عزف الريح / كمال محمود محمد علي – مصر

شُجونٌ تُواسِيني وليلٌ يُشاطر** وطيفٌ يُناجيني وريحٌ تُساهِرُ
وصَمتٌ تلظَّى بالهوى مِن مدامعي**فأسبلتُ أجفاني ، فَلَوْلَا يُحاورُ!
ولوكنتُ أَدْرِي مَنْ سقاني أُجَاجَه** ولكنَّ أحلامَ السُّكارى صغائرُ
جموحٌ جَوَادي غيرَ أنِّي مُسالِمٌ** ولَلسيفُ مَصقولٌ وبالغِمد ثائرُ
لَئِنْ غاصتِ الأقدامُ مِنِّي فإنَّني ** على اليَمِّ خَيَّالٌ وللنُّورِ سائرُ
فلا الجسمُ مُضنيني ولا الدمعُ شانِقي**ولكنَّ مَنْ يَصْبُو سيمضي يُعافرُ
ولا الرِّيحُ تَعْدُونِي ولاالموجُ مُغْرِقي**فما الموجُ إلَّا واهمُ الطَّرفِ خائرُ
يقولون : لاتقنعْ بِمَا دونَ أنجمٍ** وذا النجم ذبلانٌ وذا النجم غائرُ
أنا الطيرُ في أسمى الرَّوابي عُرُوشُه**فلاالشمسُ تُرضيني ولاالليلُ زائرُ
لَأَسْمَى مِن الآفاقِ مَرْسَى قوادِمي** وأَنْقَى مِن الإشراقِ قلبٌ يغامرُ
وراقٍ بلا خوفٍ فسِرِّي يَحُوطُنِي** وشادٍ بلا أَيْكٍ؛ فرُوحِيَ طائرُ
وبالصَّبرِ أَسْتَلُّ اصطباري من الثرى** وبالصبر إنْ عزَّت سمايَ أُصابرُ
وما كنتُ أَبْغِي أنْ أناجي خوادعا*** وما كان دمعي بالتدني يفاخرُ
ولكنَّ حَسْبِي أنْ تُرَجَّى صبابتي** ومِن دونِيَ الأجداثُ فيها البصائرُ
شَغوفٌ بما لم أجنِ منه تَعِلَّةً*** ومازلتُ أصبو والأماني قواهرُ
ولم نطعمِ الشكوى بأيدٍ نواعمٍ** ولكنَّه حكمٌ لدى الدهرِ دائرُ
فإنْ كنتُ قد أخرستُ لَسْنِي بِسطوتي***فلا الخمرُ تَنْهَاني ولا العُمْرُ آمِرُ
وسُلطانُ أنفاسي لِنفسي أبوحُه*** فلا لُطفَ أنسامٍ سِواهُ يخامرُ
هو الخُلْدُ إنْ جارتْ فَيَافٍ بأهلها*** سلامٌ وتسليمٌ وإلفٌ يُسامرُ
هو الغيثُ يَرْويني فتشدو مَسَامِعي** فمنِّي إليَّ الصوتُ شاكٍ وشاكرُ
هو الطيفُ ألفاهُ شِراعاً بمُهجتي** حُروفٌ شذاهُ بالحَنَايا مَواخِرُ
يَرومُ التلالَ الخُضْرَ في كُنْهِ خاطِري** وينأَى عن الشكوى فتصفو السرائرُ
فأُمسي كما يُمسي وأَغدو كما غدا** شعاعاً يشقُّ الليلَ والليلُ صاغرُ
ويحيا كما أحيا ويرجو مَفازتي**كِلانا من الأشواق: قلبٌ وشاعرُ
فكيف اسْتُرِقْنَا مِن ضُحانا على دُجى** وقد روَّتِ الآمالَ فينا البشائرُ
وهل كلُّ محبوبٍ يُلاقي أليفَه** سوانا، إذا أبنا لبينٍ نغادر!
وإنْ لم يكنْ بالكونِ غَيْرٌ فعُذرُه** ولكنْ تَصَابَتْنِي الغيوبُ النَّواظِرُ
فحتَّى متى أهفو وتهفو جَوَانِحِي؟ ** ومَنْ صالَ مَنكوساً تطأْه الحَوَافِرُ
وحتَّى متى يَمضي وحيدا مسافرا**فؤادي بِجُرْزٍ ليس فيها مُؤازِرُ؟
أأنْجُو بجسمي في سُكوني مُسَلِّما*** ولو أنَّ طيفي في فَضَا الأسْرِ حائر؟
إليهِ – إلى لَيْلِي- أُناجِي وأَفْتَدِي** بِعزفٍ كعزف الرِّيح والأفقُ ساخرُ
سِوى الدمعةِ الخرساءِ لم تؤتِ جَنَّتِي** عَلامَ نُحابي الشِّعرَ والشعرُ غادرُ؟!
إلى اللهِ لا أشكو شقائي بأرضِهِ***؛ فما الكونُ إلا مستحيلٌ وصائرُ
وما العجزُ إلا مِن رُقودي فَخَافِقي*** لَكَالنَّهرِ فيَّاضٌ وكالنورِ غامرُ
وما الصُّبحُ إلا في صباحي وفي غدي** ولابدَّ يوماً أنْ يَؤوبَ المسافرُ



