الرحمةُ الإلهيَّة مفتاحُ فهمِ القرآن الكريم✍️ الدكتور عبد الجبار الرفاعي

(١) الرحمةُ صوتُ الله
الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين. لا يؤتي الدينُ ثمارَه ما لم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرغ من الرحمة يفتقدُ رسالته الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري. الرحمةُ حالةٌ عامةٌ لا تُخصَّص، تفيضها الروحُ الرحيمةُ على الكل. القراءاتُ الاختزالية لنصوص الكتب المقدسة أنتجتْ لاهوتًا صراطيًّا؛١ يُخصِّص الرحمة بمن يعتقد بها، بمعنى أن هذه القراءات انتهت بكلِّ دينٍ إلى أن يرى نفسَه هو الحق وما سواه باطل، وأنَّ أتباعَه هم المفلحون، فهم وحدهم الذين يستحقُّون الرحمةَ ويظفرون بالخلاصِ ويفوزون بالنجاةِ.
استند اللاهوتُ الصراطي في الأديانِ الإبراهيميةِ على شيءٍ مما ورد في كتبها المقدَّسة، مما يشير إلى انحصار النَّجاة في الاعتقاد بها، فقرأها قراءةً حرفية، وفهمها خارجَ زمانها والواقع الذي ظهرت فيه الديانةُ، وتمسك بأبديَّتها بعد أن أهدر السياقَ التاريخي والظروف التي صدرت فيها، وأهمل نصوصًا كثيرة بموازاتها تشدِّد على الرحمة.
مثالٌ على انحصارِ النجاة وتفوُّقِ المعتقدين بهذا الدين على غيرهم من الناس ما جاءَ في التوراة من أن اليهود: «شعبٌ مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الربُّ لكي تكون له شعبًا خاصًّا فوق جميع الشعوبِ الذين على وجه الأرض.»٢ «أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب … وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتُكم من الشعوب لتكونوا لي.»٣
واشتهر عن المسيحية أيضًا أن: «لا خلاصَ خارج الكنيسة»، وإن كانت هذه العبارةُ تغضب الكثيرَ من المسيحيين اليوم، والعبارةُ المتفَقُ عليها عندهم هي: «لا خلاص إلَّا بدم المسيح وحده.» إذ يقول الرسولُ بولس: «بدون سفك دم لا تحدث مغفرة.»٤ وذلك تعبيرٌ صريح عن انحصارِ الخلاص؛ إذ لا مغفرةَ وخلاصَ ونجاة خارجَ الاعتقادِ بالمسيح وصليبه.
على الرغم من أن الرحمةَ وردت في الكتاب المقدَّس في أكثر من موضع، مثل: «امتلأت الأرضُ من رحمةِ الرب.»٥ «وَلِذلِكَ يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَاءَفَ عَلَيْكُمْ. وَلِذلِكَ يَقُومُ لِيَرْحَمَكُمْ؛ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهُ حَق. طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ.»٦ «كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ.»٧ «يا رَبِّ اذكُرْ حَنانَكَ ومَراحِمَكَ فإِنَّها قائِمةٌ مُنذُ أَزَلك.»٨ «إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً.»٩
لقد تجاوزَت الكنيسة الكاثوليكية لاهوتيًّا مقولة «انحصار الخلاص» في مجمع الفاتيكان الثاني ١٩٦٢–١٩٦٥م، عندما منح المجمعُ الخلاصَ لكلِّ المؤمنين، وإن كانوا خارجَ الكنيسة؛ إذ أصدر البابا بولس السادس وثيقة نوسترا إيتاتي.١٠ وتنص هذه الوثيقةُ في مقدِّمتها على أن: «كل الشعوب جماعة واحدة ولها أصل واحد؛ لأن الله هو الذي أسكن الجنس البشري بأسره على وجه الأرض كلِّها، ولهم غاية أخيرة واحدة، وهي الله الذي يشمل الجميع بعنايته.» وفي الفقرة الثانية منها تتحدَّث عن الموقف من مختلف الديانات غير المسيحية، فتشير إلى أن: «الكنيسة الكاثوليكية لا ترذل شيئًا مما هو حق ومقدَّس في هذه الديانات، بل تنظر بعين الاحترام والصراحة إلى تلك الطرق، طرق المسلك والحياة، وإلى تلك القواعد والتعاليم التي غالبًا ما تحمل شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير كل الناس، بالرغم من أنها تختلف في كثيرٍ من النقاط عن تلك التي تتمسَّك بها هي نفسها وتعرضها.» وفي الفقرة الثالثة تتحدَّث عن الموقف من الديانة الإسلامية فتقول: «وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضًا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد، الحي القيوم، الرحيم الضابط الكل، خالق السماء والأرض، المكلِّم البشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكلِّيتهم حتى لأوامر الله الخفيَّة، كما يخضع له إبراهيم الذي يسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. وأنهم يجلُّون يسوع كنبيٍّ، وإن لم يعترفوا به كإله، ويكرِّمون مريم أمه العذراء، كما أنهم يدعونها أحيانًا بتقوى. علاوة على ذلك أنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت، ويعتبرون أيضًا الحياة الأخلاقية. ويؤدُّون العبادة لله ولا سيما بالصلاة والزكاة والصوم. وإذا كانت قد نشأت على مرِّ القرون منازعاتٌ وعداواتٌ كثيرة بين المسيحيين والمسلمين، فالمَجمَع المقدَّس يحضُّ الجميع على أن يتناسَوا الماضي، وينصرفوا بالخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعززوا معًا: العدالة الاجتماعية، والخيور الأخلاقية، والسلام، والحرية، لفائدة جميع الناس.»١١
وهذا يعني أن الفاتيكان استطاع ولو متأخِّرًا أن يتناغمَ ومنطقَ الحقوقِ والحريات الحديث، لكن ما زالت أنساقُ اللاهوت الصراطي تغذِّي مشاعرَ عددٍ غيرِ قليل من المسيحيين ممن لا يزالون يظنون أن لا خلاص خارجَ حدودِ الكنيسة.
واشتهر حديثُ الفرقةِ الناجية في الإسلامِ، الذي وردَ في السُّنَن والمَسانِد؛ كسُنن أبي داود والتِّرْمِذي والنَّسائي وغيرهم، ولفظُه: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً.»١٢
في ضوءِ هذا الحديث لم تحتكر أكثرُ الفرق النجاةَ لكل المسلمين، بل احتكرتها لها خاصَّة، فصار أتباعُ كلِّ فرقة يعتقدون بأنهم وحدهم الذين يختصُّهم اللهُ بالحقيقة والحق، وهم فقط من يرحمهم ويقبل أعمالَهم ويشملهم بالنجاة. وربما تتفاقم نزعةُ الاستحواذ على الرحمة الإلهية فتتحول إلى حالة تتملَّك مشاعرَ بعض الناس، فيحسب أنه هو فقط ونبيَّه أو وليَّه من يختصُّ بهذه الرحمة. فقد ورد أن: «رسول الله ( ﷺ) قام في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي، وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا. فلما سلَّم النبي قال للأعرابي: لقد حجرت واسعًا.»١٣ يريد النبي الكريم ( ﷺ) تفهيمَ الرجل أن رحمةَ الله واسعةٌ؛ فليس بيدك حصرُها والتحجيرُ عليها.
لم يكن اللهُ في تصورِ اللاهوتِ الصِّراطي إلهًا للعالَمين ولا إلهًا للنَّاس أجمعين، وإنما كان اللهُ إلهًا يختصُّ بديانةِ من يعتقد بهذا اللاهوت، وكلما ضاقَت دائرةُ الاعتقادِ ضاقت حدودُ صورة الله تبعًا لها، فصاحبُ الفرقةِ يعتقدُ بأن اللهَ إلهُه فقط دون غيره من الناس، وربما تتشظَّى الفرقةُ الواحدة فتصير عدةَ جماعات، كلٌّ منها يعتقدُ بأنه يحتكرُ صورةَ الله له.
اللاهوتُ الصراطي يغرسُ في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصَّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذِّي ذلك على الدوام اعتقادُه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. يظلُّ صاحبُ المعتقدِ الصراطي يتوهمُ بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله.
(٢) الرحمةُ ليسَت بديلًا عن العدالة
يتفوق الإنسانُ على غيره من الكائنات بالرحمة. الرحمةُ خُلاصةُ المشاعر الحميمية الدافئة وجوهرُها النفيس. أما العقلُ فعلى الرغم من أنه كان وما زالَ من أهم ما يتميزُ به الإنسانُ، غير أن «الروبوت» صار يقوم ببعض الأعمال الدقيقة والمعقَّدة بواسطة عقل إلكتروني. ويعدنا الذكاءُ الصناعي اليومَ بالكثير مما يمكن أن ينجزه هذا العقلُ الإلكتروني غدًا من مهمات؛ فهو يشارك عقل الإنسان وأحيانًا يكون بديلًا عنه في تنظيم وإنجاز أعمال متنوِّعة. «الروبوت» مع امتلاكه لعقلٍ يظل يفتقر للمشاعر الصادقة الدافئة الحميمية. ومعنى ذلك أنَّ الكائنَ البشريَّ يتفوَّقُ على غيره من الكائنات في الأرض بالرحمة، بل لا تتحقَّق إنسانيتُه إلَّا بالرحمةِ.
الرحمةُ حالةٌ، وهي أسمى من العدالة، بل تسمو حتى على الإحسان. ولولاها لنضبت الطاقةُ المتدفِّقةُ التي تغذِّي الشفقةَ، والروحَ الخيريةَ، وحوافزَ العطاء والبرِّ والإنفاق في الحياة. الرحمةُ تغذِّي كلَّ ما يشكِّل منبعًا للعواطف المتدفِّقة الفيَّاضة في حياة الناس، وما يبني علاقاتِهم الاجتماعيةَ ويرسِّخها على ركائز إنسانية عميقة.
الرحمةُ أشملُ وأوسعُ من العدالة. العدالةُ تنشد التوازنَ والمساواةَ والإنصافَ في الحكم، وهي مفهومٌ يبتني على القانونِ والحقوقِ والأخلاقِ. أما الرحمةُ فهي «حالةٌ»، و«الحالةُ» هي ما يتلبَّس بها الإنسانُ ويعيشُها بوصفها حقيقيةً وجوديةً كما يعيشُ الحبَّ والإيمانَ والبهجةَ، الحالةُ تصيرُ مُكوِّنًا لكينونته الوجوديَّة.
العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرِّيَّاتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكل عمليةِ بناءٍ مجتمعي سليم، وضمانةٌ للأمنِ والسِّلمِ الأهلي من كلِّ أشكالِ العُنْفِ والتَّعَدِّي على حقِّ الآخرِ في العيْشِ المُشْترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظِّم الحياةَ الاقتصادية والسياسيَّة، وتُحَقِّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةَ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحوٍ تتَّسم فيه بالإنصاف والتَّوازن، وتحْمِي مصالحَ الفَرْدِ والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم.
لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليستْ بَدِيلًا عن العدالة في بناء أيَّةِ جماعةٍ بشريَّة، أو في بناءِ أيَّة دولةٍ. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، ويفرضُ عيشُ الإنسان وتأمينُ متطلباته الحياتية عليه الكدحَ والتنافسَ والصِّراع، والعدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.
إن افتراضَ بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراضٌ غير واقعي؛ لأن مثلَ هذا المجتمع لا يمكن أن يتحققَ ما دام الإنسانُ إنسانًا، لكن تظل الرحمةُ قيمةً إنسانيةً رفيعةً، تسمو بحياة الفردِ والجماعة؛ بوصف الرحمةِ تنفي بعضَ العقوبات عفوًا، أو تخفض من شدَّة بعض العقوبات الأخرى القاسية، وبوصفها هدفًا نبيلًا ينشده الدينُ ليوقظ به ضميرَ الإنسان، ويسمو به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلَّى بها شخصيتُه.
الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ؛ لذلك يستطيعُ من يمتلك الرحمةَ تحمُّلَ الأقوالِ والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّا لا يعفو عنه سواهُ من البشر. ما أجمل تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي لمنطقِ الرحمةِ في القرآن؛ إذ يكتب في الفصِّ الزكرياوي من كتابه «فصوص الحكم»: «والرحمة على الحقيقةِ نسبةٌ من الراحمِ، وهي الموجبةُ للحكمِ، وهي الراحمةُ، والذي أوجدها في المرحومِ ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامَتْ به.»١٤ بمعنى أن الحقَّ سبحانه إذا رحمَ إنسانًا أوجدَ فيه الرحمةَ، أي جعلَ الرحمةَ تقومُ به، بحيث يصبح قادرًا على أن يرحمَ غيرَه من المخلوقات، وبذلك يصبح المرحومُ راحمًا. الحق لا يوجِدُ الرحمةَ في المرحومِ ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفةَ الإلهية التي بها يرحمُ غيرَه.١٥
بموازاة الرحمة حضرت كلمةُ «الإحسان»؛ فقد ورد «الإحسان» والكلمات ذات الصلة به بشكل لافت في القرآن؛ إذ جاءت بحدود ٢٠٠ مرة.١٦ الإحسانُ يعني ما إذا عملَ الإنسانُ عملًا يتضمَّن خيرًا للغير. يقول الراغب: «الإحسان على وجهَين؛ أحدهما: الإنعام على الغير، يُقال: أحسنَ إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علَّم علمًا حسنًا، أو عمِلَ عملًا حسنًا.»١٧ وحثَّ القرآنُ على الإحسانِ في الأقوال والأفعال؛ الجدال مثلًا ينبغي أن يكون بالتي هي أحسن؛ فهو يقول: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.١٨ وعلى الرغم من أن الإحسانَ مفهومٌ أخلاقي ينشد تقديم ما هو أجمل من القول والفعل، وهو يقعُ في مرتبة تفوق العدالة، لكن يمكن تخصيصُه في بعض المواقف دون سواها، فلعل المرء يكون مُحسِنًا في مقام حينًا ولا يكون مُحسنًا في مقام آخر؛ لذلك لا يربو الإحسانُ لمرتبة الرحمة، من حيث هي حالة وجودية لمن يتلبَّس بها، فلا تُخصَّصُ الرحمةُ بمواقف معينة؛ لأن الرحيمَ يكون رحيمًا حيثما كان الموقفُ.
الإنسانُ ليس رحيمًا بالطبع، بل إنه ينزعُ بطبيعته للتسلطِ على الغير ليستحوذَ على كل شيء في حياتهم، ولعل في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًّا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشِّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشريُّ ولا يتَّصفُ بها بيسر، ولا يتمثَّلها بسهولةٍ، بل لا يطيقها أكثرُ الناس؛ لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشري عن التحقُّقِ بها؛ إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسَّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها.
الإنسانُ كائنٌ طالما تغلَّب في شخصيتِه الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا الأخلاق والدينُ والقانون لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ خفَّضت كثيرًا من الطاقة التدميريَّةِ للتوحُّشِ في الأرض، فأضحتْ حياةُ الإنسانِ ممكنةً. لا يتأنْسَنُ الكائنُ البشري إلَّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوَى هذا الكائنُ وأي وحشٍ مفترس.
الجلَّادون الدمويون الذين ظهروا في الأديان في العصور المختلفة، كانوا تعبيرًا عن طبيعة هذا الكائن المتوحِّش أكثرَ مما كانوا يعبِّرون عن رحمة الأديان. وإلَّا فكيف نفسِّر ظهورَ شخصياتٍ روحانية مُلهِمةٍ في الأديان، مثل: الحلاج والنفري ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، وإيكهارت والأم تريزا، وغيرهم ممن يمثلون أجملَ النماذج الرحيمة الملهمة، وممن تفوَّقوا في تجسيدهم لكيفية تمثل الإنسان لمغزى الأديان وندائِها الروحاني العميق.
الإنسانُ ليس خيِّرًا بالطبع، إنه مستعدٌّ بالقوة أن يكون خيرًا أو أن يكون شريرًا، ونادرًا ما يتخلَّص إنسانٌ في نشأتِه من آثار العواملِ التي تكوِّن نواةَ السُّلوك العدواني في شخصيته، ولولا ذلك لكان معظمُ الناس رحماء. يتطلَّب خفضُ تأثيرِ هذه العوامل على سلوكِ الإنسان أن ينشأ في بيئةٍ تربويةٍ صحيةٍ، وتنمو شخصيتُه في فضاءِ تربيةٍ أخلاقيةٍ صالحة، وحياةٍ روحيةٍ مُلهِمة، وثقافةٍ حيويةٍ ديناميكية، كي تترسَّخ في شخصيته النزعاتُ الخيرية، وتولد في روحه بذرةُ المحبةِ وتنمو وتتجذَّر باستمرار، بوصفها طاقةً مُلهمةً لأجمل معاني الحياة، ولكلِّ ما يُكرِّس الرحمةَ وما يتوالد عنها من قيمِ العفوِ والغفرانِ والشفقةِ على الخلق، وما يحمي الكائنَ البشري من الاغترابِ الوجودي. يقول ابن سبعين: «ومن نظر إلى الرحمة، وتعلَّق باسم الرحمن، وفكَّرَ في الرحمانيَّة طاب عيشُه، وحسُنَ أُنْسُه وأنيسُه، وسبح في بحرِ الرجاء، وغرق في مدلوله.»١٩
كلُّ ذلك لا ينجزه إلَّا فهمٌ بديلٌ للدين، وموقفٌ مختلف لنمطِ الصلةِ بالله، ورؤيةٌ جديدة للعالم، وإرادةٌ جديَّةٌ في تبنِّي العلومِ والمعارفِ والخبراتِ الإنسانيةِ الجديدة، والخلاصُ من الغرام بعلومِ ومعارفِ الموتى التي نسخت أكثرَها العلومُ والمعارفُ الحديثة، لكن المؤسفَ أن أكثرَ ذلك ما زالت تفتقر إليه مجتمعاتُ عالَم الإسلام.
(٣) الرحمةُ مفتاح فهمِ المنطق الداخلي للقرآن
القرآنُ الكريمُ كتابٌ تسري فيه روحٌ واحدةٌ، مضامينُه تتوحَّد في نسيج عضوي متماسك، ويسوده نظامٌ كلي، يتطلبُ فهمُه أن نكتشفَ المنطقَ الذاتي الذي يتحدَّث فيه القرآنُ عن نفسه. في القرآن تتحدَّثُ كلُّ فكرةٍ ومفهومٍ ومقولةٍ للأخرى، وتتبصَّرُ كلُّ آية دلالتَها ووجهتَها في أفق آياته الأخرى بمجموعها. القرآنُ كتابٌ تحيلُ فيه الفروعُ على الأصول، والجزئياتُ على الكليات، والصغرياتُ على الكبريات. نحن بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى منهجٍ بديلٍ في فهم القرآن، يحرِّره من أسوارِ الأفق التاريخي التكراري المُغلَق للمفسرين، الذي أفضى لنضوب حضور الروافد الملهِمة للمعنى والأخلاق فيه.
على الرغم من ضجيجِ أصوات الجماعات الدينية، وضوضاءِ صيحات شعاراتهم في كلامهم عن القرآن، وكلامِهم المبسَّط في نسبة كلِّ شيء إليه، وإن كان على الضد من منطقه وما ينشده، لكن قلَّما نعثر على رؤيةٍ تتبصَّر متطلباتِ الحياةِ الروحية وبناءِ الضمير الأخلاقي للمسلم في سياق قرآني. إن هذه الرؤيةَ البديلةَ تفرضها ضرورةُ إعادة اكتشاف الأبعاد المضيئة للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في القرآن، كما يفرضها أيضًا افتقارُ المسلم اليوم لمعنًى عميقٍ لحياته، وضياعه في كهوف التراث التي لا تقوده إلا لمزيدٍ من الضياع.
رأيتُ الرحمةَ تمثل مفتاحَ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن؛ فقد اتخذت الرحمةُ فضاءً واسعًا في القرآنِ الكريم لم تتخذه في الكتابِ المقدَّس وغيرِه من نصوص الأديان؛ إذ وردت بصيغٍ متنوِّعة في القرآن تصرِّح بشمولِها كلَّ شيءٍ وعدمِ خروجِ أي شيءٍ عنها، وهو ما تحدَّثت به آياتٌ متعددةٌ، مثل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ،٢٠ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ،٢١فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ،٢٢ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ،٢٣ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ،٢٤ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،٢٥ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ،٢٦ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،٢٧ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ،٢٨ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا٢٩ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً.٣٠ مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا،٣١ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا،٣٢ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.٣٣ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ،٣٤ إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا،٣٥ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا،٣٦ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ،٣٧ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،٣٨ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ،٣٩ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا،٤٠ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.٤١
الرحمةُ مفهومٌ مفتاحي لفهمِ المنطق الداخلي للقرآن؛ إذ تشكِّل شبكةَ نسيجٍ دلالي تتسعُ لتغطي كلَّ ما ورد فيه. إنها تكثيفٌ دلالي لمعنًى يهيمن على كلِّ معاني السور والآيات في الكتاب، «فليس في أمِّ الكتاب آيةُ غضبٍ بل كلُّها رحمة، وهي الحاكمةُ على كل آية في الكتاب لأنها الأمُّ، فسبقَتْ رحمتُه غضبَه.»٤٢ و«يرى ابنُ عربي — في واحدة من أفضل تفسيراته لطبائع الأشياء — أنَّ الإبداعَ الإلهيَّ يماثل الكلام الإنسانيَّ؛ فكما نخلق الكلماتِ والجملَ من قِوامِ النَّفَس، كذلك يخلق اللهُ العالَمَ عن طريق التَّلفُّظ بالكلماتِ في نَفَسِ الرَّحمن، مِمَّا يعني انبساطَ الوُجود؛ والوجود في حقيقتِه مرادِفُ الرَّحْمة.»٤٣ و«يفرِّق ابنُ عربي بين «رحمة الامتنان»، و«رحمة الوجوب»؛ إذ الأولى عِلَّة الوجود؛ لذا فهي رحمة عالميَّة وتحيط جميع الموجودات، أما الثانية فإنها تنطوي على ظهور أكثر تحديدًا للرحمة؛ يخص هؤلاء الذين استجابوا لرحمة الإيجاد العالميَّة من خلال متابعة الوحي الإلهي. يقول ابن عربي: «فلا يبقى فيمن حوى عليه العرشُ مَن لا تصيبه الرحمةُ الإلهيَّةُ؛ وهو قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، والعرش وسع كلَّ شيء، والمُسْتَوِي الرحمنُ، فبحقيقته يكون سريانُ الرحمةِ في العالَم».»٤٤
الرحمةُ الإلهية هي المحورُ الذي تدورُ حولَه كلُّ دلالاتِ القرآن، وهي المنطق الكلِّي الذي يسري في آياته، وكلُّ دلالةٍ يتبادرُ منها أنها تنفيها أو تتعارضُ معها تعبِّرُ عن موقفٍ زمني خاص بعصر النزول، فرضته ضرورات ظرفية لمجتمع البعثة. وإلَّا فكيف ينفي الكتابُ منطقَه الكلي، إن كانت الآيةُ والسورةُ فيه مفرغة من رحمة الله. في موقف من مواقفه يقول النِّفَّرِي: «أوقفني في الرحمانيَّة، وقال لي: هي وَصْفِي وحدي.»٤٥ وفي «موقف رحمة الخلق» من «موقف المواقف» يقول النِّفَّري:٤٦ «وأوقفني في رحمة الخلق، وقال لي: صِفتُك صفتُهم، فسترتُ صفَتَك بنور صفتي، فمن رأيتني سترتُ صفتَه بنور صفتي فأكرِمْه، ومن رأيتني لم أستُر صفَته بنور صفتي، فارحمه. وقال لي: أنا صنعتهم فأكرم صنعتي، إذا جاءك عبدك بما يسوءه فارحمه، لما جاءت به صفته من السوء، ثم أَكْرِم صنعتي لأني، ثم أكرم صنعتي لأنها، ولا تغلظ على ما في صنعتي، فإنه هو فيك، فاغلظ عليك إن شئتَ أن تُغْلظ على غيرك.» ويرى ابنُ سبعين أن: «الرحمة تتعلق ببعض المعلومات، والقول عليها مثل القول على الإرادة والقدرة، وغير ذلك مما يخص بعض المعلومات لا كلها، وتمتد إلى غير نهاية، وَتَعُمُّ الكونَ كلَّه، والفكر فيها مادَّة الطيِّبات، وتصوُّرها يحرِّك اللذَّات، وهي مُتَنَزَّه العارفين بالله، وصيغتها أعم من العفو، فإنها تُقال على المذنب وغير المذنب، وتَرِدُ دون عِلَّةٍ وبضد ذلك. إذا نُظِرَ فيها وفي ماهيَّتِها، وفي أثرها، وفي لواحقها الخاصَّة بواحدٍ بدلَ الآخر؛ صُرِفَتْ إلى إرادةِ القديم، وقيل فيها: صفةٌ من صفات ذاتِه، وإذ نُظِرَ فيها مُفْرَدةً، وتُعْتَبَرُ في مُضَافِها المُنْفَعِلِ خاصَّة، وتُحْمَلُ على معنى الإنعامِ، وتُمْسَكُ على التَّأمُّلِ في مُحَرِّكِها الأول؛ تُجْعَلُ من لواحق القدرة، والإرادة، وقيل فيها: صفةُ فَعْلٍ.»٤٧ ويذهبُ ابنُ سبعين إلى أن: «مَنْ نظر إلى الرحمة، وتعلَّق باسم الرحمن، وفكَّرَ في الرحمانيَّة طاب عيشُه، وحسُنَ أُنْسُه وأنيسُه، وسبح في بحرِ الرجاء، وغرق في مدلوله، ويُمْكِنُ منها أن يصيبَه، ولَهُ حَتَّى يقول، أو يقول له: حسنُ ظَنِّهِ كلُّ موجودٍ سوى الله الحق تعالى، تُقال عليه الرحمةُ، وتقوم له، وتفعل فيه، وتلحقه.»٤٨
ينفردُ القرآنُ من بين الكتب المقدَّسة كلِّها في أن سورَه تبدأ ﺑ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، التي يُعبَّر عنها ﺑ «البسملةِ»، وكما يقول جماعةٌ من المفسِّرين والفقهاء إنها تُحتسَبُ آيةً من كلِّ سورة. وذهب بعضُ المفسرين إلى أن كلَّ بسملةٍ هي آيةٌ مستقلة، لها معنًى موجِّه ومرشد لمضمون ما تقوله السورةُ التي تتصدَّرها، وكأنها بمثابة البوصلة التي ترسم وجهةً محدَّدة للسير. البسملةُ آيةٌ تبوح بلغةِ الرحمة التي يتأطَّر بها المضمونُ الكلِّي لتلك السورة، ومعناها يتنوَّع بتنوُّع مقاصدِ السور وما ترمي إليه مفاهيمُها، وغرضُها لا يخرج عن غرضِ السورة، وما يتحصَّل من غاياتها. إنها حاكمةٌ على كلِّ المفاهيم التي تتحدَّث عنها آياتُ السورة. بعبارة أخرى إن افتتاحَ كلِّ سورة بالبسملة يعني أن الرحمةَ الناطقةَ بها البسملةُ مهيمنةٌ على المدلول العام للسورة، وحاكيةٌ عن أغراضها، إن كان مضمونُ السورة أخلاقيًّا فإنه يكون متقوِّمًا بالرحمة، وهكذا لو كان المضمونُ عقائديًّا أو تشريعيًّا يكون متقوِّمًا بالرحمة أيضًا. تقديمُ نصِّ كلِّ سورة بما تشتمل عليه البسملةُ من رحمةٍ يشي بأن المضامينَ المسوقةَ في آياتِ القرآن كافةً تتحدَّث لغةَ البسملة. على الرغم من تنوُّعِ دلالاتِ الآيات، لكنها تلتقي في مشترَك يوحِّدُ ما ترمي إليه وهو الرحمةُ. الرحمةُ دليلٌ تهتدي به معاني القرآن. الرحمةُ تحدِّد مقاصدَ الآيات وتُرشد إلى مراميها، وتصوغ رسالةَ السورة في سياقٍ قرآني يتناغم بمجموعه في إيقاع روحي وإنساني موحَّد.٤٩
وجدتُ أن كلمةَ «الرحمة» وردَت في ٢٦٨ موضعًا في القرآن الكريم، ووردت «الرحمةُ» والكلمات ذات الصلة بها في القرآن أكثر من ٣٣٠ مرة،٥٠ ما خلا ما ورد من تكرار البسملة في كلِّ سور القرآن إلَّا سورةَ التوبة، لكنها تكرَّرت في مفتتح سورة النمل والآية ٣٠ منها،٥١ فصار مجموعها ١١٤ مرة.
بناءً على القولِ بأن البسملةَ آيةٌ من كلِّ سورة، وورودِ «الرحمن الرحيم» في كل بسملة، فإن عددَ مرات ذكرِ الرحمةِ ومشتقاتِها في القرآن يفوق ٥٥٠ مرة. كما ورد فيه جذر كلمة «رحم» ٥٦٣ مرة؛ وبذلك يتميز القرآنُ عن كتبِ الأديان بسعةِ مساحةِ حضورِ الرحمة وكثافتها في آياته.



