معركة في الملعب – أمين الساطي

لم يكن شغفي في المدرسة موجّهًا نحو الدراسة. كنت أكره الرياضيات، وأرى مستقبلي في الركض خلف الكرة. عشنا مراهقة صاخبة بين السينما والملاعب والتسكّع. كنت أحلم أن أصبح لاعبًا مشهورًا مثل روني ويلان في ليفربول، وأتخيّل أنني أمتلك قوته وأجيد اللعب بكلتا قدميّ.
كان أبي يقول إن آلاف الموهوبين لا يصل منهم إلا واحد إلى القمة. كنت أجيبه بثقة: سأكون أنا ذلك الواحد.
رسبت مرتين، وفشلت في دخول الفريق الأول لنادي بردى. فأرسلني أبي للعمل في كراج. بعد سنوات، أصبحت معلّمًا في تصليح نواقل الحركة، وتحسّن دخلي، لكنني لم أتحسّن. اخترت ليفربول كذاتٍ بديلة أختبئ خلفها؛ فوزه نجاحي، وخسارته مرآتي.
في مقهى النوفرة، كنت أصرخ مع كل هدف، وأدفع ثمن المشروبات عند كل فوز. سمّاني أصدقائي “مالك نادي ليفربول”.
حين جمعت بعض المال، سافرت إلى إنكلترا لحضور مباراة بين ليفربول ومانشستر سيتي. لم أذهب لأرى اللاعبين، بل لأملأ فراغًا في داخلي. في المدرجات، احتفى بي المشجعون حين عرفوا أنني سوري. ذبت في الجموع؛ صار الفريق أنا، وصرتُ أبحث في انتصاراته عن خلاصٍ شخصي.
خسرنا.
بعد المباراة، اندلعت مناوشات. تبادلت اللكمات مع أحدهم. لاحقًا، ذهبت مع مجموعة من المشجعين إلى حانة، ثم إلى القطار. كنت ثملًا ومتعبًا، لكنني تبعتهم.
توقّف القطار. قال أحدهم: نحن في مانشستر… جئنا لنؤدّبهم.
وجدت نفسي في شجار جديد. عصًا تهوي على رأسي، دم، ثم غضب أعمى. طرحت شابًا أرضًا وانهلت عليه ضربًا.
وصلت الشرطة. هرب الجميع، وبقيت. أُوقفت مع العشرات.
في اليوم التالي، أمام قاضي التحقيق، ادّعيت أنني عابر طريق. عرض صورًا تُثبت العكس. لم أكن أعلم أن الكاميرات تراقب كل شيء. سألني: من أرسلك لإثارة الفوضى؟ أنكرت. لكن كذبتي الأولى كسرتني.
سُجنت في مانشستر. استدان أبي ليعيّن محاميًا. وبعد سنة ونصف، خرجت.
عدت إلى دمشق.
استقبلني أبي بصمت، نظر إلى وجهي طويلًا، ثم أشاح.
في تلك الليلة، لم أنم. شعرت أن شيئًا سقط مني… ولم أجده.
عند الفجر، شغّلت التلفزيون.
كانت مباراة ليفربول ومانشستر سيتي تُعاد.
جلست أراقب.
بلا انفعال.
عندما سُجّل الهدف…
لم أتحرّك.
أطفأت التلفزيون.
نظرت إلى انعكاسي في الشاشة السوداء…
ولم أعرف من هذا





