صورة البغي في مسرح توفيق الحكيم/ ا.د علي خليفة

عُرف توفيق الحكيم بعداوته للمرأة، وأغلب الظن أنه راقه أن يُعْرَفَ بهذه العداوة، فقد كانت من أسباب زيادة شهرته، مع أمور أخرى وُصِف بها، ومن ذلك صداقته للحمار وكتابته عنه ثلاثة كتب، وصحبته للعصا والبيريه، ومحاورته لهما في بعض كتبه، وأيضًا اتصافه بالبخل.
وبعض مقالات توفيق الحكيم التي نشرها في بعض كتبه يمكن أن تؤكد ما اتصف به من عداوة للمرأة، ولكن بالرجوع لأدبه نرى أنه لم يكن بحق عدوًّا للمرأة، ويمكن أن تكون بعض مقالاته التي فيها مظاهر عداوته للمرأة كتبها في ظروف معينة، ولأسباب وقتية جعلته يذكر فيها عداوته للمرأة.
وأيضًا لا أستبعد أن يكون توفيق الحكيم قد تشدد على المرأة في بعض مقالاته؛ ليؤكد ما عرف به من عداوته للمرأة، وكأنه استغل هذه الشهرة عنه، فأصبح يغذيها ببعض كتاباته.
وكذلك كان توفيق الحكيم غير راضٍ عن صورة المرأة في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين في تقوقعها في البيت، وفي الوقت نفسه كان متشككًا في إمكانها المشاركة الإيجابية في السياسة والأمور الأخرى في المجتمع لو خرجت إليه، ولكنها بعد أن خرجت للمجتمع مع النصف الثاني من القرن العشرين، وشاركت في السياسة والمجتمع غير الحكيم نظرته لها، وأصبح يشيد بها في مقالاته.
(2)
وما يهمنا في دراستنا هذه هو نظرة توفيق الحكيم للمرأة في أدبه، وفي مسرحه على وجه الخصوص، وفي الحق أن اهتمام توفيق الحكيم بالمرأة في مسرحه واضح جدًّا؛ ولهذا نرى بعض مسرحياته تحمل عناوين نساء، ومن ذلك مسرحية “شهرزاد”، ومسرحية “إيزيس”.
بل إننا نرى بعض مسرحياته تقوم فيها المرأة بأدوار إيجابية، ففي مسرحية “إيزيس” نرى إيزيس تبحث عن زوجها بعد أن وضعه أخوه طيفون في تابوت وألقاه في النيل، وبعد أن تجده في بلاد خارج مصر تعود معه لمصر، وحين يُقتل تربي ابنه حوريس من أجل أن يستعيد ملك أبيه من طيفون المغتصب له، وتستطيع بسعة حيلتها أن تجلس ابنها حوريس على العرش بعد أن يعرف الناس فساد طيفون، ويُعزل من منصبه في حكم مصر.
وفي مسرحية “شهرزاد” تبدو شهرزاد لغزًا كبيرًا، وكل فرد يقترب منها يراها بعين نفسه، فشهريار يراها عقلاً كبيرًا، وقمر يراها قلبًا كبيرًا، أما العبد فيراها جسدًا جميلاً.
وفي مسرحية “السلطان الحائر” نرى الغانية هى المحرك للأحداث بها، فهي التي تشتري السلطان، وتعتقه بعد ذلك، ويكتشف السلطان حقيقتها في نقائها وطهارتها، فيأمر الناس بحسن معاملتها.
وهذه نماذج قليلة لمسرحيات لتوفيق الحكيم ظهرت المرأة فيها بشكل إيجابي، وكانت المحرك الأساسي للأحداث بها، وهى كفيلة بأن تدحض مقولة عداوة توفيق الحكيم للمرأة.
(3)
ومع أننا ننفي أن تكون هناك عداوة حقيقية من توفيق الحكيم للمرأة، لا سيما في مسرحه، فإننا نجد في بعض مسرحياته عرضه لصراع المبدع بين الحياة ممثلة في المرأة، والفن ممثلاً فيما يبدعه من فن أو أدب، ويتجلى هذا الصراع في مسرحية “بجماليون”، ومسرحية “العش الهادئ”، ومسرحية “يا طالع الشجرة”.
وفي هذه المسرحيات نرى المبدع في صراع دائم بين أن يعيش لفنه فقط، ويعتزل الحياة ممثلة في المرأة، أو أن يعيش الحياة ويمتزج بها من خلال معايشته للمرأة ويهجر فنه، ولا يستطيع المبدع في هذه المسرحيات أن يحسم الصراع، فهو مشتت دائمًا بين الفن والحياة، ولديه إحساس بأنه لا يمكنه أن يجمع بينهما، ولا بد أن يضحي بجانب منهما ليضمن تحقيق الجانب الآخر، وغالبًا ما يضحي بالحياة ممثلة في المرأة ليضمن بقاء فنه له، ولكنه إذا ما فعل ذلك – كما في مسرحية “بجماليون” – مل من وحدته مع فنه، وشعر بعدم قدرته على مواصلة الحياة.
وكذلك نراه إذا استسلم للمرأة إذا به يعجز عن الإبداع – أو عن إتقان الإبداع – كما في مسرحية “العش الهادئ”.
وأحيانًا نرى المبدع – في مسرح توفيق الحكيم – لا يرى خلاصه إلا في التخلص من المرأة التي تقيد عليه إبداعه، عسى أن يعود جريان نهر إبداعه، كما فعل بهادر في مسرحية “يا طالع الشجرة” حين قتل زوجته؛ ليغذي بها شجرته؛ لتثمر له إبداعه المنتظر من خلال ثمرها الغريب الذي كان يتخيله.
(4)
ومن نماذج المرأة الغريبة التي صورها توفيق الحكيم في بعض مسرحياته المرأة البغي، وهى تلك المرأة التي تتاجر بجسدها، وتعيش من هذا العمل.
وهى نوع غريب من النساء موجود في كثير من المجتمعات، وصوره كثير من الأدباء في أدبهم.
وقد تناول توفيق الحكيم هذا النموذج من النساء في خمس مسرحيات له هى: مسرحية “لعبة الموت”، ومسرحية “الورطة”، ومسرحية “أعمال حره”، ومسرحية “أشواك السلام”، ومسرحية “السلطان الحائر”.
وهذا النموذج من النساء له سلوك خاص به، ولغة يتحدث بها.
ولا بد للأديب الذي يصور هذا النموذج من النساء أن يكون دقيق التصوير له عليمًا بحركاته وسكناته، وإلا كان مدلسًا يكتب من ذهنه دون أن يستند فيما يكتبه على الواقع.
وسوف نرى أن توفيق الحكيم قد أجاد في تصوير بعض النساء البغايا في بعض مسرحياته، في حين أنه لم يوفق في تصوير البعض الآخر منهن.
وفي ثلاث مسرحيات من مسرحياته الخمس التي تناول فيها شخصية البغي كانت البغي تضطلع بأدوار البطولة فيها، وهى مسرحية “لعبة الموت”، ومسرحية “الورطة”، ومسرحية “السلطان الحائر”.
وهناك مسرحيتان كان دور البغي فيهما ثانويًّا، وربما هامشيًّا جدًّا، وهما مسرحية “أعمال حرة”، ومسرحية “أشواك السلام”.
وفي المسرحيتين اللتين كان دور البغي فيهما ثانويًّا اكتفى توفيق الحكيم فيهما بأن يعرض المرأة البغي بالصفات المعروفة عنها من جرأتها ووقاحتها أحيانًا، وماديتها، وسعيها لاجتذاب الرجال إليها؛ لتنال أموالهم مقابل أن يستمتعوا بجسدها، وأنها لا ترى غضاضة في الحديث عن عملها، ولها تعبيرات وضحكات تعبر عن العمل الذي تقوم به، ويخالف الدين والمجتمع في آن واحد.
(5)
وفي مسرحية “أشواك السلام” يحاول شخص أن يتعرف على معلومات عن شاب دبلوماسي حسن الخلق، فيرسل إليه بغيًّا لتستدرجه في الكلام وتعرف منه بعض المعلومات، ولكن الشاب لا يهتم بها ولا يعيرها أي اهتمام، وعند ذلك تدعي المرض، فيقبل نحوها بدافع النخوة، ثم حين تفيق يتركها كأنها لم تكن.
وقد أجاد توفيق الحكيم تصوير هذه البغي، في كلامها، وفي وصف حركاتها على الرغم من المشهد القصير الذي ظهرت فيه في هذه المسرحية، وكذلك صوّر لنا توفيق الحكيم هذه البغي واثقة من نفسها، وقد تعجبت من إعراض هذا الشاب عنها؛ لأنها لا ترى فيمن حولها إلا رجالاً يتساقطون حولها، كما يتساقط الذباب على القمامة.
وتوفيق الحكيم في هذه المسرحية يؤكد أن الرجال المهذبين من الصعب أن يقعوا في مصائد هؤلاء النساء، كما أن هؤلاء النساء البغايا لا يتوانين عن فعل أي شيء في سبيل صيد الرجال الذين يرغبن في صيدهم، وكذلك لديهن حيل أخرى غير الإغراء بأجسادهن للوصول لمآربهن، مثلما رأينا ما فعلته هذه البغي حين تمارضت لتجذب انتباه هذا الشاب في تلك المسرحية.
(6)
وفي مسرحية “أعمال حرة” كان للمرأة البغي فيها دور أكبر مما رأيناه لها في مسرحية “أشواك السلام”، ومع ذلك فلا نستطيع أن نقول: إن دورها في هذه المسرحية كان الدور الرئيس بها.
والمرأة البغي في هذه المسرحية اسمها سهام، والاسم يمكن أن يعبر
– إلى حد ما – عن طبيعة الشخصية، فهى سهام تصوب على بعض الرجال؛ لتنال ما تريد منهم في مقابل أن يستمتعوا بجسدها.
وفي ظني أن المرأة البغي في هذه المسرحية هى أفضل نموذج للبغي صوره الحكيم في مسرحياته التي عرض فيها ذلك النوع من النساء، فقد أظهر لنا توفيق الحكيم هذه المرأة في حديثها وأفعالها متهتكة جريئة ووقحة أحيانًا، وتعرف كيف تغري بعض الرجال؛ ليقعوا في مصيدتها.
وعلى الرغم من أن حوار هذه المسرحية بالفصحى فقد أجاد توفيق الحكيم – مع ذلك – في إنطاق هذه البغي بالمفردات المناسبة لها، وجعل لها ضحكة مميزة تكررها كثيرًا حتى كأنها مفتاح لشخصيتها المتهتكة.
والمرأة البغي في مسرحية “أعمال حرة” يستخدمها مدير إحدى الشركات؛ لتسلية بعض الرجال المهمين الذين ترتبط بعض مصالحه بهم؛ ولهذا يطلب إليها هذا المدير أن تسامر سالم بيك، وحين تقول له: إنه لا يكتفي بسماع غنائها بل يريد أن يتلاطف معها ويلمسها، يشجعها على مجاراته في هذا، وتطلب إليه أن يقدم لها الثمن على استجابتها لملاطفاته، فيعطيها سوارًا ذهبيًّا كان في جيبه.
(7)
وفي مسرحية “الورطة” رأينا شوشو شريكة لرجلين يعملان باللصوصية، ونعرف من حوارها أنها كانت تعمل بالدعارة، ثم تعرفت على منير اللص، وصارت عشيقة له وشريكته في جرائمه مع زميله بسبس.
ولم يتعمق توفيق الحكيم في إظهار أغوار نفسية هذه البغي، على الرغم من أنها تضطلع بأحد أدوار البطولة في هذه المسرحية، واكتفى بأن يظهرها بالملامح العامة للمرأة البغي، فهى جريئة، ماجنة، ولا ضمير عندها يؤنبها على سلوكها وأفعالها، ويضاف لذلك في تكوين شخصيتها أنها لا رادع عندها يمنعها من ارتكاب أي جريمة بما في ذلك القتل لأشخاص أبرياء شأنها في ذلك شأن زميليها اللصين
وفي أحداث هذه المسرحية لا نرى من شوشو المرأة البغي، ولكننا نرى فيها العشيقة الشريكة للصين، ويأتي الحديث عن بغائها في ذكرها لبعض الحوادث الماضية عنها.
وقد صور توفيق الحكيم في مسرحية “لعبة الموت” امرأة بغيًّا قريبة مما عرضه سارتر في مسرحية “البغي الفاضلة”، فالمرأة البغي في مسرحية سارتر السالفة الذكر كانت مع عملها بالبغاء لديها بعض المبادئ.
وفي مسرحية “لعبة الموت” لتوفيق الحكيم نرى البغي فيها تلقب بكليوبترا، وقد أشيع عنها هذا اللقب؛ لأنها اشتهرت برقصة الثعبان، ومن المشهور أن كليوبترا القديمة ملكة مصر كانت قد انتحرت بلدغة ثعبان.
ويتكشف لنا نبل هذه المرأة مع تتابع الأحداث في المسرحية، ففي بدايتها تظهر على أنها امرأة راقصة تتاجر بجسدها؛ وقد جاءت في جناح بأحد الفنادق لتقابل رجلاً – نعرف أنه دكتور مؤرخ – لكي تقضي معه ليلة، وتقبض أجرتها على ذلك، كما هو المعتاد معها.
ولكننا نكتشف أن هذا الدكتور المؤرخ لم يحضر هذه الراقصة البغي ليتمتع بجسدها، بل لينتقم من خلالها بالحياة التي تصور أنها ظلمته، فقد مات ابنه الوحيد في حرب، وماتت زوجته بعده حزنًا عليه، وعرف أنه مصاب بالإشعاع الذري، وأمامه شهور معدودة في الدنيا، فأراد أن يعجل بموته، وينتقم من الحياة من خلال أشخاص يورطهم في قتله، ويعاقبون على ذلك، فيشعر أنه بهذا قد انتقم من هذه الحياة التي يرى أنها ظلمته.
وكان هذا الدكتور قد سجل في مسجل أنه في انتظار لفتاة ليل، وأنه سيفاجئها بأنه جعلها وريثته في وصيته؛ لترث أمواله الكثيرة، وسيعطيها الوصية، ويتوقع أن تسعى لقتله مع رفاق لها؛ لينالوا هذه الأموال سريعًا.
ويظل الدكتور معتقدًا خلال ثلاثة فصول من المسرحية أن الفتاة تجهز له خططًا مع بعض رفاقها كعشيقها الذي حدثته عنه لقتله، ولكننا نفاجأ مع ذلك الدكتور في الفصل الرابع أن هذه المرأة كانت قد كتبت تنازلاً في الوصية عن الأموال المذكورة فيها لتلاميذ هذا الدكتور، فهي ترى أنهم أولى منها بأمواله.
وحين يفاجئها الدكتور بالشريط الذي سجله لها تغضب منه، ثم تغتفر له خطأه؛ لأنه كان يائسًا من الحياة، ثم تدعوه ليتمسك بالحياة، وتقول له: إنها ستقف إلى جواره ولن تتخلى عنه للموت؛ وذلك لكونها تحبه، وتنتهي المسرحية وهى تقبله، وقد صار متمسكاً بها وبالحياة.
وكما نرى فالبغي هنا امرأة فاضلة، ويبقى التساؤل: هل الصورة التي وضعها توفيق الحكيم لها في هذه المسرحية مقنعة؟ وأجيب عن هذا السؤال فأقول: لا .. ليست صورة البغي هنا مقنعة، فقد عرفنا أنها عاشت بلا رعاية أب وأم، واستلمتها امرأة صاحبة حان، وعلمتها الرقص والفجور، فأنى لهذه المرأة أن يكون لديها مثل عليا، ونبل وشرف؟ وقد صدق الجاحظ في كتاب “القيان” حين قال: أنى للقينة أن تكون صاحبة خلق أو أن يردعها دين، وهى تنشأ من لدن طفولتها على الفجور، ولا تحفظ إلا شعرًا تتغنى به ليس فيه غير ذكر الخنا والفجور والحض على المعاصي.
وكذلك جعل توفيق الحكيم هذه المرأة تتحدث مع الدكتور المؤرخ بلغة عالية لا تناسب تكوينها الثقافي البسيط.
وحاول توفيق الحكيم أن يقارن بينها وبين كليوبترا التاريخية ملكة مصر، بل إنه من خلال عرضه نبل هذه المرأة رأى أن كليوبترا ملكة مصر القديمة ظلمها بعض المؤرخين والأدباء حين صوروها مجرد امرأة شهوانية انبهر يوليوس قيصر ثم مارك أنطونيو بجمالها وجسدها، ورأى أنها كانت تمتلك قلبًا كبيرًا وعقلاً مفكرًا؛ لأن شبيهتها وهى تلك الراقصة الملقبة باسمها كانت تظهر وجهًا يخالف حقيقتها في نبلها.
ولا شك أن البغي التي عرضها توفيق الحكيم في هذه المسرحية قد أخذت دور البطولة الكاملة فيها مع الدكتور المؤرخ، وللعلم فهذه المسرحية ذات الأربعة فصول ليس فيها غير شخصين، على الرغم من جوها البوليسي، ولعل توفيق الحكيم قد أراد أن تكون هذه المسرحية تجربة فنية، في أن يقوم بالتشخيص بها شخصان فقط، ولا يكون بها سوى منظر واحد، ومع ذلك تكون أحداثها فيها الجو البوليسي.
ومع أن هذه البغي تضطلع بالدور الرئيس فيها مع الدكتور المؤرخ، فإن توفيق الحكيم لم يقنعنا بتصرفاتها وأقوالها، ولا سيما في حواراتها الذهنية مع الدكتور عن الحياة والموت والسعادة، والمقارنة بينها وبين كليوبترا القديمة ملكة مصر زمن البطالمة.
(9)
وفي مسرحية “السلطان الحائر” نرى امرأة تتهم بالبغاء، ولكن حقيقتها غير ذلك تمامًا. وهذه المرأة تضطلع بالدور الرئيس في المسرحية مع السلطان والوزير والقاضي.
وقد أجاد توفيق الحكيم تصوير هذه المرأة، وأقنعنا بتصرفاتها وكلامها.
وفي بداية المسرحية نرى كثيرًا من الناس يرمونها بالفجور، ويرون بيتها بيت الخنا لاجتماع بعض الرجال فيه في المساء.
ولكننا نتعرف مع السلطان على حقيقتها؛ وذلك حين تطلب إليه أن يبيت في بيتها ليلة، بعد أن اشترته – فقد تولى السلطنة ولم يعتق، وكان لا بد من بيعه في مزاد علني، ويعتقه من يشتريه؛ ليصح حكمه للبلاد –.
وحينما مكث السلطان جزءًا من ليلة في بيت هذه المرأة اكتشف طهارة ذيلها، ونقاء شرفها، فهى تصاحب الرجال من أجل عقولهم لا من أجل أجسادهم، وتحكي للسلطان أنها كانت جارية عند سيدها التاجر الثري الذي أعتقها وتزوجها، وكانت تستمع من وراء الستار حوارات ضيوفه من الشعراء والمفكرين والمطربين. ولما مات زوجها لم تستطع أن تتوقف عن هذه العادة، فعادها زوار زوجها، وكانت تأنس بحديثهم، وتحول بيتها لصالون أدبي، ولكن ألسنة الناس اتهمتها بالبغاء.
ويعجب السلطان بأخلاق هذه المرأة، وبعد أن تعتقه يأمر وزيره بأن يشيع في الناس بأن يحسنوا معاملتها، وأن يشهر في البلاد أنها من خير النساء.
وقد أجاد توفيق الحكيم في إظهار جوانب كثيرة في هذه المرأة، فهى متكلمة مفوهة؛ ولهذا قطعت قاضي القضاة بحججها حين طلب إليها أن تعتق السلطان بعد أن اشترته، وكذلك أظهر توفيق الحكيم إيجابيتها حين سعت لإنقاذ رأس النخاس من يد السياف بحيلة دبرتها مع المؤذن، وذلك عندما طلبت إليه أن يؤخر آذان الفجر؛ حتى لا يقطع هذا السياف رأسه، ونجحت حيلتها، وأنقذت حياة هذا النخاس.
كذلك أظهرها توفيق الحكيم امرأة لا تنسى قلبها؛ ولهذا أعجبت بالسلطان، وتمنت لو تستطيع أن تمتلكه طول حياتها فلا يغادر بيتها، ولكنها تخلت عنه في النهاية؛ لإيمانها بأن الوطن في حاجة إليه كحاكم وقائد أشد من حاجتها هي إليه كرجل وحبيب وزوج.
وتمنت أيضًا لو يحبها السلطان ويتزوجها في النهاية، ولكن السلطان كان صريحًا معها حين حدثها عن حياته الخشنة التي لا تتوقف حروبه فيها مع المغول الذين قهرهم كثيرًا.
وقد امتلأت مسرحية “السلطان الحائر” بالمفارقات الكثيرة، ومن ذلك أن السلطان يتحول لعبد يباع، وإذا بالتي اشترته امرأة مشهورة بسوء السمعة، وأن هذه المرأة تفحم قاضي القضاة في حديثها معه، وهناك مفارقات أخرى عديدة في هذه المسرحية تعمل على وحدتها، وتقوي جو الصراع بها وتبث التشويق فيها، وتبقى إحدى المفارقات الكبيرة بها أن نكتشف أن المرأة المشهورة بين الناس بالبغاء إذا بها امرأة فاضلة بحق، بل هى أيضًا امرأة ذكية مفكرة كانت قد جعلت بيتها صالونًا أدبيًّا.
(10)
وبعد، فلقد رأينا المرأة البغي حاضرة في خمس مسرحيات من مسرحيات توفيق الحكيم، وكان حضورها مؤثرًا فيها حتى ولو كان دورها محدودًا في بعضها، وقد أجاد توفيق الحكيم تصويرها في أكثر هذه المسرحيات، بما يدل على أنه كان مندمجًا في مجتمعه عارفًا بالنماذج المختلفة منه، بما في ذلك نموذج النساء الساقطات فيه، ولم يكن بهذا في برج عاجي كما أشيع عنه.
والمسرحية الوحيدة التي لم يوفق توفيق الحكيم – في ظني – في تصوير المرأة البغي بها هى مسرحية “لعبة الموت”؛ لكونه لم يعرض صورة واقعية للمرأة البغي بها.
أما باقي المسرحيات التي صور توفيق الحكيم المرأة البغي بها فقد أجاد تصويرها فيها.
وكذلك أجاد توفيق الحكيم في تصوير المرأة التي اشتهر بين الناس وصفها بالبغاء، ولكنها كانت في حقيقة الأمر طاهرة نقية، وهى الغانية في مسرحية “السلطان الحائر”. عرض أقل



