الإستثمار في الثقافة….صناعة ٌ منتظرة ؟!حبيب الإبراهيم – سورية

إرتبط مفهوم الإستثمار بشكل عام بالأشياء المادية، وخاصة ما يتعلق منها بالإقتصاد بمختلف فروعه وتشعباته ، ولم يظهر مصطلح الإستثمار في الثقافة والفنون الإبداعية الأخرى إلا في مطلع القرن الحالي ،حيث ظهرت مصطلحات مثل: التنمية البشرية ،التنمية المستدامة ،الإستثمار في الإنسان وغيرها من مصطلحات ومفاهيم أصبحت تشكل المادة الأساس في المناهح التربوية ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها ومسمّياتها ،من هنا تأتي اهمية الثقافة كرافد أساسي في عملية التنمية المستدامة من خلال ما تتضمنه من تراث مادي وغير مادي ،ودورها في توفير فرص عمل وتوجيه الطاقات والإمكانات المتاحة لإعادة صياغة المشروع الثقافي وتوظيفه بالشكل الأفضل وصولاً إلى تعزيز اواصر التعاون والشراكة والتشبيك مع مختلف الجهات التي تعمل في مضمار الثقافة والفنون والآداب وغيرها من فنون إبداعية .
إن الإستثمار في الثقافة لا يتوقف عند جانب معين ،بل يشمل جوانب عديدة ومتنوعة مثل تشجيع المبدعين في الثقافة وإحياء التراث المادي واللامادي وإقامة المعارض والمهرجانات الثقافية وعدم إقتصارها على المدن الكبرى وتشجيع القراءة وإصدار الكتاب وزيادة المردود المادي للمشتغلين بحقل الثقافة بمختلف جوانبها والتوسع بإحداث المحطات والمراكز الثقافية، والإنتقال بالثقافة من دورها التقليدي الذي يشمل مختلف فنون الفكر والإبداع إلى دور مهم وفاعل في عملية التنمية المستدامة ،والتحول بالثقافة إلى صناعة حقيقية يمكن ان تساهم بشكل فاعل في التنمية الإقتصادية وتوظيف رأس المال الثقافي في عملية البناء وزيادة الدخل الوطني .
إنّ مقولة قطاع الثقافة أو قطاع التربية قطاع مستهلك لم تعد تتناسب مع الوقت الحاضر والذي يمكن فيه الإستثمار في الثقافة باقصى طاقة والإستفادة القصوى من الإمكانات الموجودة وتوجيه الغنى الثقافي من تراث وآثار وكتب ومخطوطات ومواقع أثرية وسياحية ، إلى عوامل قوة ورافعة حقيقية للنهوض بالإقتصاد الوطني والمساهمة الفاعلة في دعم وتوجيه الأنشطة الثقافية الوجهة الصحيحة والسليمة ..
ثمّة أسئلة يمكن طرحها في هذا السياق : هل يمكن لقطاع الثقافة أن يجاري قطاعات إقتصادية مثل الزراعة والصناعة و…من حيث المردود المادي ؟ او من حيث التأثير والأثر ؟ او من حيث البنية التحتية وتوظيفها بالشكل الامثل في عملية التنمية المستدامة ؟
إنّ الإجابة على هذه الأسئلة تدفعنا للتأكيد على أهمية الإستثمار في الثقافة ودور المثقف والمبدع في تأمين الصورة الإيجابية ونشر إبداعه وتسويقه والإعلان عنه ، والترويج لهذا القطاع بطريقة حضارية تعكس الجمال والرقي الذي يكمن في افئدة وأنامل المبدعين والفنانين .
إنّ تحول الثقافة من قطاع مستهلك إلى قطاع منتج له دور بارز في عملية البناء والتنمية ،وتوفير رأس مال ثقافي ، يحتاج إلى خطط وعمل متواصل ، وتوظيف كل الإمكانات المتاحة المادية واللامادية للإرتقاء بهذه الصناعة والتي محورها الأساس الإنسان المثقف والمبدع في مختلف نواحي الحياة …



