الرحمةُ الإلهيَّة مفتاحُ فهمِ القرآن الكريم✍️ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
يصف القرآنُ الكريم النبيَّ محمدًا بأنه رحمة، ويذكرُ بوضوح أن هذه الرحمةَ عامة، لا تختصُّ بفرقةٍ أو جماعة، وإنما هي شاملةٌ لكل العالمين٥٢ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؛٥٣ فهو رحمةٌ مهداة لكلِّ العالمين وليس للمسلمين فقط، أو لفرقةٍ أو مذهبٍ خاصٍّ منهم، كما يظن لاهوتُ الفرقة الناجية. يقول ابن عربي: «فلا يبقى فيمن حوى عليه العرشُ مَن لا تصيبه الرحمةُ الإلهيَّةُ؛ وهو قوله تعالى:وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، والعرش وسع كلَّ شيء، والمُسْتَوِي الرحمنُ، فبحقيقته يكون سريانُ الرحمةِ في العالَم.»٥٤ إن الحضورَ الواسعَ للرحمة في القرآن ظاهرةٌ تستحقُّ دراسةً دلاليةً عميقة، تستند إلى المكاسبِ الجديدةِ في الألسنيات وعلوم الدلالة والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية.
ومع كلِّ هذا الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ في القرآن، وكونها إطارًا مرجعيًّا، نرى بوضوحٍ أنَّ معانيَ القرآن كلَّها تنشد الرحمة، وهو ما أهمله معظمُ المفسِّرين والفقهاء؛ إذ تغلَّبَت في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرون من مفسِّري القرآنِ وفقهاءِ الإسلام كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف،٥٥ مضافًا إلى ما تتَّسع له مصنَّفاتُ الحديث من روايات تُعَضِّدُ مضمونَها، هي الأشدَّ أثرًا والأوسعَ حضورًا في القولِ والفعلِ في الحياة السياسية لمجتمعات عالَم الإسلام.
مَنْ يريد أن يستكشف منطقَ الرحمة فعليه أن يعود إلى القرآن الكريم مباشرةً، لئلا يقع في شباك التفسيرات والمرويَّات المتراكمة، وأن يعتمدَ القرآنَ مرجعيةً يستكشف في هَدْيِهَا صورةَ الله، ومنطقَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها، والدلالاتِ القيميةَ العابرةَ لواقع الجزيرة العربية في عصر النبي ( ﷺ). آياتُ القرآن النازلة في سياق الدفاع عن الدعوة وحمايتها من أن يتم القضاء عليها وهي فتية، وكل ما يتضمَّنه مما يدعو للعنف، يجب أن نقرأها في سياق متطلَّبات الدعوة الظرفية التي فرضها المحيطُ الاجتماعي والزماني لعصر البعثة.
كلُّ بيئةِ تديُّنٍ تحتكرُ النجاةَ لفرقةٍ واحدةٍ غيرُ صالحةٍ لاستنباتِ الرحمةِ، اللاهوتُ والفقهُ الصِّراطي على الضدِّ من منطقِ الرحمة. لقد أضحى صوتُ مَنْ يدعو لإيقاظِ الرحمةِ وما يئول إليها في بيئاتِ التديُّن هذه نشازًا أحيانًا، وربما يُتَّهم مَنْ يدعو للرحمة بالجبنِ والخوفِ والهوانِ وحتى الخيانة، فيُدان دينيًّا ومجتمعيًّا.
إيمانُ الاستعباد عدوُّ الرحمة، الرحمةُ لا تجدُ الأرضَ الصالحة لاستنباتها ونموِّها إلَّا في مناخات إيمان الحرية. في أية مجتمعات يطغى صوتُ الأيديولوجيا ينهزم إيمانُ الحرية، وتبعًا لذلك تنحسر الرحمةُ. الأيديولوجيا لا يمكنها أن تتصالحَ مع إيمانِ الحرية؛ لأنها لا تنمو وتزدهرُ إلَّا في بيئاتِ تديُّنٍ يتسيَّدُ فيها إيمانُ الاستعباد، في مجتمعاتٍ تتحدَّثُ معتقداتُها لغةَ اللاهوتِ والفقهِ الصراطي.
على الرغم من أن الموقفَ الأخلاقيَّ يفرضُ على الإنسانِ أن يفضحَ منابعَ الكراهيةِ والتعصُّبِ بين البشر في تراثِه، مثلما يفضحها في تراثِ غيرِه، ويعترفَ بأخطاءِ تاريخِه مثلما يفضحُ أخطاءَ تاريخِ غيره، غير أن سطوةَ الأيديولوجيا أشدُّ من الأخلاق؛ لذلك تنهزمُ الأخلاقُ عندما يعلو صوتُ الأيديولوجيا، فيرضخ الأيديولوجي لما يفرضه عليه المعتقدُ من مواقفَ، وإن كانت تلك المواقفُ على الضدِّ من بداهاتِ الأخلاقِ التي يحكمُ بها العقلُ العملي.
هذه واحدةٌ من المشكلاتِ الموروثةِ في مجتمعات عالَم الإسلام، التي تنبغي دراستُها والكشفُ عن العواملِ المولِّدة لها والروافدِ الدينية والثقافيةِ والسياسية والاقتصادية الراقدةِ في أعماقِ شخصية الفرد والمجتمع التي تستقي منها. ولا ينجز ذلك إلَّا الإفادةُ من المناهجِ الحديثة، وتوظيفُها في تفسيرِ وتفكيكِ هذه المشكلة المزمنة، والعملُ على الخلاصِ من آثارها التدميرية في مجتمعاتِنا أمس واليوم. إن الواقعَ المريرَ الذي تغرق فيه هذه المجتمعاتُ يفرض عليها إيقاظَ صوتِ الرحمةِ في القرآن، ووَضْعه في نصابِه الحياتي الذي ينبغي أن يحتلَّه في التربيةِ والتعليمِ والعلاقاتِ الأسريةِ والاجتماعية.
(٤) احتكار النجاة
وردَ حديثُ الفرقةِ الناجية في الإسلامِ في السُّنَنِ وَالْمَسانِد؛ كَسُنَنِ أبي داود والتِّرْمذي والنَّسائي وغيرهم، ولفظُه: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً.»٥٦ واستلهمه أكثر المتكلمين في تشييد أسسِ انحصارِ الحقَّانيةِ والنجاةِ بمعتقداتهم، وكلٌّ يسعى لاحتكار ذلك للفرقةِ الناطق باسمها.
في فضاءِ انحصار الحقَّانية والنجاة تم رسمُ صورةِ الإله القومي والمذهبي والطائفي. الإلهُ القومي هو إلهٌ لجماعةٍ بشرية تنتمي لإثنيةٍ معيَّنة، والإلهُ المذهبي والطائفي هو إلهٌ لجماعةٍ بشرية أو مذهبٍ أو طائفةٍ خاصة فهو، وفقًا لصورته لدى من يعتقد به، ينشغلُ بها من دون غيرها من الناس، ويهبها كلَّ شيء، ويحرم غيرَها من كلِّ شيء، ويتساهل معها فيقبل منها كلَّ شيء مهما كان يسيرًا، ولا يقبل من غيرها كلَّ شيء حتى لو كان كبيرًا، وذا أثرٍ عظيمٍ في إسعادِ البشرية. إنه إلهٌ متحيِّزٌ لهذه الجماعة دائمًا، لا يعنيه غيرُها من البشر، مهما كانت إبداعاتُهم وآثارُهم في تطوير وسائل العيش وتأمينها، ومهما كانت منجزاتُهم وأعمالُهم في صناعة عالَمٍ أجمل لحياة الإنسان.
إن هاجسَ المتكلِّم هو إثباتُ حقَّانيةِ مقولاتِه الاعتقادية، وانحصارِ الحق فيها، والمحاججةُ لدحضِ الحقِّ والحقَّانيةِ عمَّا سواها. وتشكِّل هذه المقولات بمجموعها منظومةً اعتقاديةً واضحةَ الحدود، على نحوٍ يمكن الاستنادُ فيه إليها بوصفها معيارًا للتعرُّف على كلِّ ما يقعُ داخلها، ونفي كلِّ ما يقعُ خارجها.
ولما كانت المنظومةُ الاعتقاديةُ تتألَّفُ من رؤيةٍ للعالم، وتصوُّرٍ مصوغ بعناية لصورةِ الله، ونمطِ علاقة الإنسان به، وكيفيةِ الارتباط معه، فإنها تصيرُ مرجعيةً تنتظمُ في سياقها مدونةٌ فقهيةٌ ترتسم فيها أشكالُ العبادات والمعاملات والمواقف الحياتية للفرد والجماعة، على نحوٍ تتطابق فيه وجهةُ المدوَّنة الفقهية مع ما تؤشِّر إليه المنظومةُ الاعتقادية. وترى بعضُ المذاهب، خاصَّة السلفية، أن كلَّ ما هو خارج عنها من آراء وفتاوى اجتهادية في العبادات هو مروقٌ وابتداع.
وعادةً ما يُحكَم بالمروق على كلِّ من يتبنَّى مُعتقَدًا خارج الصور النمطية الراسخة لله عند الفرق الكلامية، في حين تكون النجاةُ في الآخرة هي المآل الطبيعي لأتباعِ هذه المنظومة الاعتقادية.
ولما كان منطقُ التفكير في علم الكلام يبتني على المنطق الأرسطي، فهذا يعني أن نظريةَ المعرفة في علم الكلام لا تقول بتعدد وجوه إدراك الحقيقة؛ لذلك لا يرى المتكلمُ إلَّا وجهًا واحدًا للحقيقة الدينيَّة، ينحصر الوصولُ إليه بطريق خاص، هذا الطريق هو ما يرسم إطارَه الفهم المغلق للنصوص الدينية، وما ينتجه من مقولات للمتكلم تبني هيكل معتقدات فرقته، وهي «الفرقة الناجية» دائمًا دون سواها.
إن تأويل النصوص الدينية يبتني على تعدُّد وجوه إدراك الحقيقة وتنوُّع الطرق إليها، ومن دون تأويل النصوص لا يمكن أن يتنوع فهمُها، تبعًا لتنوُّع فهم المتكلمين وأزمنتهم. وكثيرًا ما يقود الفهمُ المغلق إلى تكفير المختلف في المعتقد، عندما يفضي تأويلُه لآيات القرآن إلى فهمها بنحوٍ لا يطابق الفهمَ المغلقَ على معنًى واحد نهائي.
أحيانًا يقود تنوُّعُ العبارات وتعدُّدُ فهمها ليس للتكفير فقط، بل والحكم بالقتل أيضًا، وهو ما حذَّر منه واستهجنه بعضُ الأعلام بشدَّة، حتى اصطلح على مَن تنتهي مصائرُهم إلى أن يكونوا ضحيةً لذلك ﺑ «قتلى العبارات»؛ إذ يقول: «لا يلعبنَّ بك اختلافُ العبارات، فإنه إذا بُعثر ما في القبور، وأُحضر البشرُ في عرض الله تعالى يوم القيامة، لعلَّ من كل ألفٍ تسعمائة وتسعًا وتسعين يبعثون من أجداثهم، وهم: قتلى العبارات، ذبائح سيوف الإشارات، وعليهم دماؤها وجروحها، غفلوا المعاني فضيَّعوا المباني.»٥٧
لقد أسرفَ متكلمو الفرقِ في الإسلام بتكفيرِ من لا يعتقدُ معتقدَهم، ولم تتخلصْ أيةُ فرقةٍ من تورُّط بعضِ متكلميها في تكفير المختلف، وإن كان ينتمي للفرقةِ ذاتها، إن اجتهدَ فتخطى الحدودَ المرسومةَ للاعتقاد. حتى المعتزلة، الذين اشتهروا بأنهم ممثِّلو العقلانية في الإسلام، تورَّطَ بعضُ متكلميهم بالتكفير. يقول أبو حيان التوحيدي: «إن الجبائيَّين المعتزليَّين، أبا علي٥٨ — أستاذ الأشعري — وابنه أبا هاشم،٥٩ لم يكن أحدُهما يتورع عن قذف الآخر بالكفر. كما أن أختَ أبي هاشم، لم تكن، هي الأخرى، تتورَّعُ عن إلصاق نفس التهمة بأخيها وأبيها معًا.»٦٠
حاول المتكلِّمون التوكُّؤَ على المدوَّنة الحديثية في خلع المشروعية النصِّية على مقولاتهم لتبرير موقفهم الاعتقادي؛ إذ تداولوا مروياتٍ نبويةً تتحدَّث عن الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وشاع في آثارهم حديثُ الفرقة الناجية الذي أوردناه فيما سبق.٦١ واعتاد مؤلفو الفرق أن يبدءوا كتبَهم بحديث افتراق الأمة، بهدف تبريرِ حقَّانية الفرقة التي ينتمون إليها، وبطلان ما سواها من الفرق الأخرى. وهو حديثٌ موضوع؛ يؤكِّد أن الفرقةَ الناجيةَ دائمًا واحدةٌ، أي إن هناك فرقةً معينة هي من تحتكر النجاةَ لنفسها، والهلاك لما سواها. الخلاصُ دائمًا نصيبُ فرقةٍ واحدةٍ لا تتعدَّد، والعذابُ نصيبُ عشراتِ الفرق الأخرى غيرها، مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها.
وبمرور الزمن تفشَّى لاهوتٌ صراطي في التفكيرِ الكلامي، لا يقبل في دائرةِ الإيمانِ والنجاةِ إلَّا الفرقةَ الناجية، في حين يُخرج كلَّ فرقةٍ أخرى غيرها من دائرةِ الإيمان، ولا يمنحها حقَّ النجاةِ مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها.٦٢ وبذلك سقط حقُّ كلِّ إنسان في أن يعتقدَ بما يراه حقًّا، وتم تعطيلُ دلالةِ آية: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ،٦٣ وغيرها من آيات قرآنية، لصالحِ انحصارِ الحقَّانيةِ والنجاةِ بفرقة واحدة. ولم يعبَأ المتكلِّمون بحقِّ الناس وحريتِهم في الاعتقاد، بالرغم من أن الاعتقادَ لا يمكن التحكُّمُ به من الخارج؛ لأنه أمرٌ باطني خارج وسائل المنع والردع والإكراه وحتى التعذيب. ما يمكنُ التحكُّمُ به هو التعبيرُ عن المعتقد.
كما أُهملت دلالةُ آيات عديدة تتحدث عن الحرية في الاعتقاد، ومنها: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ،٦٤ وكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ،٦٥ ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،٦٦ ووَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ،٦٧ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.٦٨
في لاهوتٍ يحتفي بكرامة الإنسان ويحمي حرياتِه وحقوقه، فإن حمايةَ السلم المجتمعي تفرض منعَ التعبير العنيف عن المعتقد، بوصف هذا الضرب من التعبير اعتداءً على حياةِ الفردِ والمجتمعِ، سواء كان ذلك التعبيرُ جسديًّا أو لفظيًّا أو رمزيًّا.
بموازاة تخندق التفكير الكلامي في قوالب المنطق الأرسطي، تحرَّر تفكيرُ التصوف الفلسفي من تلك القوالب الصارمة، فتغلَّب عليها وصار يفكِّر خارجها بحرية لا تسمح بها قواعدُ هذا المنطق ومقولاتُه ومحاججاتُه وأدواتُه. انفردت كتاباتُ محيي الدين بن عربي وأمثاله في أنها فتحت آفاقًا للتأويل، تتخطَّى الفهمَ الحرفي المغلق للنصوص الدينية.
بما أن نظريةَ المعرفة في التصوُّف الفلسفي لا تبتني على المنطق الأرسطي؛ فهي تقبل تنوع معرفة الحقيقة وتعدد الطرق إليها، كما ترى أن تصور الحقيقة الدينية يختلف باختلاف الطرق إليها، ما دام طريقها في علم الكلام واحدًا لا يقبل التعدد؛ فهو ينفي كل طريق غيره. بناءً على ذلك الفهم المختلف للحقيقة الدينية تبلور موقفٌ بديلٌ في التصوف المعرفي لا يحتكرُ الوصولَ إلى الله بطريقٍ خاصٍّ كما يقول المتكلمون، ويقدِّم ذلك الموقف فهمًا يتسع للتنوع والتعددية في الأديان، بوصفها تجلياتٍ مختلفةً للحقيقة الدينية، وصورًا متنوعةً لوجوهها، وأساليبَ متعددة للتعبير عنها، ومصابيح متنوعة تكشف عن النور الأبدي الذي حقيقته واحدة. وعلى أساس مفهوم المعرفة الدينية هذا خلص المتصوفةُ للقول بتنوع طرق الوصول إلى الله، وهذا هو معنى الاعتراف بحق الاختلاف في المعتقد، الذي هو أساس قبول التعددية الدينية والعيش المشترك.
لم يحتكر التصوُّفُ الفلسفي النجاةَ ولم يختصَّ الخلاص في رأي أعلامه بديانة أو فرقة أو مذهب أو طائفة أو جماعة؛ لأن احتكار النجاة ضربٌ من احتكارِ فهم النصوص المقدسة. يرى محيي الدين بن عربي أن الاختلافَ في تفسير مدلول كلام الله يعني فهم الكل لمراد الله وإن اختلفوا، وكأنه يشيرُ إلى أن الكلَّ يرون ذلك النور، على الرغمِ من اختلافِ المنظارِ الذي ينظرون فيه إلى ذلك النور، وهو ما يشي به قوله: «كلامُ اللهِ إذا نزلَ بلسانِ قومٍ، فاختلفَ أهلُ ذلك اللسان بالفهمِ عن اللهِ ما أراده بتلك الكلمة أو الكلمات مع اختلاف مدلولاتها؛ فكلُّ واحدٍ منهم وإن اختلفوا فقد فهمَ عن اللهِ ما أراده، فإنه عالِمٌ بجميع الوجوه تعالى، وما من وجهٍ إلا وهو مقصودٌ لله تعالى بالنسبة إلى هذا الشخص المعين، ما لم يخرج من اللسان فإن خرجَ فلا فهمَ ولا علمَ.»٦٩
وهذا ما نجده بوضوح في آثار أعلام التصوُّف الفلسفي، فلا نقرأ في مدونته مواقفَ وكلماتٍ تنصُّ على تكفير المختلف في العقيدة أو فتاوى تسوِّغ قتله، حتى إن ابنَ عربي يستهجن عمليةَ التكفير ويصنِّفها بأنها ردٌّ على كتاب الله، وضربٌ من التحجير على رحمته، فيقول: «إن ذلك ردٌّ على كتاب الله وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله.»٧٠ ويقول: «إن الرحمةَ هي السلطانةُ الماضيةُ الحكم على الدوام.»٧١
إن الاختلافَ في تصورات الإنسان عن الله ينتهي لا محالة إلى تعدُّد الأديان وتنوُّع الطرق إليه. إن صورةَ الله هي أولُ ممارسةٍ تأويليةٍ اجترحها البشر؛ إذ نحتَ أولُ البشر على صورتهم صورةً لله، ثم استمرَّ بنو آدم يصوِّرون اللهَ على وفق صورِهم المتنوِّعة، المنتزَعةِ من عوالمهم المختلفة. بنو آدم لا صورةَ نهائية يصلون إليها؛ لذا فإن اللهَ لا صورةَ نهائية له. على الرغم من أن الإنسانَ كائنٌ متناهٍ غير أن تأويلَه لا يتوقَّف ولا ينتهي. يظل الإنسانُ في مسعًى أبديٍّ للعثور على صورة أخيرة لله، وهو لا يدري أن كنهَ الله وحقيقته لا يعرفها إلَّا الله، يقول ابنُ عربي: «لا يعرف الله إلَّا الله.»٧٢



