صُبْ يا عمي صُبْ – أمين الساطي

استيقظتُ على دويِّ انفجاراتٍ في السماء، صواريخُ تعترض مُسيَّراتٍ عابرة. كان الليل ما يزال ثقيلاً، لكن القلق كان أثقل. تسلّل إلى صدري إحساسٌ خانق بالخوف من مستقبلٍ مجهولٍ يفتح فمه في الأفق. ولكي أهدّئ من روعي، خطر لي أن أتصفح تنبؤات العرّافات اللبنانيات الشهيرات لعام ألفين وستة وعشرين.
الأولى تتصدّرهن بأسلوبها الصادم وملامحها الحادّة التي تُحاكي سِمات الرجال. قالت ببرودٍ مخيف:
«سنة خطيرة… قد ينزلق العالم فيها إلى حربٍ نووية تقضي على الأخضر واليابس».
ما إن أنهيت القراءة حتى جفّ حلقي. شعرتُ بأن الهواء نفسه صار أثقل. مددتُ يدي إلى زجاجة عرقٍ لبناني كانت بجانبي، احتياطاً لمثل هذه الأزمنة المضطربة، وارتشفتُ جرعةً صغيرة علّها تُعيد الطمأنينة إلى صدري.
أما الثانية فكانت امرأةً دحداحة، حنطية البشرة، ربما الأكثر قسوةً في الملامح بينهن. قالت بنبرةٍ لا تحتمل الشك:
«ستستمر الحرب… حتى يظهر زعيمٌ عربي كان قد أُعلن عن وفاته سابقاً».
تجمّد الدم في عروقي. للحظةٍ خُيِّل إليّ أننا دخلنا بالفعل زمن القيامة، حيث ينهض الموتى من قبورهم ليطاردوا الأحياء، كما في أفلام الزومبي التي تبثها القنوات بعد منتصف الليل. عندها رفعت الزجاجة من جديد، وأخذت منها رشفتين كبيرتين، كأنني أحاول أن أطفئ حريقاً يشتعل في صدري.
أما الثالثة فكانت شقراء رقيقة الملامح، هادئة الحضور، توحي بثقةٍ خادعة. ظننتُ أن عندها الخبر اليقين. ابتسمت وقالت:
«نحن في سنة الحصان وفقاً للتقويم الصيني. سنة حروبٍ وتغييراتٍ كبرى، لكنها في النهاية تقود إلى سلامٍ وازدهار دائم».
ثم أضافت بثقة العارفين بالأسرار الصغيرة للعالم:
«في منتصف العام ستُطلِّق ممثلةٌ ومغنية لبنانية مشهورة زوجها الحالي، لتعود لاحقاً إلى طليقها الأول. وفي الشهر الأخير من السنة ستعلن المطربة الشعبية ياسمين — التي أحيت حفلة زفاف ابن ملك الجن — اعتزالها الفن نهائياً».
عندها… اطمأن قلبي.
شعرتُ فجأةً بأن صفحة الحرب قد طُويت، وأن العالم عاد إلى نظامه الطبيعي:
الفنانات يطلّقن ويتزوّجن، والمطربات يعتزلن، والحياة تمضي كعادتها.
رفعتُ زجاجة العرق، وصببت ما تبقّى منها في كأسٍ كبيرة إلى جانبي، ثم تمتمتُ مبتسماً:
صُبْ يا عمي… صُبْ.





