابيسك الزهور — الذي يحيط بصولجان باخوس — لا يمكن إدراكه، في هذا الديوان، بدون العصا التي تسنده:٨ أريد أن أقول إن باقة القصائد هذه، ذات المظهر المتحرر والمتنوع، تلتف حول خط مستقيم، هو — هنا — قصد يدعمه شعر حديث ومديني. وفي هذا العمل «الأكثر تفردًا، والأكثر قصديةً — على أية حال — من أزهار الشر» (ولا بد من أخذ تصريح «بودلير» بعين الاعتبار)،٩ يحدد المفهوم، لا بنية الديوان فحسب، بل التعبير والشكل المستخدمين أيضًا، إنه القصد الحداثي الذي يجب التأكيد عليه أولًا، فهو الذي سيقود استخدام النثر كأداة شكلية.

«جوَّال باريسي» وتأثير «سانت-بوف»

«عند تصفحي — للمرة العشرين، على الأقل — ﻟ «جاسبار الليلي» الشهير لآلويزيوس برتران … واتتني فكرة محاولة شيء على مثاله، وأن أطبق على وصف الحياة الحديثة، أو — بالأحرى — على حياة واحدة حديثة وأكثر تجريدًا، النهج — التصويري بشكل غريب — الذي استخدمه في رسم الحياة القديمة»، ذلك ما كتبه «بودلير» في «إهداء Dédicace» إلى «آرسين هوساي»، الذي نَشَرَ — في «لا بريس La Presse»، عام ١٨٦٢م — العشرين الأولى من قصائد النثر هذه. اعتراف له دلالته: فما فعله «برتران» بالنسبة لباريس القديمة وديجون العتيقة، يريد «بودلير» أن يفعله لباريس عصره: فشعر حديث لا يمكن أن يكون — بالفعل (وهو ما يؤكده «بودلير» أيضًا)١٠ — إلَّا شعرًا مدينيًا، وصادرًا — مباشرةً — عن «مخالطة المدن الكبرى»، التي شهد القرن التاسع عشر تطورها المخيف وهو يتسارع.

منذ عام ١٨٤٦م، وفي تعبيره عن نظريته في «الحداثة» — هذا الجانب الهارب والنسبي من الجمال، والمتنوع مع كل عصر — أضاف «بودلير» أن «الحياة الباريسية مفعمة بالموضوعات الشعرية والعجيبة».١١ ولكننا — في حوالي عام ١٨٦٠م — سنراه مشدودًا بشكل خاص إلى العاصمة، الخزان الذي لا ينضب من الأنماط والأحلام: يكتب «لوحات باريسية» (التي ستشكل — في طبعة عام ١٨٦١م — قسمًا جديدًا من «أزهار الشر»)، ويبدأ قصائده النثرية، ويخصص مقالًا (في نهاية ١٨٥٩م وبداية ١٨٦٠م) حول «رسَّام الحياة الحديثة»، «قوسطنطين جيز»:

عشقه ومهنته أن يعانق الحشد … إنه معجب بالجمال الأبدي والانسجام المدهش للحياة في العواصم، انسجام مصون بفعل العناية الإلهية في خضم الحرية الإنسانية. إنه يتأمل مناظر المدينة الكبرى، مشاهد الأحجار يداعبها الضباب، أو تضربها لفحات الشمس …١٢

و«بودلير» — مثل «جيز» — يريد أن يكون «المتسكع الكامل»، في مطاردته ﻟ «الجمال العابر، الهارب، للحياة الراهنة»:١٣ لقد فكر — عام ١٨٦٠م — في أن يسمي ديوانه الذي يضم قصائد النثر «الطوَّاف المنعزل» أو «الجَوَّال الباريسي».١٤ ونحن ندرك أن إنجاز هذه القصائد كان يتطلب — في ذلك الحين، وكما سيكتب إلى «سانت-بوف» من بلجيكا في مايو ١٨٦٥م — «إثارةً غريبة، تحتاج إلى عروض، وجمهور، وموسيقى، وحتى إلى مرايا عاكسة …»، و«حمام الجمهور الشهير هذا»، الذي يتحدث عنه في «العامة»١٥ باريس وحدها هي التي يمكنها أن تمنحه كل ذلك. وبعيدًا عن باريس، لن يكون لإلهامه إلا أن يذوي.

لن نتمكن — هنا — من توضيح تأثير «سانت-بوف»، فكيف لا نتعرف في هذا «الطَّوَّاف المنعزل والمتأمل»١٦ على «جوزيف ديلورم» جديد، وهو يستسلم بدوره — على البلاط الباريسي — إلى «الأفكار التي يولدها المسير»؟١٧ وهو تقارب أشار إليه «بودلير» نفسه — على أية حال — وهو يكتب إلى «سانت-بوف»، في ١٥ يناير ١٨٦٦م، أنه إنما أراد تقديم «جوزيف ديلورم جديد يسقط فكره الرابسودي على كل واقعة في تسكعه». والواقع أن وسط الجمع الباريسي، سيضيع المنعزل (الواردة في قصيدة) «الأشعة الصفراء» الشهيرة (الذي كان بودلير يصفه بأنه «العاشق الفاسد»)١٨ التي تستجلب — في مقاطعها الأخيرة، كما يقول «أ. فيران» — «موضوع الرثاء الحديث كله، المتطور في ديكور معاصر»: ١٩

هكذا يمضي فكري، والليل قد جاء،

أنزل بين الحشد المجهول

وسرعان ما أغرق كآبتي:

أكثر من ذراع تحتك بي، ندخل حانة ريفية،

نخرج من الملهى، والعاجزُ المخمور

يغني بصوت مرتعش لحنًا مرحًا.

إنها ليست غير أغانٍ، وصخب، ومشاجرات سكارى

أو عشق في الهواء الطلق، وقبلات بلا حياء،

وعواطف علنية،

أعود: وفي طريقي يحثُّون الخطى، يتقافزون

طوال الليل أسمع السكارى في شارعي يجرون أقدامهم

ويصيحون.٢٠

والجدير بالملاحظة أن «سانت-بوف» يحلو له لا أن يغوص فحسب، كما يعلن، في «عمق الواقع الأكثر سوقية»٢١ أي أن يتخذ نقطة انطلاقه من الحياة الخاصة واليومية (نعلم أنه كان يريد أن يبدع — على غرار شعراء البحيرة، وردزورث وكولريدج — شعرًا «حميمًا وخاصًّا، وأليفًا، ومألوفًا»)، على نحو ما كتب في مقدمة «عزاءات consolations»، وفي ملحوظة ﻟ «أفكار أغسطس»٢٢ بل أن يلح على المظاهر الأكثر كآبة والأكثر دناءة لهذا الواقع اليومي: فأية أجواء هذه التي يرى «جوزيف ديلورم» فيها الشارع الخارجي، مكان نزهاته الداعرة:

هذه الجدران السوداء الطويلة، المملة للعين، حزام كئيب للمقبرة الفسيحة التي يسمونها مدينةً كبيرة، وهذه الأسيجة غير المقفلة تمامًا تمكننا من الرؤية عبر الفتحات، والعشب المتسخ في بساتين الفاكهة، وهذه الممرات الحزينة الرتيبة، وأشجار الدردار الرمادية بفعل التراب — وفي الأسفل — بضع عجائز يجلسن القرفصاء مع أطفال على حافة حفرة …٢٣

ألا نجد هنا — (عام ١٨٢٩م) — رد فعل ضد أوائل الألعاب النارية الرومانتيكية، «شرقيات Orientales» أو «أناشيد غنائية Ballades»، والتجسيد المسبق لما ستصبح عليه الحركة الواقعية؟ ثمة — في «السهرة» — نوع من الثنائية الرمزية، التي تتعارض والأفق الضاحك لهوجو، والأفق الكئيب لصديقه، الذي يبدو — وهو منعزل — يملأ سهراته:

بهذا الهدوء المنهك وبهذه الأحلام التافهة

ويطلق نوعًا من التصريح الكئيب٢٤ هنا — ولا سيما في «ربة شعري» — تعارض دال بين «الجارية اللامعة» واﻟ «بيري»،٢٥ أو العذراء الإقطاعية التي تلهم شعراء آخرين، وربة الشعر المعدمة، المسلولة والمجروحة من الحياة، لسانت-بوف.٢٦

ألن تكون ربة الشعر هذه نفسها (ربة شعر «الوجود الناقص»)٢٧ هي التي ستسكن «سأم باريس»، مع كل هؤلاء المنبوذين، العجائز الفقراء، والعجائز المهرجين، والأرامل الفقيرات، والشحاذين، والكلاب الهائمة، «الذين خرجوا من الحياة يعرجون»،٢٨ وقدَّمت — كديكور لهذه «الكوميديا المدينية» — الحديقة العامة حيث يبحث «الصعلوك» الشعبي عن التقاط بقايا الحفل٢٩ مجانًا، و«الحانة» التي نذهب إليها لاحتساء «كوب من البيرة»،٣٠ والبيوت الحقيرة التي تنتشر وسطها «رائحة مقليات،٣١ كومبارس غريب، وديكور شاذ لشخص متأنق! نضال دائم ضد الصعوبات المادية، فهل انتصر المُحضَرُون والديون وبنك «مون–دي–بيتيه» على حب «بودلير» للرفاهية والجمال الشهواني؟٣٢ أعتقد — بالأحرى — أنه قام بجهد شديد الوعي لإدخال الواقع الأكثر ابتذالًا في الشعر، وذلك — إذا جاز القول — لخلق شعر من النثري. ويمكننا — بالقطع — أن نستخلص دلالة عميقةً من المشهد الشائع. ويكتب «بودلير» في مذكراته الخاصة:

في بعض الحالات ما فوق الطبيعية للروح، فإن عمق الحياة يتبدَّى — بكامله — في المشهد، رغم عاديته الشديدة، والذي نراه تحت عيوننا، إنه يصبح رمزًا لها.٣٣

و«سانت–بوف» نفسه، «سانت–بوف» الذي أحيانًا ما تشبه أشعاره — النثرية بشكل بشع — شعر «فرانسوا كوبيه» على نحو تام، قد رأى — جيدًا — أن الفنان يحدس «فيما وراء هذا العالم الظاهر بالعالم الآخر، الداخلي تمامًا، الذي يجهله أغلب الناس»؛٣٤ وهو ما يدعونا إلى أن نكتشف — فيما وراء الواقعية السطحية للوحات المبتذلة ظاهريًّا — حياةً أكثر غموضًا وعمقًا. ومع ذلك، فإن موقف «بودلير» تجاه الواقع اليومي يختلف كثيرًا — في «لوحات باريسية» — عنه في «أزهار الشر» (التي كتبت — هي أيضًا، في معظمها — حوالي عام ١٨٦٠–١٨٦١م)، وعنه في «سأم باريس». وتبحث القصائد المنظومة:

في التعرجات الملتوية للعواصم القديمة

حيث يتحول كل شيء، حتى البشاعات، إلى تعاويذ٣٥

عن الغامض٣٦ — قبل كل شيء — والمجهول،٣٧ واللقاءات الغريبة، والمجازات،٣٨ حتى لو انطلق «بودلير» من معطيات سوقية أو منفرة (الشارع «المزعج»،٣٩ العميان «البشعين حقًّا»،٤٠ العجائز القصيرات، «مسخ متخلع»)،٤١ فذلك ليقوم بعملية التحويل الغامضة، التي يُلمح إليها في مشروعه «خاتمة Epilogue»، وهو يخاطب المدينة:

لقد أعطيتني طينك فصنعتُ منه ذهبًا.٤٢

وفي «سأم باريس»، يظل الطين طينًا، أسود ولزجًا، ويسعى الشاعر — بقصدية تامة — إلى استخدام هذه المادة الأولية، كما هي: أحيانًا كي يزيد من إحساسنا — على غرار سانت-بوف» — بالوجود الذي يغوص في هذا الطين، ويبرر الهروب الدائم الذي يغري به عبثًا اﻟ «حلم»،٤٣ وأحيانًا للبحث عن مؤثرات هزلية أو تهكمية — على غرار «جويا» — بفلتات مفاجئة من الرقة، أو الغنائية: «سأوحِّد المرعب بالهزلي، بل الرقة بالحقد»؛ ذلك ما كتبه «بودلير» إلى والدته،٤٤ بصدد ديوانه، وبمثل هذه المؤثرات الخاصة بالتناقض، ومؤثرات الرتابة، كان «بودلير» يشعر بحرية في النثر أكبر مما في النظم. ألم يسبق وسجل — عام ١٨٥٧م (وهو يترجم «إ. بو») — أن كاتب القصة «يمتلك في حوزته تعددًا في النغمات، وظلال اللغة، والوقع المتأمل، والتهكمية، والسخرية، التي يتخلى عنها الشعر، والتي — شأنها شأن تنافر الأصوات — هي إهانات لفكرة الجمال الخالص»؟٤٥ وتكاد بعض القصائد الباريسية — في «سأم باريس» — أن تكون، تقريبًا، أقاصيص (صانع الزجاج الرديء، موت بطولي، اللاعب الكريم، فلنقتل الفقراء!)، حيث يستخدم «بودلير» بكثرة — متأثرًا، في ذلك مباشرةً، بإدجار بو٤٦ — «نغمات» سبق الحديث عنها، علينا — إذن — أن نقر بأنه يرى في قصيدة النثر شكلًا أكثر حرية، أكثر «انفتاحًا» من قصيدة النظم في قبولها بتنافر الأصوات، وانقطاعات النغمة، والسخرية بشكل خاص، ألا يقول عن «سأم باريس»، في فبراير ١٨٦٦م، إننا نجد فيه «كثيرًا من الحرية، والتفاصيل، والتهكم»،٤٧ بأكثر مما في «أزهار الشر»؟ وهنا ثمة تقنيتان مختلفتان تمامًا، ولا تنحو مؤثراتهما وإيحاءاتهما نحو الشعر عبر نفس الطرق، ربما يكون «بودلير» أول من أدرك — بوضوح — الإمكانيات التي يتيحها النثر كشكل للشعر الحديث، الذي يحتفي بكل تناقضات الحياة الحديثة.

النثر، شكل لشعر «حديث»

من الضروري حقًّا — هنا — فيما أعتقد، ألَّا نفصل «شكل» اﻟ «نثر»، الذي اختاره «بودلير» عن قصده الحداثي: فمن أجل ترجمة حياة وروح بشر القرن التاسع عشر في كل تعقيداتها، كان من الضروري استخدام شكل «سلس، ومتنافر بما يكفي للتوافق مع الحركات الغنائية للروح، ومع تموجات أحلام اليقظة، وانتفاضات الوعي».٤٨ ومن اللافت للنظر أن هذا النموذج عن «نثر شعري» — كما عبر عنه «بودلير» — يبدو مرتبطًا لديه ﺑ «مخالطة المدن الكبرى»،٤٩ نثر بالغ السلاسة فحسب، ومتخلص من كل ضغوط شكلية (وهو ما يميز — للوهلة الأولى — «بودلير» عن «برتران»)، ويمكن أن يقترن، بلا معاظلة، بنبضات الحياة، وتموجات الإحساس في قلب مدينة كبيرة.

ولا يخطئ «بودلير» في أن يرى — هنا — «شيئًا جديدًا، كإحساس وكتعبير».٥٠ هذه الرغبة في التنويع وفي التناقضات، تتعارض مع مبدأ «وحدة النغمة» الذي تفرضه الجماليات القديمة، ونستطيع — على أية حال — أن نتساءل: إلى أي حدٍّ لا ينسجم هذا الميل إلى «الشرائح tronçons»،٥١ وإلى النغمات والأنواع الأدبية البالغة التنوع، مع تجزيء الشخصية، ومع تعددية تتناقض تمامًا والشعور الكلاسيكي بوحدة الفرد. إثراء أم تفكيك؟ على أية حال، فعبر رؤية مقطعية، وفي ظل مظاهر ليست تكميلية فحسب، لكنها — في الغالب — متناقضة، سيظهر لنا المشهد الروحي للشاعر، بكل تناقضاته وتنافراته، و«ابتهالاته» المضادة:٥٢ وللتعبير عن كل هذه التناقضات، كل هذه الدوامات الذهنية، يحتاج «بودلير» إلى شكل أكثر حريةً من الشعر المنظوم، الذي يلبي متطلبات أخرى بحركته الموزونة والمنتظمة، والقابلة لترجمة (أو إنتاج) السكينة، والنظام والانسجام.

ولا شك أن الشعر الرومانتيكي قد «فكك» الشكل الشعري، وقد تحدثتُ عن الحركة التحررية لهوجو،٥٣ وقد بذل «سانت-بوف» — أيضًا — جهودًا واعيةً للتقريب بين الشعر والنثر، لخلق ما أسماه «البحر السكندري العادي»،٥٤ فبطله «جوزيف ديلورم» أحيانًا ما ينصح بالبحث — في الشعر — عن شكل «أقل صرامة»، يمتلك «ميزة الطبيعية والبساطة».٥٥ ونعلم — أخيرًا — أن «بودلير» قد سعى، أحيانًا في «أزهار الشر»، إلى كسر انتظام الإيقاع، والتوصل إلى اضطراب إيقاعي arythmie، «أو — بالأحرى — إلى إيقاع النثر»، كما يكتب «كاسانيي» في ملاحظته عن هذه المحاولات العجيبة،٥٦ وذلك حينما تتطلب الفكرة أو حركة الجملة ذلك: فالنبرة المألوفة للحديث في «الرحلة»:٥٧

قُل، ما الذي رأيتموه؟

– رأينا كواكب

وأمواجًا، ورأينا رمالًا أيضًا،

ورغم صدماتٍ عديدة وكوارث غير متوقعة،

فكثيرًا ما أصابنا الملل، مثلما هنا.

ومؤثر القطع المفاجئ، في «هاوية»:٥٨

أخشى النوم مثلما يخشون حفرةً عميقة.

محاولات كهذه تظل محدودةً للغاية، طالما نرفض المطالبة (مثلما سيفعل الرمزيون) بحرية الشعر الكاملة، ويظل مؤكدًا أن المجرى المنتظم للبيت الكلاسيكي لا يتوافق واضطرابات وتعرجات الوجود الحديث، فيبدو لي من المستبعد — مثلًا — ألا يكون «بودلير» قد انزعج، ما دام قد عرف جيدًا «الأشعة الصفراء»، من عدم توافق الشكل مع الموضوع في المقاطع الشعرية الأخيرة،٥٩ ومن الارتباكات التي تقود إليها متطلبات النظم (التورية «أكثر من ذراع تحتك بي»، والتعاكس «عواطف علنية»). وعلى أية حال، فقد انزعج من عدم ملاءمة مفردات تطبق كل كليشيهات الشعر الكلاسيكي لوصف حياة حديثة ومدينية: وهو يكتب إلى «سانت-بوف» أن في «جوزيف ديلورم» ثمة: «أعواد، وربابات، وقيثارات، ويهوه أكثر من اللازم، وهو ما يشوب القصائد الباريسية».٦٠ لكن هذه المفردات السامية، أليست هي — بالتحديد — ثوب الشعر الكلاسيكي، أو — بالأحرى — «سترة نيسوس» الخاصة به؟ لقد تحدث «هوجو» — وحتى «بودلير» — عن موجات وجرار في أشعارهم …

فمن يدري؟ ربما انتاب «بودلير» الندم — أحيانًا ما — على أن يجد نفسه، حسب صيغة «رامبو»، «مشنوقًا بالشكل القديم»،٦١ وربما كان سيبحث وقتئذٍ — في النثر — وبالتحديد في النثرية: أقصد عن حرية الشكل، والتخلي — إراديًّا — عن المقاطع، واللازمات، والتماثلات، وحرية النغمة، والتعبير، والابتعاد عن كل مؤثرات «النثر الشعري» التي سعى إليها سابقوه. محاولة أصيلة — بالقطع — وخصبة في إمكانياتها، لكن حريةً إلى هذا الحد لا تعدم بعض المخاطر، وهذه المخاطر، التي التزم «بودلير» — بالضرورة — بمواجهتها، كانت تتضاعف بمخاطر أخرى، ترجع إلى الصعوبات المادية والثقافية التي كان الشاعر يواجهها. وعلينا — الآن — أن نحكم على «بودلير» وفقًا لإنجازاته.

(٢) الإنجاز

يدهشنا تضارب الآراء، عند بحثنا للأحكام الموجهة إلى «سأم باريس»، فالبعض يعجب ببودلير الذي نجح في أن «يقول الأكثر من خلال الأقل»،٦٢ بالنثر الأكثر إيجازًا، والأكثر «نثرية»، رغم أنه قد رفض كل تأثير الأسلبة stylisation أو الموسيقية، بل يذهبون إلى حد اعتبار «التعاويذ الإيحائية» «أكثر فاعلية في قصيدة النثر» مما في المقطوعة المنظومة، وذلك في الحالات التي تكون فيها المقارنة ممكنة.٦٣ ولا يرى الآخرون — في «سأم باريس» — سوى نثر خالص، ولا يمنحون اسم قصيدة النثر إلا لمقطوعة وحيدة هي «محاسن القمر».٦٤ فبمَ تفسر تضارب الأحكام إلى هذا الحد؟

بطبيعة الحال، علينا أن نضع في الاعتبار الأفكار المسبقة، وأن نرى عبر أي منظار ينظر النقاد، فبالنسبة لجوستاف كان — (وستُتاح لنا فرصة العودة إليه) الذي يدرك قصيدة النثر باعتبارها نوعًا شكليًّا وفنيًّا صرفًا، يهيمن عليه البحث البارع عن الجناس والإيقاعات — فإن الشكل الشديد الحرية لبودلير هو شيء بلا معنى، وبالعكس، فإذا ما اعتبرنا قصيدة النثر — مثل «بلان» — نوعًا على النقيض من «النثر الشعري» والموزون، يستخدم — في الارتقاء بنفسه — «نثرًا خامًا»،٦٥ غير إيقاعي، فسنحيل إلى البحث عن نماذج له في «سأم باريس»، لا في «الأناشيد الغنائية» لآلويزيوس برتران. إنها خاصية قصيدة النثر — هذا النوع المنقسم — التي تمضي في اتجاهين متعارضين، يتذبذب بينهما الشعراء والنقاد: الاتجاه إلى الانتظام، والكمال الشكلي — والاتجاه إلى الحرية، بل إلى الاختلال الفوضوي — مظهران أكدتُ عليهما في التو.

أما وقد فُرِضَ ذلك، فإنه يتبقى — في جميع الأحوال — أن الأساليب التي تستخدمها قصيدة النثر، سواء ارتبطت ببعض أشكال المعمار الشفاهي، أو — على العكس — بتدميرها، فإنها يجب أن تنحو — دائمًا — نحو أهداف تتخطى تلك الخاصة بالنثر الدارج، ولا تتعارض مع الخصائص اللانفعية، والغموض، والكثافة، التي هي بعض من خصائص الشعر، ولنعد إلى «بودلير»، فهل استطاع منح نثره — البالغ التحرر عن قصد، والمفتقر، غالبًا، إلى كل الزخارف اللفظية أو الموسيقية — «البريق التحتي» الشهير، الذي سيتحدث عنه «مالارميه»؟٦٦ وهذا النثر «النثري»، أهو — أيضًا — شعري؟

علينا، أيضًا، أن نتأمل — عن كثب — تقنية «بودلير» فيما يتعلق، من ناحية، ببنية القصائد، و«الأرابيسك»٦٧ الذي ترسمه العناصر المتنوعة، و— من ناحية أخرى و— تنوع النغمات المستخدمة وعلاقاتها مع خط الجملة، وغالبًا ما يمكن توضيح هذه الدراسة بالمقارنات سواء مع النثر أو الشعر المنظوم، وأخيرًا، فإنه من الضروري مراعاة العنصر الشخصي — أقصد الفارق الذي يفصل المجموعة الأولى، القصائد التي نُشِرَت في «لابريس»، عام ١٨٦٢م، عن القصائد التالية، المكتوبة بعناء وبطء متزايد — ففي ٢٣ يناير ١٨٦٢م، أحس «بودلير» ﺑ «إنذار غريب»؛ إذ هبت عليه «ريح جناح الغباء».٦٨ فمعطيات المشكلة — كما نرى — معقدة، بما سيجبرنا على التخفيف من حكمنا.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة