الرحمةُ الإلهيَّة مفتاحُ فهمِ القرآن الكريم✍️ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
(٥) السلمُ هو الهدفُ المحوري للقرآن
الحربُ تفريغٌ عنيفٌ لغريزة العدوان لدى الإنسان، متى ما عجز الإنسانُ عن التفريغ السلمي لغريزة العدوان تفجَّرت الحربُ في حياته. يذهبُ علمُ النفس الحديث إلى أن الإنسانَ تتنازعه غريزتان؛ الأولى: غريزة البقاء؛ لذلك نراه يعملُ كلَّ شيء من أجل الاحتفاظ بحياته واستمرار البقاء في هذا العالم. والثانية: غريزة العدوان، وعنها تتوالد الكراهيةُ والحربُ وما تفضي إليه من موتٍ للإنسان وتدمير وتخريب للعمران. ما لم يتخلص الإنسانُ من الحرب، ويكُن قادرًا على التحكُّمِ بها، لا يمكنه امتلاكُ وسائل العمران، والتحكُّم بتوظيف طاقاته التي تستنزفها الحربُ في بناء الحضارة.
يتطلَّبُ القضاءُ على الحرب وترسيخُ السلامِ حربًا مضادَّة، إن كان معاشُ المجتمع يقومُ على الغزو، وتتحكم الحربُ في رسم علاقاته، وتعمل على تشكيل نمط اقتصاده، كما هو مجتمع الجزيرة العربية في عصر البعثة. بالرغم من أنَّ السِّلمَ وليس الحرب هو الهدفُ المحوري للقرآن، فإن طبيعةَ الحياة في مجتمع البعثة فرضت أن يتحدَّث القرآنُ بلغة لا تخلو في بعض المواضع من العنف. وقد فوجئتُ بفعلٍ غريبٍ قبل سنوات قام به أحدُ الكتَّاب؛ إذ عمل على حذف كلِّ آيةٍ تشي دلالتُها بما يشيرُ للعنفِ في القرآن الكريم، ووزَّع نسخة محدودة التداول على بعض القراء. ورأيتُ جماعةً من الكتَّاب والخطباء يلتمسون السبلَ المختلفةَ لنفي العنف في لغة القرآن، والتشديدِ على أن لغتَه لا تتضمن سوى السلام والتراحم، وليس فيها أيُّ حضور للعنف. وقد ألجأهم لذلك الموقف الاعتذاري تفجُّرُ العنف الفاشي للجماعات التكفيرية، وتسويغُها جرائمَها بآيات وأحاديث وفتاوى تحيل إلى كتب التفسير والحديث والفقه.
إن كلَّ من يقرأ القرآنَ يجد العنفَ ماثلًا بتعبيراتٍ مختلفة في بعضِ آياته، فمثلًا وردت كلمةُ «قتال» والكلماتُ ذات الصلة بها في القرآن بحدود ١٧٠ مرة.٧٣ ويعود نفيُ وجود أي شكلٍ للعنف في لغة القرآن إلى تجاهلِ سياقات النزول في محيط الجزيرة العربية، الذي يتشكَّل من عناصرَ دينيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ وجغرافيةٍ تختصُّ به. وكل من يعرف محيطَ الجزيرة الذي احتضن نزولَ القرآن لا يمكنه إنكارُ بصمة بيئة عصر البعثة فيه. ويمكن القول: إن القرآنَ مرآةٌ تعكس الملامحَ الواضحة للحياة العربية في الجزيرة عصر البعثة. ومن هذه الملامح أنها حياةٌ معروفةٌ بخشونتها القاسية وتعبيراتها العنيفة، وهو ما تجلَّى في شيءٍ من أساليب اللغة العربية وانطبع في شيءٍ من ألفاظها. لا يمكن أن يخاطب القرآنُ أو أيُّ كتاب مقدَّس مجتمعًا من دون أن يمتلك لغتَه، أو يتحدَّث معه بما هو خارج مقدرة عقله على الإدراك والفهم. رُوي عن النبي ( ﷺ) أنه قال: «أُمرنا معاشر الأنبياء أن نكلِّم الناس على قدر عقولهم.»٧٤
اللغةُ ليست وعاءً أجوف، بل هي مكوِّنٌ لهوية الكائن البشري العقلية والروحية والعاطفية، وعندما ينشد صاحبُ رسالة أن يوقظ روحَ مجتمعٍ وعقلَه وضميرَه، فإنه لا يلتقط كلماتٍ محدَّدةً من لغته، فيما يستبعد معجمَ اللغة الواسعَ كلَّه؛ إذ لا يمكن إبلاغُ الرسالة من دون استثمار الرأسمال اللفظي المتداوَل في اللغة.
العنفُ ظاهرةٌ ليست غريبةً على البشر، وقد كان العنفُ في العالم القديم أشدَّ حضورًا، وكلَّما تطوَّر الوعي تحضَّرتْ حياةُ الإنسان واتسعتْ مساهمةُ الوسائل السلمية في حل نزاعاته، وإن كان العنفُ يتخذ أشكالًا أشدَّ خفاءً وخبثًا مع تطوُّر الوعي البشري. كان العنفُ أحدَ الأمراض المتوطنة في الجزيرة العربية، فأرسل اللهُ لهم رسولًا معه كتابٌ يداوي أمراضَ الروح والقلب والعقل. وفي كلِّ حالات الإدمان المرضي الخطيرة لا يكون الدواءُ إلَّا من جنس الداء، فمدمنو المخدراتِ وغيرِها يبدأ علاجُهم بجرعات مخفَّفة منها بالتدريج، وربما تتواصل سنوات حتى يشفى المدمن.
لا يمكن أن يخاطب النبيُّ الكريم ( ﷺ) الناسَ بلغة خاصة هو يبتكرها، أو ينتقي كلماتٍ من لغتهم ويترك ما هو متداولٌ من ألفاظها وعباراتها؛ لأن مثلَ هذه اللغة المُخترَعة أو المنتقاة تعجز عن التواصل معهم، وربما لا يعثر على متلقٍّ يُصغي إليه؛ لذلك فرضَ معجمُ اللغة وسياقاتُ مجتمع الجزيرة في عصر البعثة على النبي هذا النمطَ من الخطاب؛ إذ لا يمكنه أن يتحدَّثَ مع القوم خارج وَعْيهم والبنية اللاشعورية اللغوية الغاطسة لديهم. وعلى الرغم من أن لغةَ القرآن اهتمَّت بكلِّ ما يحطم أغلالَ العقل، ويحيي الروحَ، ويوقظ الضميرَ الأخلاقي، لكنَّ المجالَ التداولي للعربية ونمطَ ثقافة المجتمع فرضا على لغة القرآن ألَّا تخرج كلِّيًّا عن أساليب الخطاب المعروفة فيه.
العنفُ الذي ظهر في الغزوات وعصر البعثة ينتمي إلى طبيعةِ المجتمع العربي وقتئذٍ، وعجزِ الوسائل السلمية للدعوة في مثل هذا المجتمع عن إنجاز وعودها؛ لذلك اضطرَّ النبي محمد ( ﷺ) للهجرة وبناء قاعدة الإسلام في المدينة.
مفتاحُ دراسة العنف في لغة القرآن هو معرفةُ نمط حياة الأمة التي نزل فيها، وبنيةُ لغتها، وأساليبُ تعبيرها. إن ألفاظَ اللغة ومصطلحاتِ معجمها وأساليبَ بيانها، والحضورَ المتنوِّع للعنف في الحياة العربية، وأثرَه الواضح في رسم أنماط العلاقات المجتمعية في عصر البعثة، كلها كانت قيودًا ضاقَت بسعة الرحمة الإلهية، وعجزَت عن أن تستوعب تجلِّياتِ الرحمة في شخصية ودعوة المبعوث رحمةً للعالمين.
النبيُّ محمد ( ﷺ) أحدُ أعظم دعاة الحرية، ومن أرسَوا أسسَها في التاريخ البشري، عاش في مجتمع يؤسِّس العنفُ حياتَه، ويحوك العنفُ نسيجَ علاقاته الاجتماعية، وتنبثق من العنف تقاليدُه وعاداتُه، والعنفُ مادةُ أحكام الجزاءِ والعقوباتِ لجرائمه وجُنَحِه وجناياتِه، ويرفد العنفُ معيشتَه، ويؤثِّر في نمط اقتصاده، بل يغذِّي العنفُ لغتَه، وتتوالد هذه اللغةُ في فضاءاته، إنها لغةٌ ينتجها ويحتضنها ويكرِّسها العنفُ. في مثل هذا المجتمع لا يمكن لثائرٍ على كلِّ أشكالِ الاستعبادِ وهتكِ الكرامة البشرية، إلَّا أن يستعيرَ شيئًا من عنف لغة المجتمع الذي يخاطبه بدعوته، ويتسلَّحَ بمواقف صارمة؛ لا تخور أمام عنف لغتهم، ولا تنهزم أمام عدوانيتهم، ولا تتراجع أمام توحُّش بعضهم. لغةُ العنف في آيات القرآن تعكس أنطولوجيا لغويةً عنيفةً كانت ماثلةً في الحياة العربية. وأيَّةُ محاولة تُخفي ذلك فإنها تسيء للقرآن، عندما تتنكَّر لما هو واضحٌ صريح فيه.
الحريةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية؛ لم تولد دفعةً واحدة مكتملة ناجزة نهائية، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى الحرية بمعناها المعروف اليوم عبورَ عِدَّة محطات موجعة. كانت ولادةُ الحرية شاقةً، ثم نمَت بالتدريج، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلَّبَ استنباتُ الحرية طيَّ مراحل تطوَّرت فيها عبر آلاف السنين، فتراكمَت فيها: المعتقداتُ والمفاهيم والجهود المتواصلة من أجل الحرية، والتي قام بها دعاتها المؤمنون بها في التاريخ.
مفهومُ الحرية تاريخي، فعندما نواكبُ نشأتَه وتطوُّره نراه في كل مرحلة يتكاملُ ويتَّسعُ ويترسَّخُ؛ لذلك كان هذا المفهومُ عند فلاسفة العصر اليوناني أضيقَ منه في العصر الحديث. في كل عصر ترسمُ الأديانُ حدودَ الحرية، مضافةً إلى مختلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها الإنسانُ. ومؤسِّسوها يتفوقون على منطق عصرهم، فيطرحون مفهومًا طموحًا؛ أعمقَ وأوسع وأشمل وأغنى لها، لكن مفهومهم هذا يظلُّ غير نهائي؛ ذلك أن الحريةَ كانت وما زالت في طور صيرورة وتشكُّل، يتناغمُ مع المعطيات المتنوعة للاجتماع البشري والإيقاع المتعدد لأنماط الواقع.
ويظل السِّلْمُ وليس الحرب هو الهدف المركزي الذي يرمي إليه القرآنُ. القاعدةُ التي أسَّسها القرآنُ هي السِّلْم كما تتحدَّث عنه كثيرٌ من الآيات، ومنها هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.٧٥ إذ ورد «السِّلْمُ» والكلمات ذات الصلة به في القرآن بحدود ١٤٠ مرة.٧٦ وجاءت كلمةُ الحرب ومشتقاتُها في القرآن ٦ مرات. وشرَّع القرآنُ الحربَ في ذلك العصر لتثبيتِ أقدامه، ولرفعِ الاضطهاد وردعِ العدوان، ولكي يؤسِّس للسِّلْمِ الدائم. وإلَّا فكيف بكتابٍ يقوم منطقُه الداخلي على الرحمة ولا ينشد إلَّا التراحمَ أن يضادَّ منطقَه وينقضَ رسالتَه؟!
في ضوء الفهم الذي قرَّرناه فيما سبق من أن الرحمةَ الإلهية هي مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن، تكون الرحمةُ في القرآن أصلًا كليًّا يتسعُ لكلِّ الأزمنة ويستوعبُ كلَّ الحالات، ويكونُ كلُّ ما يعارضها مختصًّا بزمان وحالة معينة.٧٧
قراءةُ آيات القرآن بحسٍّ تاريخي تقودنا إلى فهمِ العنف في لغته؛ بوصفها ضرورةً ظرفيةً فرضَتها طبائعُ المجتمع الذي نزل فيه، والمعجمُ اللغوي الذي كان يتحدَّثه ذلك المجتمع. أما ما هو أبدي في القرآن وما تهدف إليه رسالتُه، فهو: بناءُ مرتكزات راسخة للسِّلْمِ العالمي الدائم، وحمايةُ الكرامة البشرية، وإرساءُ أسس إنسانية كونية ترفد كلَّ مشترك قيمي بين البشر، وتنميةُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، وإثراءُ كل ما يلهم المحبةَ والشفقةَ والتراحُمَ في حياة الفرد والجماعة.
يظل الدينُ بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي مشروعًا ينشدُ تكريسَ إنسانية الإنسان، ولا يمكن له تحقيقُ ذلك من دون الإعلاء من الكرامة البشرية، وحمايتها من أيِّ شكل للانتهاك. الدينُ يرى الكرامةَ بوصفها تمثِّل أحدَ مكونات الكينونة الوجودية للإنسان، أي إنَّ الكرامةَ قيمةٌ أنطولوجية عميقة، لا إنسانيَّة للإنسان من دونها.
على الرغم من حضورِ لغة عصر القرآن والثقافةِ المحلية للمجتمع الذي نزل فيه في بعض آياته، فإن ذلك لم يحجب رسالةَ القرآن الكلية عن البشرية، ولم يعطِّل ما هو أبديٌّ في هذا الكتاب من المفاهيمِ المحورية العقائدية والروحية والأخلاقية، الناطقةِ باسم الإنسان في كل زمان ومكان؛ فقد كانت هذه المفاهيمُ وما زالت وستبقى ملهمةً لحياة المسلم على الدوام، وإن كان تَمَثُّلُها في حياة الإنسان متنوِّعًا مختلفًا، على وفق طبيعة المجتمعات وثقافاتها وتمدُّنها ودرجة تطورها الحضاري، وكذلك يتنوَّع تمثُّلُها بتنوُّع الأفرادِ وطبيعةِ نشأتهم وتربيتهم وأحوالهم وثقافاتهم.٧٨
كلُّ من يعرف نشأةَ الأديان، سواء كانت وحيانيَّةً أو غيرها، يعرف الأثرَ السحري الذي تحدثه كتبُها المقدَّسة في أرواح وقلوب وعقول المؤمنين بها، فلا نجدُ كتابًا أشدَّ حضورًا وتأثيرًا في حياة الناس الروحية والأخلاقية ومشاعرهم من الكتب المقدسة. ليس كلُّ كتب الأديان تمكَّنت من إنتاج حضارات رائدة، الحضورُ الشديد الأثر للقرآن في العالم يكشف عن فرادةِ صوت الله فيه، وقدرتِه الاستثنائية على أسر القلوب والأرواح. كان وسيظل الفعلُ الحضاري للقرآن عظيمًا، وتعكس مكاسبُ الحضارة الإسلامية الصورةَ الناطقةَ للقرآن في التاريخ.



