البنيوي في شعر ميسر الخشاب – كمال عبد الرحمن

د.ميسر الخشاب
البنيوي: The structural
تسعى البنيوية الى تشكيل عالم نسقي داخل مملكة النص، وفصل ’الداخل النصي‘ عن ’الخارج النصي‘ ويرى يوسف وغليسي أن ” البنيوية لم تكن إلا تتويجا لجهود ألسنية سابقة، تأتي على رأسها جهود المدرسة السوسيرية، بتحليل العالم اللغوي الكبير “فرديناند دي سوسير” مؤسس اللسانيات الحديثة”(1). وقامت اللسانيات السوسيرية بإرساء استقلالية اللغة عن سائر الأنظمة المعرفية الأخرى، وانتصرت لقطب الداخل في عملية التأسيس لجماليات النص الأدبي، وتأكيدا للمفهوم نجد ” محمد زغلول سلام” يقول ’النص المغلق يعني عزل النص عن صاحبه ومحيطه التاريخي والاجتماعي، ويرون النص مدينا للأنساق اللغوية، فهي تغذي النص الجديد، أما المؤلف فيتم نفيه لحساب النص عند البنيويين‘.(2) وعلى الرغم من أن عبد العزيز حمودة يطلق على البنيوية عنوانا عجيبا مريبا ’سجن اللغة‘ إلا أن هذا السجن في حقيقة الأمر له فضاءاته الابداعية حتى بدون الخارج السياقي النصي، ومن أهم هذه الفضاءات هي ’ الصورة الشعرية‘ التي تعد مرتكزا مهما في بناء النص البنيوي لأنها تعتمد اللغة اعتمادا رئيسا وشاملا في البناء النصي.
إن مفهوم (البنية- structure) يحتوي على قدر من الاتساع والإشكال والتداخل, لذا نرى هذه (البنية) تتحول من الاستعمال المعماري الهندسي إلى مجموعة عناصر يتشكل عليها النص، فتكون مجموعة من العناصر المكونة لجهاز يقوم عليه النص، ولجهاز يكوّن مع أجهزة أخرى جهاز النص الأكبر، فالعناصر التي نهتم بها في الدرس, هي تلك العناصر المتفاعلة أو المعزولة.. ويجوز أن تسمى نظاماً(3)،أما جان كوهن فإنه يذهب في كتابه (بنية اللغة الشعرية) إلى معاينة مفهوم البنية بوصفه النظام الأشمل للغة الشعرية، استنادا إلى آلية النظم في المستوى الصوتي، وآليتي الإسناد والتحديد المستوى الدلالي، ويخرج من ذلك إلى النسق الذي يؤلفه ترتيب الكلمات، ويتمخض عن الوظيفة الشعرية، لذا فإن كوهن يقترح مفهوماً شاملاً وعميقاً للبنية، يفرق فيها مع – يامسليف- بين الشكل والمادة، ويعد الشكل في مضمونه البنيوي: مجموعة العلاقات المعقودة بكل عنصر داخل النسق, ومجموع هذه العلاقات هو الذي يسمح بأداء وظيفته اللغوية(4)،و إذا كان كلود ليفي شتراوس هو أول من تناول مفهوم البنيوية, فإن النقاد العرب القدامى لم يستعملوا مفهوم (البنية) على نحو واضح ومباشر إنما أشاروا إلى مفهوم مقارب للبنية هو (البناء) أو (المبنى) أو (النسيج).(5) وهكذا وصلوا إلى حقيقة المصطلح إلا أنهم لم يتداولوا صيغة المفهوم الغربي للبنية أو المبنى نفسه الذي شاع تداوله في العصر الحاضر.
من هنا تنشأ فكرة ترابط واتصال وانسجام عناصر النص بعضها ببعض, لتتشكل من خلال وحدة النص ووحدة الشكل ووحدة الموضوع، وأن النص/ القصيدة ليس إلا كُلاً يتضمن أجزاء متناسقة ومتماسكة فنياً وعضوياً، أي أنها كتلة لغوية ذات خصائص فنية عالية الجودة، وأجود الشعر ما رأيته متلاحماً، سهل المخارج, فيعلم بذلك انه افرغ فراغاً جيّداً وسبك سبكاً واحداً.(6) ف(البنية) هي الوسيط اللائق والمنطقي بين اللغة والنص الأدبي، لأن هذا الأخير هو عبارة عن كتلة لغوية مكتفية بقدراتها ومتجوهرة وشديدة الالتحام بعضها ببعض.
وهي تستعمل ما يمكن من المفردات التي تعتمد منهج الاقتصاد في اللغة، لكن بإمكانها في الوقت نفسه أن تقول الكثير. وإذا كان من المفروض أن لكل بنية شعريتها الخاصة أو قوانينها, فإن (كمال أبو ديب) يشكك في جدوى تحديد الشعرية على أساس الظاهرة المفردة المستقلة, كالإيقاع والإيقاع الداخلي, والقافية, والصورة, والرؤيا, كعناصر يقوم عليها التشكيل الشعري, ويرى إلى أن الحل يكمن في البنية الكلية, إذ ’هي وحدها القادرة على امتلاك طبيعة متميزة, بإزاء بنية أخرى مغايرة لها‘.(7) وهو يرى أيضاً أن البنية تقوم على خاصيتين أساسيتين, بل يؤكد على ذلك وهما: الكلية والعلائقية.(8) فمن هنا يقول كمال أبو ديب لا يوجد تعارض بين مفهومي البنية والتاريخ(9)، وهو أيضاً لا ينفي حركة التجاذب والتفاعل والتكامل بينهما, فالتاريخ يشتمل على عدد من البنى تتطور بتطور حيثياته, ولا يمكن له أن يتجاهل بنية مثل البنية الشعرية وهي تعيش بمواجهة البنى الأخرى, وتفرض حضورها بوجودها أولاً ثم بتلك التغييرات والتطورات التي تميزها عن البنى الأخرى. ويرى حاتم الصكر إلى أن تطور البنى الشعرية، هو استجابة لمتطلبات عصر الحداثة الشعرية(10) وهذا ديدن الشعر دائماً، إذ إنه ’يتطور ويتغير مستجيباً لإيقاع الحياة المتغير والعالم المتطور‘(11). وهكذا تختلف آراء النقاد في تعريف البنية ولكن الواضح ’ان شعرية هذه البنية لا تتأتى إلا عن طريق الكلية‘ كما يقول أبو ديب.
البنى أو(لبنيات) في شعر ميسر الخشاب:
تبنى القصيدة عند الخشاب بعدد من البنى اخترنا منها:
أولا: بنية المعجم الشعري.
ثانيا: بنية اللغة الشعرية.
ثالثا: بنية الصورة الشعرية.
رابعا: بنية الايقاع الشعري.
أولا: المعجم الشعري :
يتشكل المعجم الشعري في القصيدة عن طريق قناتين هما:
أولا: قناة اللاوعي
ثانيا: قناة الوعي
قناة اللاوعي : وهذا هو الأسلوب المعروف والمشهور في الشعر والحياة بصورة عامة، فلو تكلم (س)من الناس في محاضرة، وأحصينا عدد الكلمات التي كررها المحاضر بلا وعيه، نجده مثلا قد كرر شبه الجملة ( في الحقيقة) كررها (20) مرة، وكرر كلمة أو مفردة (أنا) بلا وعيه أيضا(13) مرة، ومفردة (ثم) كررها (10) مرات.. الخ، هذا هو المعجم الشعري عدد الكلمات التي يكررها الشاعر بلا وعيه وأسباب تكرارها، وهي تأتي بشكل تلقائي غير مقصود.
قناة الوعي: يكرر الشاعر المفردة بعلمه ووعيه، وهذا التكرار في الغالب يكون لأجل التوكيد والاصرار على إبراز حالة يقصد الشاعر تنبيهنا الى أهميتها وضرورة معرفة أسباب التكرار، وهكذا تتجرد الالفاظ من دلالاتها المعجمية ، لتدخل دلالات جديدة داخل سياق خاص بـ (الشاعر – الكاتب ) وفي اسلوب خاص به، وان اللغة قبل ان تكون شعرية هي معجمية في دلالاتها الخام ، لذا فان ’كل بحث في مجال الشعرية يفترض معرفة اولية بالدراسة العلمية للغة ‘(21) ، ذلك لان الشعر فن ( لفظي) يستلزم بل كل شيء استعمالا خاصا للغة .
ان الشاعر في تعامله مع اللغة واثناء الكتابة يقوم بانتقاء مفردات اللغة، وهذه العملية ليست سهلة ، ثم انه مع استعمالنا اليومي لهذه المفردات الا انها تختلف اختلافا واضحا عند الاستعمال الشعري ، الى جانب انه مع وجود لغة واحدة لجميع الشعراء الذين يتعاملون معها، الا اننا نستطيع تمييز لغة شاعر عن اخر، اعتمادا على قراءات متكررة (13). و “يتشكل المعجم الشعري من لازمة نفسية هي بلا شك اسقاطات اللاوعي على الوعي، وما يترشح من ذلك عبر تكرارات ( نفسية – فلسفية – فنية ) تتبلور على هيئة الفاظ سلطوية لا قدرة للناص على تجاوزها )،(14) كما ان مجالات دراسة المعجم الشعري متنوعة ، وكل مجال بنتائجه ، خاصة وانه يمثل اختيار الالفاظ وترتيبها وفق طريقة خاصة ، بحيث تثير معانيها خيالا جماليا ، فهو اذن التميز الذي تفرد به النص الابداعي، بل ويتفرد به الشاعر، كما انه مفتاح النصوص ( 15)، وهو كذلك الذي يحدد هويتها الابداعية ، فـ ( اذا ما وجدنا نصا بين ايدينا ولم نستطع تحديد هويته باديء الامر، فان مرشدنا الى تلك الهوية هو المعجم ، بناء على التسليم بان لكل خطاب معجمه الخاص به ، فالمعجم لهذا وسيلة للتمييز بين انواع الخطاب وبين لغات الشعراء والعصور، لكن هذا المعجم يكون منتقى من كلمات يرى الدارس انها مفاتيح النص والمحاور التي يدور عليها ).(16) اما كيفية قراءة المعجم فتكون بمتابعة الالفاظ المستخدمة من قبل الشاعر الى جانب متابعة ترتيب الشاعر للألفاظ ، فـ ’الالفاظ حقول بارزة والجملة ظواهر بارزة‘، ( 17) كما لا يمكننا ان نؤكد ان ظاهرة ’اللازمة الشعرية ‘ او ’المعجم الشعري‘ ليست سبّة في النص، ربما لان النسغ الديناميكي لهذه الظاهرة قائم على التكرار الذي هو عيب خلقي في الكتابة لمن لا يتقن استعماله في النص. (18)
مثال تطبيقي على المعجم (الوعي) : قصيدة ’وقفات‘ (19) :
1. وأوقفني عند ربع الجزيرة.
2. وأوقفني عند أسوار” دلمن”.
3. وأوقفني عابرا سهل آشور
4. وأوقفني عند سور تهدم.
5. وأوقفني قرب عرش الأميرة.
6. وأوقفني في فضاء عذابي.
7. وأو قفني يوم ضجت عصافير خوفي.
8. وأو قفني في قناة الجسد.
9. وأو قفني عند باب قديم.
10.وأوقفني ماسحا خيط لحيته.
11. وأوقفني تحت جدران أسئلة.. الخ.
جدول المعجم الشعري
| المفردة | عدد مرات تكرارها |
| ( أوقفني ) فعل + فاعل+ مفعول به. ( قال) فعل ( قلتُ ) فعل (أدخلني) فعل+ فاعل+ مفعول به (قد ) تحقيقية (واو) عاطفة | (20) مرة ( 19 ) مرة ( 6 ) مرات ( 4 ) مرات (17) مرات ( 21 ) مرة |
ان علم الدلالة في متابعة دلالة الالفاظ يقوم بدراسة الحقل الدلالي ، باعتبار ان الدلالة كامنة في النص من خلال عدة حقول دلالية تتأرجح في بؤرة الدلالة (20 ) ، ويصل ذلك من خلال التحري داخل التكرارات والمترادفات والكلمات والمفاتيح ، ان مفتاح النص الدلالي الاول في قصيدة ميسر الخشاب ( وقفات نفّرية) هي مفردة من العنونة الرئيسة، وهي ,وقفات‘، وهي مجموعة من الفعاليات المؤنسنة بالدهشة والطاعة، فغالبا ما تبدأ بجملة ( أوقفني ) وهي جملة واعية كررها الشاعر(21) مرة لتوكيد عملية الوقوف، حيث يمارس السحر الخاص سطوته على التابع ، ذلك السحر الذي يخرج من جمال روح المتبوع ، ويدخل في أعماق وعي الدرويش ، فيزلزل كيانه ، ويشعل روحه بالانثيالات والتجاذب العجيب بينهما، فلا يجرؤ الدرويش على القول ( أوقفته ) أو (رجوته أن يقف ) فليس من مقام المحب أن يتدله ويطلب ويأمر، لأن هذا من مقام الأولياء، فهم يأمرون وينهون، وعلى المريدين الطاعة والوله والاندهاش.
تلخص مفردات معجم ( ميسر الخشاب ) في قصيدته هذه بحقولها الدلالية رؤية الشاعر نفسه وهي تقوم على المواجهة بين الدرويش ومريده، وبين الانسان والكون بالانجذاب على غير الرؤية السابقة .
ان الشاعر الخشاب يبني من خلال هذه الحوارية رؤية صادقة لقيمة الحدث من خلال المعجم الشعري الذي يعتمد في غالبه على ثلاثية من الأقوال والأفعال الصوفية / الفلسفية( أوقفني/ قال/ قلت) ومن خلال هذه الحوارية الغامضة الواضحة يدخل( المريد) في عوالم مكتظة (بالمفاجأة والصعق والادهاش) ، ويتوجه التابع الى التأمل العميق دون شك بقدرة الدرويش على القيادة الروحية للمريدين ، وذلك يمثل قطب العلاقات المضمونية في الحقول الدلالية ، لأنه يعني الواقع الذي تأتي منه الحياة الجديدة كحتمية للخصب والحياة .
وفي قصيدة( ما رواه أهلنا عن مواسم الحرب)(21) . ثمة معجم شعري تشكل في هذه القصيدة دون وعي الشاعر، وذلك لأنه كان في قلب المطحنة التي دمرت المدينة وذبحت أهلها، وما قصيدته هذه إلا صرخة خرجت من لاوعي الشاعر:
القصفُ يزيد قريبا في ليلٍ أسود
والقصف له رائحةٌ، وله صورٌ:
ذئبٌ يتضّور حقداً، أو
وجهٌ أحمقْ
يكسر أشجار الغابات،
وأزهار الكلماتْ
والقصف له صورٌ أخرى:
صورةُ جلادٍ، أو ساديّ
محلول الشعر..
أو سيافٌ متكبر
فإذا هبّت نيرانهمُ،
انقطعَ الحبلُ الهادئُ بيني وبين المستقبل..
المعجم الشعري لقصيدة اللاوعي (ما رواه أهلنا عن مواسم الحرب):
| المفردة | عدد مرات تكرارها |
| ( القصف ) ( قنص+ قناص) ( موت + قتل ) (طفولة مقتولة) (جثث) (يا+ أيها) نداء | ( 4) مرات ( 4) مرات ( 6) مرات ( 4 ) مرات ( 3 ) مرات ( 7) مرات |
يتشكل المعجم الشعري لهذه القصيدة من ذاكرة الدم، وتأريخ الألم والمواجع، التي خرجت القصيدة من لاوعي الشاعر الى وعينا، كيف للمذبوح أن ينتقي كلمات هادئة مملوءة بالرومانسية والجمال، كيف للجرح أن يبتسم، القصيدة مخضبة بالدهشة والجنون، مفرداتها ذبح وقنص، لا تفرق بين شيخ وطفل، لذلك تشكل مجمعها الشعري القادم من فجيعته بمفردات كررت نفسها، ولم يكررها الشاعر، لأنها خرجت هاربة من جهنم الى الجحيم.
ثانيا : اللغة الشعرية:
لا شك أن اللغة هي رحم تجريبية القصيدة العربية الحديثة ، ومن خلالها نحاول موقعة وضعية الشعر، اذ من خلالها تجسدت حداثة شعرية مغايرة للسابق الشعري (23)وان النص الادبي أيا كان شعرا او نثرا هو كيان لغوي قائم على الانزياح الذي يمنح المفردات حياة جديدة من المعاني والدلالات بعيداً عن حدودها الضيقة داخل معاجم اللغة ، فلغة الشعر مخالفة للغة أي جنس ادبي اخر .
فاللغة داخل النص الشعري قائمة على الاختزال والتكثيف ، وهي اكثر قدرة على البث الشعري في اطار بنية القصيدة الجديدة ، واللغة الشعرية هي لغة المجاز ، وهي مجموعة من المجازات والاستعارات البلاغية ، وباختصار هي لغة منزاحة ، والشعر ( لغة داخل لغة ) ( 24)، قصيدة ( طرقات ساخنة) (25) مثالا:
– تأويلات العنوان ودلالاته في قصيدة ’ طرقات ساخنة ‘ :
يتكون العنوان من مفردتين قائمتين على التناقض (طرقات = الأمان) و( ساخنة = القلق ) وهذه مفارقة تتشكل من خلالها جدلية التناقض بين طرفين ، تتوالد منها جدلية او فكرة ثالثة ، تحتاج الى جدلية اخرى تتداخل معها .
ان الشاعر المعاصر مطالب بلغة مبتكرة ، وهذا ليس معناه ابتكار دلالات لغوية جديدة غير واردة في المعاجم ، الا ان الابتكار يكون في التشكيل وهو التركيب المميز للدلالات ، و( يعد الخطاب الادبي – خلق لغة من لغة ( 26) ، أي ان صانع الادب ينطلق من لغة موجودة فيبعث فيها لغة وليدة هي لغة الاثر الفني .
ان مفهوم الخلق في عملية الابداع الانشائي مرتبط بقدرة الانسان على تخليص الكلم من القيود التي يكبلها بها الانسان ، ويطهرها مما يتراكم عليها من ضبابية الممارسة ، فالإبداع إحياء الكلمة بعد نضوبها (27) و الشاعر ميسر الخشاب له اشتغالات داخل اللغة بالغة الاهمية إذ استطاع أن يشق لنفسه طريقا ابداعيا متطورا ولغة هي لغته الخاصة ، والمتابع لقصيدته هذه ( طرقات ساخنة ) ، سيلاحظ العلاقات التي يقيمها بين الفاظه ، وهي علاقات تحتاج الى الوقوف عندها ، ونظرا لصعوبة إيراد جميع هذه الصيغ التي وردت عليها الكلمة عند الشاعر الخشاب اكتفينا عند جميع الجداول بإيراد صيغة واحدة للكلمة وفي بعض الاحيان نأخذ بعين الاعتبار المترادفات او المعنى او الجزء ، وهكذا بإمكان كل كلمة ان تمثل حقلا دلاليا فرعيا مثل الحقل الاساسي ( الانسان ) له حقل فرعي ( الفاظ الجسد ) كما له حقل فرعي اخر لعضو في الجسد بكل مرادفاته ومعانيه واجزائه :

التحليل :
ان النظرة المتفحصة في جدول الفاظ ’الجسد‘ = الجدول الأول ، ذات دلالة توحي بقدرة ( الإنسان- الشاعر) على متابعة الكون والاتحاد معه من خلال الفجيعة الشاملة: (في كفه زجاجة= زجاجة دواء رمز لمعالجة المحن من خلال محاولة مواجهتها رغم الاخفاق) ، رغم تفرد مفردة ( الدم ) في الجدول الرابع التي توحي بالنزف والالم والصبر ، رغم التضحيات .
وفي الجدول الثاني ( الفاظ الطبيعة ) فالأرض التي ترد عدة مرات ، مرة على شكل (شارع ) ومرة على شكل ( دار) وأخرى على شكل( نهر) وغير ذلك ، فإنها المرتكز لمحاور ( الأدوار ) بين من يبدأ ب( الليل وحش ) وينتهي ب (أن يجلد المظلوم قاضيا جلاده ) :
قلّبتُ في يدي قصائدي
الليلُ وحشٌ، والبيوتُ حولَنا
أدركها النعاسْ
يا أيها البابُ القديمُ لم تعدْ
تستقبل الأخبارَ، لم تعدْ
تنادم الحراسْ
وهكذا يا قسوة المفارقة
أن يجد المظلوم قاضيا جلاده
في ساحةِ المحاكمةْ..!
نعاس
وحشية الأرض
ظلم
وفي الجدول الثالث ( الفاظ الخصب والحياة ) ، فتبرز ثنائية التشكيل في رسم أطر الحياة .
أمان حب عافية انبعاث
الحياة
ان اسئلة الحياة هي في غالبها ( مشاريع اسئلة ) تقوم على الكارثية المعتادة التي نعانيها منذ ازمنة بعيدة ولا نجد لها حلا او حلولا شبه مقنعة، إن أسئلة الشاعر الخشاب في قصيدته (طرقات ساخنة) هذه ، تتشكل من خلال عنفوان اللغة والانزياح الواضح في استعمال مفردات في اللغة استعمالا مغايرا لمعانيها في المعجم اللغوي العام .
ان لغة القصيدة تتضمن اكثر من عنصر في الطرح :
لغة (القصيدة / الشاعر)
استفزاز استنطاق استكشاف رفض اقتراح
استفزاز :
أبعدوا عن أذنها صوت قصف الليلِ،
ما يحكى عن الحرب
قليل او كثير..
أبعدوها..!
استنطاق :
والسلام الآن من يعبر نحوكْ
ويصلي للضحايا
وجراح الأبرياء
آه جسر الشهداءْ..
استكشاف :
خبر من كربلاء
ان أحياء الحسين
تستعيد العافية
ان جسر الناصرية
صامد.. يعلو ويمتد الى أقصى الشمال
صورة الموصل تبكي كحمام فوق غصن الجامعة
………………….
………………………..
رفض :
والان أقول كإليوت في لهفةْ
ومتى نخرج من بين المطرقةِ
ونابِ السندان..
هل نخرج يوما بأمانْ ؟
اقتراح :
قد تصير النارُ برداً
كيف لا نعبر في لحظة أشعار اليكْ
أنت بين الأمس واليومِ
تختار حفيدكْ
…………………
والسلام الحلوُ يأتي، وعَليكْ
السلامْ
وفي الجدول الرابع ( الموت والجدب ) ، تتم صناعة الادهاش الشعري الحقيقي للقصيدة، فاذا وردت مفردة ( الحياة ) مرتين او ثلاث مرات ، فان مفردة ( الموت ) ومرادفاتها قد وردت ثلاثا وعشرين مرة ، مما يجعل ( الحياة ) عاجزة عن تشكيل جدلية مع مفردة ( الموت )، حيث تشع القصيدة بنوعين من (الموت )،الاول
(حقيقي ) ، والثاني مجازي :
موت
حقيقي مجازي
| مزّقها إربا |
| ولم يعد لداره الحزين |
| اصطبغت قصته بالدم |



